Menu
حضارة

بينما ننتظر "صفقة القرن" لنرفضها.. !!

بوابة الهدف

أرشيفية

خلال فترة وجيزة من الآن سيعلن  دونالد ترامب  وإدارته عن بنود ما اصطلح عليه "صفقة القرن"، وبالطبع سينبري الكثيرين من الفلسطينيين لإعلان رفضها، وربما يتبع ذلك الاحتفاء بانتصارهم عليها وإسقاطها، ولكن هذا سيكون جزءاً من الحقيقة فقط، جزءاً صغير من الحقيقة.

من اعتاد دراسة سلوك امبراطورية الشر الأمريكي و معسكر الإمبريالية الغربية يدرك جيدا أنها لم تعد تعتمد على مذكرات فرض الاستسلام، على غرار تلك التي كانت تقدمها الامبراطورية البريطانية للشعوب المقهورة إبان فترة "دبلوماسية البوارج"، فإما ان تقبل وتستسلم أو تتعرض للتدمير، في عصرنا الحالي هناك الكثير من أدوات القهر التي تقوم بأدوارها المتعددة في فرض ما تراه هذه الأطراف مصلحة لها، وهذا ينطبق أيضا على الحالة الفلسطينية.

بينما تتدفق التحذيرات من صفقة القرن والبيانات عن النوايا برفضها وإسقاطها يجري تطبيق أهداف هذه الصفقة على الأرض، فالأمر ليس سراً فنحن نتحدث عن فرض تصفية للحقوق الفلسطينية والنضال الفلسطيني، وفتح لأبواب التطبيع والتعاون العربي مع الكيان الصهيوني، ليلعب هذا الكيان دور أكبر في مصير شعوب المنطقة، وهنا بإمكاننا الملاحظة بسهولة أن كل هذا يجري تطبيقه يوميا، ولكن المشكلة أننا ننتظر "صفقة القرن" لنرفضها وبينما نعلن عن استعدادنا لمواجهتها فإن الكثير من الأطراف العربية والفلسطينية تقدم بسلوكها السياسي ما يسهل استمرار إنفاذ هذه "الصفقة/ الاجراءات" على الأرض، وفي النهاية لن يكون إنجاز كبير إن نجحنا في تصليب إرادتنا وأعلنا رفضنا للنص السياسي لهذه الصفقة، أي لإقرار مكتوب بقبولنا ما ينفذ فعليا، وهذه السطور ليست دعوة لهذا القبول أو الاستسلام، ولكن دعوة لإبصار ما يجري تطبيقه بقوة الاحتلال وتخاذل المتخاذلين وانقسام المنقسمين، حيث تمضي علاقات العديد من الدول العربية الرئيسية قدماً مع الكيان الصهيوني، باتجاه تكريس تحالف أمني في مواجهة شعوب المنطقة وحقوق هذه الشعوب، وتتنامى المواقف والسياسات العدائية من هذه النظم تجاه القضية الفلسطينية وشعب فلسطين، ذلك في وقت يستمر فيه العدو بسياسات المصادرة والاستيطان والضم والتهويد في الضفة و القدس ، وتتخذ الإجراءات المتلاحقة لتفكيك الوجود الفلسطيني في المناطق "ج" أي معظم مساحة الضفة الغربية، وتتجاوز الولايات المتحدة الخطوط الحمراء جميعا في تغطيتها السياسية للكيان الصهيوني، فمن جهة تنقل سفاراتها للقدس وتشجع الدول الخاضعة لها على المضي بالاتجاه نفسه، ومن جهة ثانية تقدم المظلة الراعية للتطبيع والتحالف بين النظم العربية والكيان الصهيوني، فإذا أخذت الأرض وتم الاعتراف والتطبيع، ما الذي يتبقى لنرفضه أو نقبله، فقط محض قبول أو رفض النص السياسي لهذه الصفقة.

هذا ما يقوم العدو به لتحقيق أهدافه مباشرة، فيما يتم التلاعب بالمنقسمين الفلسطينيين لتفكيك أي ملامح للصمود الشعبي والوطني، تمهيدا لمحاولة فرض الاستسلام الكامل على شعبنا، ففي هذا السياق يجري تقديم العروض للاستسلام الفردي على هذا الطرف أو ذاك مقابل الحصول على موقع سياسي أفضل وشروط مخففة لهذا الاستسلام، فلقد أعلنت الأطراف المتورطة في صفقة القرن خطتها لمستقبل  غزة ، وهي خطة عدائية تجاه الكل الفلسطيني، لا تتضمن موقع لأي من الفاعلين السياسيين الحقيقيين، بل تؤكد على نوع من الوصاية الانتدابية الدولية على القطاع.

تمضي الاجراءات الصهيونية في الضفة الغربية، وتمهد العقوبات بجانب الحصار والقتل المستمر بشكل أو بآخر لدفع غزة لهذا الاستسلام، فيما يجري محاصرة وتقييد الدبلوماسية الفلسطينية وإضعاف دورها، ونزع الشرعية عن المؤسسات القيادية الفلسطينية بأيدي أصحابها المصرين على سياسات التفرد والإقصاء بما يبقيهم عاجزين عن أي فعل يأتي في إطار مواجهة صفقة القرن، فهل يعقل أن الإجراء الوحيد المتخذ رسميا حتى الآن لمواجهة صفقة القرن هو العقوبات على غزة؟!

لم يعد بالإمكان تحمل ما يجري من عبث سيهدم البيت فوق رؤوسنا جميعاً، ويهدر الحقوق الوطنية، ويقود هذا الشعب لمصير أشد سواداً وظلاماً، من حقنا اليوم أن تجيبنا كل الأطراف السياسية عما قدمته بدلائل وخطط عملية وإجراءات محددة لمواجهة الإنفاذ المباشر لصفقة القرن، من واجب هذه القوى تقديم سلوك وحدوي واستراتيجية وطنية تضع حماية حقوق شعبنا هدفاً لها، فهذا الشعب قادر على الدفاع عن نفسه وإسقاط إجراءات العدو على الأرض شريطة الكف عن العبث السياسي بمصيره، وتمكينه من موارده وأدواته النضالية.