Menu
حضارة

التركيز الشديد يرهق المخ..

على عكس الشائع.. تشتيت الانتباه يحسن كفاءة الدماغ

تعبيرية

مراقبة الأم ومتابعة ما تقوم به، طوال يومها منذ لحظة الاستيقاظ إلى غاية الخلود إلى النوم، توحيان بأنها لن تصمد مطولًا وبأنها ستنهار، في أيّة لحظة. وهي نتيجة منطقية برأي بعض العلماء الذين يؤمنون أن الإنسان غير قادر على القيام بالكثير من المهام في الآن نفسه.

يرى هؤلاء أن توزيع طاقة الدماغ يتسبب، في نهاية الأمر، في إهدارها فمثلًا إذا أردنا أن نسقي إحدى النبتات قد لا نصل إلى نفس النتيجة إذا استخدمنا خرطوم مياه مثقوب، لأن ذلك سيدفعنا إلى فقدان كمية أكبر من الماء قبل الوصول إلى التربة التي نريد.

يتفق العالم غراهام بيل مع أصحاب هذه النظرية، ويقول “ركز كل تفكيرك في العمل الذي تعكف على تنفيذه، فإن أشعة الشمس لا تحرق إلا إذا تجمعت في بؤرة واحدة”.

لكن في حال تبني هذا التشخيص، وعودة إلى نموذج الأم، فإنه وفقا لبيل هي مطالبة فقط بالتركيز على مهمة واحدة والانتظار حتى الانتهاء منها. وهو ما يصعب تحقيقه لما فيه من مضيعة للوقت ودفع باتجاه تراكم أكبر للمهمات. في حين، تتمكن الأم، من الطبخ والعناية بالرضيع وطعامه وترتيب البيت وتدريس بقية أبنائها، في أوقات متداخلة وأحيانًا في نفس اللحظات.

لا تختلف تجربة الطالب والموظف كثيرًا عن الأم فهما أيضًا مكلفان بالتفكير والتنفيذ وحل المسائل، خلال وقت وجيز.

لبرهة يخيل إلى الإنسان أنه عاجز على تحميل دماغه كل هذا الضغط وأن النتيجة لن تكون في صالحه. والحال أن للدماغ قدرة كبيرة على التكيف، بل إن هذا التشتيت والتنوع في المهام بمثابة فسحة من الراحة تساعد على تخفيف التركيز حول موضوع واحد.

العملية برمتها تشبه إلى حد كبير التمارين الرياضية، فالغاية من الرياضة الحصول على لياقة متوازنة ومعتدلة، دون الوقوع في فخ الشد العضلي، وهذا لن يتحقق إذا ركزنا التدريب فقط على عضو واحد، طوال الوقت. فالدماغ مثل العضلات بحاجة لفترات من الراحة وتشتيت الانتباه والتخلص من التفكير المضني في أمر واحد.

هذا ما أكدته نتائج دراستين نشرتهما هيئة الإذاعة البريطانية “بي.بي.سي”. وجاء فيهما أن التركيز الشديد على مهمة بعينها قد يؤثر سلبا على الطاقة الإبداعية.

وتشير هاتان الدراستان إلى أن بعض الأفكار تعلق في ذهننا وتشغلنا عما سواها، وهذا يعني أن الأفكار الأولى التي تطرأ على بالنا تستحوذ على عقولنا لفترة طويلة وقد تمنعنا من ابتكار حلول خلاقة.

وتعرف هذه الظاهرة باسم “ثبات الانتباه” التي تؤثر على العمليات المعرفية. ويرى الكثير من علماء النفس الآن أن التركيز على موضوع واحد هو العائق الرئيسي أمام الإبداع.

وقد أجرى جاكسون لو وفريق بكلية إدارة الأعمال بجامعة كولومبيا دراسة للكشف عن مزايا القيام بمهام متعددة في آن واحد، واستعانوا فيها باختبار معملي شائع لقياس القدرة على الإبداع. وطُلب من المشاركين التفكير في أكبر عدد ممكن من الاستخدامات لبعض الأشياء المعروفة، كالوعاء العميق، أو السلطانية، في وقت محدد. واقترح أحدهم، على سبيل المثال، أن يستخدمها كغطاء رأس للوقاية من المطر.

ثم طُلب من المشاركين في المرة الثانية التفكير في استخدامات بديلة للطوب وأعواد تنظيف الأسنان، ولكن هذه المرة كانوا يفكرون في مجموعات، إذ تُركز إحدى المجموعات انتباهها على أعواد تنظيف الأسنان بعد الانتهاء من إيجاد استخدامات للطوب، بينما تفكر المجموعة الأخرى في أغراض الاثنين بالتناوب.

وكتب الفريق في نهاية البحث “في الواقع، لولا التوقف من آن لآخر لتحويل الانتباه من مهمة إلى أخرى، لكانوا أحرزوا تقدما محدودا”.

وبقياس عدد الأفكار التي غمرت أذهان المشاركين في المجموعتين ومدى مستوى الابتكار فيها، بحسب تقدير حكام مستقلين، كان أداء مجموعة المشاركين الذين نفذوا مهاما متعددة في آن واحد أفضل من أداء المجموعة الأخرى.

علماء النفس يرون أن التركيز على موضوع واحد أو ما يطلق عليه "ثبات الانتباه" هو العائق الرئيسي أمام الإبداع

ولتأكيد النتائج، أجرى الفريق اختبارا آخر لقياس قدرة المشاركين على إيجاد روابط بين مفاهيم لا تمت لبعضها بصلة بالاستعانة بطريقة التفكير التقاربي، وهذا يعني أن الفريق كان يبحث عن إجابة واحدة تسطع في ذهن المشاركين خلال جزء من الثانية.

وقسّم فريق المشاركين إلى مجموعتين، بحيث تدرس إحداهما المشكلتين معا، بتحويل الانتباه بالتناوب بين الاثنين، بينما تبحث الأخرى عن حلول لكل مشكلة على حدة.

وكانت النتائج مدهشة، إذ استطاع 51 في المئة من المشاركين في الفريق الذي جمع بين مهام متعددة في آن واحد أن يتوصلوا إلى حلول للمشكلتين، في حين لم يتوصل إلا 14 في المئة من الفريق الآخر إلى حلول لهما، أي كانوا أكثر منهم بثلاثة أضعاف.

يقول أوت نا سيو، بجامعة التربية بهونغ كونغ “انتهت دراسات عديدة إلى أن جلسات التفكير الجماعي لا تحقق الفائدة المرجوة منها في جميع الحالات. وربما لو أدخلنا عليها تعديلا طفيفا، لأصبحت أكثر فعالية وكفاءة”.

وأجرى سيو تجربتين مع زملائه من جامعة كارنيغي ميلون، وانتهى إلى أن إجبار الطلاب على تأدية مهام متعددة في آن واحد، بتحويل الانتباه بين مشكلتين، قد يساعدهم في التغلب على مشكلة الانشغال التام بأفكار بعينها على حساب غيرها، وبذلك سيتمكنون من التوصل إلى حلول خلاقة للمشاكل التي يناقشونها.

ويبدو أن مزايا تحويل الانتباه بين مهام متعددة تزداد، كلما طالت مدة جلسة العصف الذهني التي يطرح من خلالها الطلاب حلولا إبداعية.

ويقول سيو “في جلسات التفكير الجماعي، تستمع عادة إلى أفكار نمطية، وقد تركز عليها وتنشغل بها عما عداها. ولكن تحويل الانتباه من مشكلة لأخرى قد يساعدك في نسيان هذه الأفكار النمطية، فعندما تعود إلى المشكلة الأولى، قد تتمكن من الخروج بأفكار مبتكرة”.

وليس من الصعب الاستفادة من هذه النتائج في حياتك اليومية. فبدلا من أن تخصص وقتا محددا للتمعن في التفكير بعنوان مبتكر لمشروعك أو اسم لمنتج جديد، على سبيل المثال، ربما يكون من الأفضل أن تضع دفتر مذكرات بجوار جهاز الكمبيوتر وتدون فيه بين الحين والآخر فكرة جديدة أو حلا جديدا لمشكلة ما، أثناء تأديتك لمهمة أخرى.

ويقول لو “عندما تعكف على تنفيذ مهام تتطلب تفكيرا إبداعيا، فإن فترات الراحة بين الحين والآخر ستساعدك على تناولها من منظور مختلف”.

وعلى العكس من ذلك، فالتمسك بالتفكير المضني والإصرار على التركيز على مسألة ما يسببان الإجهاد ويزيدان التوتر ويضعفان من قدرات الدماغ، مع الوقت.

فقد كشف باحثون فرنسيون عن أنزيم، يظهر عند الإجهاد، يعمل على مهاجمة الجزيئات التي توجد في الحصين (وهو المنطقة المسؤولة عن تنظيم نقاط الاشتباك العصبي) وعندما يقوم هذا الأنزيم بمهاجمة الحصين، يحدث تعديل في نقاط الاشتباك العصبي، ما يؤدي إلى تخفيض عدد الوصلات العصبية التي تتكون في تلك المنطقة. وهذا يؤدي إلى فقدان القدرات الاجتماعية للشخص، ما يدفعه إلى تجنب التفاعل مع الآخرين، إضافةً إلى معاناته من ضعف الذاكرة وضعف الفهم.