Menu
حضارة

"كلام غير مهم في غير السياسة"

بيت في مخيم - ارشيف

خالد جمعة

إنهم يسرقون الفرح عن الشرفات [كلام غير مهم في غير السياسة]

كلمة الشرفات مغرية للشعر، ولا مكان لها في السياسة، هل سمعتم سياسياً يذكر كلمة الشرفات في خطابه مثلاً؟

في المخيم، لم تكن هناك شرفات، بل شبابيك واطئة، على طول قامتنا نحن أولاد الابتدائية، لماذا كانت شبابيك المخيم بهذا الانخفاض؟ اكتشفنا لاحقاً أن المطر كان يغزو البيوت، فصار الناس يضعون طبقات من الرمل كي يبعدوا المياه عن منازلهم، ولأن الأرض ترتفع مع الرمل، لم تكن الشبابيك ترتفع كذلك، فصارت الشبابيك تقترب من الأرض حتى أصبحت لا تتعدى المتر ارتفاعاً، فماذا كان يفيدنا هذا؟

في الحقيقة أن كثيراً من الأمهات كنّ يضعن المأكولات المطبوخة حديثاً على حواف الشبابيك "كي تبرد"، لأن بيوتهن لا شرفات لها، ولهذا كان أولاد المخيم يقتنصون اللحظات التي تسبق الغداء، ومن هنا حبة "كوسا"، من هنا إصبع "ملفوف"، قطعة من كعكة، وكانوا يعتبرون ذلك انتصاراً، وحتى لو انتبهت المرأة إلى الأمر، فالوقت الذي تأخذه كي تخرج من البيت وتدور إلى الشارع حيث يطل الشباك، يكون الولد قد صار في أمريكا اللاتينية.

* وما علاقة هذا بالشرفات والسياسة؟

في السياسة هناك شرفات، لكنهم لا يتحدثون عنها، وعلى الشرفات يوضع كل شيء، ليس فقط المأكولات الساخنة، بل الأسلحة والبترول والقمح، الخطط والمؤامرات والصناعات، المال والذهب والحقوق، لكن هذه الشرفات محروسة جيداً، بقوانين نووية، فلا يجرؤ أحد على الاقتراب والسرقة، فإما أن تدفع ثمن ما تأخذه، أو يمنحك إياه صاحب الشرفة، والذي عادة لا يكون صاحبها الحقيقي، بل يكون قد استولى عليها من شخص أو دولة أخرى، ولكن لماذا سيمنحك ما تريد؟

هو لا يمنحك ما تريد كما تتصور، بل يمنحك ما يريد أن يتخلص منه، كأن يخترع طائرة تحمل رقم 10، فيبيعك الطائرة التي تحمل رقم 1، لأن مخازنه لم تعد تتسع لها، وهي غير مفيدة في كل الأحوال أمام الطائرة رقم 10، وتبتسم أنت ابتسامة المنتصر، ويبتسم هو ابتسامة المنتصر، فأي الابتسامات حقيقة، وأيها مزيف؟

اليوم، الشرفات لم تعد من حجارة، والماء الذي يسيل في الحنفيات عليه أن يمر من أنابيب الآخرين كي تشربه...

* وهل لديك مشكلة في أن يمر ماؤك من أنابيب الآخرين؟

بالطبع لدي مشكلة، فأنا منذ خمسين عاماً "عمر وعيي"، وأنا أحس في كل لحظة أنه يمكن أن يغلق أنابيبه في وجه حنفياتي، ولا يمكنني تخزين ما يصدر عن الحنفية لأكثر من يوم، وإلا سيأسن الماء... وهذا ينطبق على كل شيء، الماء مثال لا أكثر.

بالأمس، سرقوا الفرح عن الشرفات، هم من وضعوه، وندموا، ولذا سرقوه، أما أنا، فكنت أسير في شوارع المخيم، وكانت طبقة أخرى من الرمل قد وضعت على الأرض، فصار نصف الشباك تحت الأرض، وبعد أشهر قليلة، سيأتي الشتاء، ويأتي المطر.