Menu
حضارة

عن المكسيك : جار النار

عن المكسيك : جار النار

خاص بوابة الهدف - قطاع غزة

لم يبتلى جار بجاره كما اُبتليت المكسيك بجوار الولايات المتحدة الأمريكية، حيث سعت الأخيرة وعلى نحو مستمر لتكريس هيمنة دائمة على المكسيك وسياساتها، مستفيدة من عجز الساسة الفاسدين الذين تتابعوا على الحكم في المكسيك.  الانتخابات التي فاز بها " اليساري" مانويل أوبرادور جاءت بعد حملة عنف دموي راح ضحيتها حوالي 130 قتيلاً، ذلك في ظل احتجاجات شعبية متوالية على الفساد وسوء الإدارة الحكومية، وتفشي الجريمة المنظمة والتوزيع غير العادل لموارد البلاد.

فيما تعاني المكسيك من جراء تصعيد أمريكي كبير صاحب صعود رونالد ترامب، وما أقره من سياسات تجاه الهجرة المكسيكية أو قوانين التجارة بين البلدين، ورغم الترحيب الأمريكي الرسمي على لسان  دونالد ترامب  بفوز الرئيس المكسيكي الجديد لا يمكن أن نتوقع للمكسيك من الولايات المتحدة إلا ما كان تجاه فانزويلا تشافيز، أو تشيلي سلفادور، فالحديث الطويل عن دعم الديموقراطية والحريات من قبل إمبراطورية الهيمنة الأمريكية ما هو إلا استهلاك إعلامي ودعاية جرت من خلفها عشرات الانقلابات العسكرية التي مولتها ودعمتها الولايات المتحدة على الديموقراطيات المنتخبة في الأمريكيتين الوسطى والجنوبية.

من الصحيح أن صعود مانويل أوبرادور هو تعبير عن انحياز شعبي حقيقي وتمترس في وجه السياسات اليمينية الفاسدة التي قادت البلاد، ولكن من المبكر جداً النظر للمكسيك تحت قيادة أوبرادور كما لو كانت فانزويلا جديدة أو كوبا، فالرجل ليس بوسعه المناورة كثيراً في سياساته في ظل السيطرة الأمريكية شبه المطلقة على مفاصل منظومة الحكم في البلاد، فمن جهة يخضع الجيش المكسيكي وقطاعات الشرطة للنفوذ الأمريكي الذي يتكرس عبر ما يسمى البرامج المشتركة لمكافحة الجريمة والاتجار بالمخدرات، وحتى الحدود المكسيكية مع الجيران الآخرين تشارك الولايات المتحدة في رقابتها وحراستها وذلك بحجة منع تدفق المهاجرين من بقية دول القارة إلى المكسيك ومنها للولايات المتحدة، أي أننا أمام تجسد فعلي لمقولة " الحديقة الخلفية"، فالولايات المتحدة تحرس حدودها بداية من حدود المكسيك، وتفرض عليها اتفاقية " نافتا" التي تجعل منها كتلة تجارية واحدة مع الولايات المتحدة. 

نحن نتكلم عن سنوات طويلة من الهيمنة الأمريكية المتغلغلة، والتي لن يكون الفكاك منها سريعا على ما يبدو، في ضوء سوابق الولايات المتحدة في إلحاق الأذى والحصار بكل تجارب الحكم الديموقراطي التي حاولت قيادة بلادها للانفكاك عن الهيمنة الأمريكية، ولكن كل صوت للشعوب ضد هذه الهيمنة هو باب للأمل، وحين صوت الجمهور المكسيكي للرئيس الحالي فإنه صوت ضد الهيمنة والعدوانية الأمريكية المتمادية حالماً بغدٍ أفضل يتنفس فيه استقلاله، في عالم باتت مساحات الحرية من هذه الهيمنة ضيقة، ولا سبيل فيه للصمود دون بناء شبكة تحالف بين المقهورين جراء هذا الجبروت الإمبريالي المستمر.