Menu
حضارة

درعا والخطاب الناعم!

حاتم استانبولي

بعد أن أدركت الإدارة الأمريكية أن هنالك إصرار وطني سوري على إنهاء الوجود الإرهابي المسلح في الجنوب السوري. أبلغت واشنطن مجموعاتها المسلحة أنها لن تتمكن من التدخل عسكريًا لحمايتها. واتصالاتها مع موسكو لم تنجح في وقف العملية العسكرية للجيش السوري فيما أبلغت موسكو واشنطن أن قرار الجيش السوري هو قرار وطني سوري وهو القوة الشرعية الوحيدة على الأرض السورية وأي تواجد للمجموعات المسلحة يعتبر مخالفًا للقوانين السورية والدولية وأيّة دولة إن كانت إقليمية أو دولية تخشى على المجموعات المسلحة عليها أن تفتح حدودها لاستقبالهم. هذا ما سيسمعه الصفدي في موسكو أيضًا بالإضافة إلى أن خفض التصعيد كان يعني إعطاء فرصة للمجموعات التي تريد إعادة تسوية أمورها وهي فترة زمنية ليست مفتوحة إلى ما لا نهاية.

قرار الجيش السوري قرارٌ وطنيّ يخضع للمصالح الوطنية السورية وله الحق في التواجد على المسافة صفر من حدوده الدولية. ولذلك فإن أية خطابات تستحضر الجانب الإنساني هي خطابات فارغة سياسيًا وفي جوهرها تريد حماية المجموعات الإرهابية المسلحة لاستخدامهم في عملية الضغط السياسي على الدولة السورية ولو مؤقتًا؛ لتمرير الأهداف السياسية في الإقليم ومنها (صفعة القرن).

لقاء الملك عبد الله الثاني في واشنطن كان في سياق وضع الأردن أمام خيارات لا يمكن له أن يتحملها في الشأنين السوري والفلسطيني.

سفر وزير الخارجية الأردني إلى موسكو بعد لقاء الملك عبد الله مع ترامب يُدلل على أن العاهل الأردني أدرك أن لقاء هلسنكي القادم بين بوتين وترامب سيكون أحد عناوينه إنهاء وجود المجموعات الإرهابية في سورية والخيار الروسي السوري سيطرح على الطاولة أما انضمامها للجيش السوري أو خروجها للدول التي تدعمها.

درعا كان يُراد لها أن تكون نزفًا دائمًا لسورية في أحرج أماكنها ولكن إصرار الجيش السوري وقيادته السياسية على وقف النزيف وتحويله لدرعًا واقيًا للدولة السورية في جبهة مفتوحة مع المستعمر الاستيطاني الذي كان يحاول وما زال أن يأخذ اعترافًا ترامبيًا بضمّ الجولان بعد أن فشل في أخذها كثمنٍ لدعمه المجموعات الإرهابية التي فشلت في تقسيم سوريا.

مصلحة الدولة الأردنية تتطلب أن تفتح حوارًا مباشرًا مع دمشق وأن تكون أولوياتها مساعدة الدولة السورية على بسط سيادتها على أراضيها وحدودها وهي مصلحة وطنية أردنية.

نتائج معركة درعا أصبحت محسومة سياسيًا وعسكريًا ومؤشراتها أصبحت واضحة من خلال قرار باريس بتعيين ممثل للرئيس ماكرون في سوريا هذا يعني دبلوماسيًا صيغة أعلى من سفير.

المؤشر الثاني قرار ترامب بعدم التدخل العسكري لحماية المجموعات الإرهابية.

المصلحة الوطنية الفلسطينية تتطلب إعادة تموضع الموقف الفلسطيني بالمحور المناقض لسياسات إدارة ترامب وحلفائه الإقليميين والإسراع في إعادة بناء الموقف الوطني على قاعدة وطنية جامعة لكافة القوى والاتجاهات ودعم الموقف الوطني للدولة السورية باستعادة وحدة أراضيها.

لقاء هلسنكي سيكون لقاء صعبًا ولكن المصلحة الأمريكية في عودة العلاقات مع روسيا هي أولوية بعد أن فتحت معارك مع الجميع من كندا حتى الصين.

إدارة ترامب عزلت نفسها عن العالم وأصبح عدو كيم الأمس هو صديقه الوحيد.

لا خيار أمام ترامب سوى إنجاح لقاء هلسنكي ولحسن نيته ستكون أسهل ورقة يتنازل عنها هي الورقة السورية التي ينظر لها على أنّها حمل زائد على إدارة كازينو البيت الأبيض.

لذا كل الخطابات الناعمة التي تتذرع بالبعد الإنساني لن تجد آذانًا صاغية لا أمريكيًا أو أوروبيًا أو خليجيًا.

معركة درعا في ظاهرهًا مع المجموعات الإرهابية ولكن في جوهرها مع تل أبيب هي معركة إعادة التوازن السياسي والعسكري مع (إسرائيل).