Menu
حضارة

الاحتجاجات الإيرانية والدروس الغائبة

د. محمد السعيد إدريس

عندما تتجدد الاضطرابات والتظاهرات الشعبية في العاصمة الإيرانية طهران، وتمتد إلى العديد من المدن الإيرانية الكبرى من مشهد في الشمال الشرقي إلى زهدان في الجنوب الشرقي إلى خورمشهر وعبدان وبندر عباس والأحواز في الجنوب الغربي لإيران، بعد أقل من ستة أشهر من حدوث انتفاضة شعبية كبرى نجحت في أن تهز النظام الحاكم في إيران، فإن هذا يدحض بقوة كل المزاعم الحكومية الإيرانية بأن هذه الاحتجاجات والتظاهرات هي محض «مؤامرة خارجية»، أو أنها، كما قال الرئيس الإيراني حسن روحاني «ترجع لأدوار مشبوهة يقوم بها الإعلام الخارجي المعادي»، أو كما ردد وزير داخليته عبد الرضا رحماني فضلي، في بيانه الذي أعلن فيه عودة الهدوء مجدداً وانتهاء الاحتجاجات التي تفجّرت على مدى أسبوع كامل، سببها «وسائل إعلام خارجية والفضاء السيبراني». 

هناك تحريض خارجي، ربما، لكن القضية التي يعجز النظام الإيراني عن إخفائها هي عجزه عن مواجهة هذه التحديات. هذا العجز عن معالجة أسباب خروج الاحتجاجات التي تطالب بتحسين الأوضاع المعيشية ومحاربة الفساد، قد يؤدي، مع تراكم الأحداث، إلى توفير أرضية معارضة قوية حقيقية لديها العزم على إسقاط النظام. 

هذه الأرضية قد تكون غير موجودة الآن، لكن عدم وجودها لا يعني استحالة ظهورها في المستقبل، وربما المستقبل القريب، بسبب فشل النظام في معالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الموجودة والتي سوف تتفاقم حتماً بسبب العقوبات الاقتصادية الأمريكية وغير الأمريكية ابتداءً من الآن، بعد الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي الموقّع مع إيران، وبعد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجديد فرض العقوبات وتصعيدها. ومن يراجع المطالب أو الشروط الاثني عشر التي طرحها وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو على إيران سيجد أن ثلاثة مطالب منها فقط تتعلق بالقدرات النووية الإيرانية والصواريخ الباليستية، وأن باقي الشروط تتعلق بسياسة النظام الإيراني على المستوى الإقليمي، وأنها تنتهي بمطالب تتجاوز الاتفاق النووي والصواريخ الباليستية إلى طموح يرمي إلى إسقاط النظام من الداخل من خلال إحكام الضغوط عليه ودعم المعارضة الداخلية، وهذا يعني أن الأشهر القادمة سوف تشهد مزيداً من تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وإذا لم يستمع النظام إلى صوت المعارضة الرافض لسياسات الحكومة، فسوف يكون مضطراً لأن يسمع، في المدى القريب، هدير أصوات الجماهير التي تطالب بإسقاط النظام. 

قد يكون النظام قد نجح في احتواء انتفاضة ديسمبر الماضي، وقبلها نجح في احتواء «الثورة الخضراء» عام 2009، وقد يكون قد نجح في إخماد احتجاجات الأيام الماضية وقد ينجح في احتواء وإخماد موجتين أو ثلاث موجات أخرى قادمة من الاحتجاجات والاضطرابات، لكنه لن ينجح إلى الأبد إذا لم تكن لديه قدرة على المعالجة الجادة للأزمات، وقبلها مواجهة جادة مع النفس وامتلاك الشجاعة الأدبية للنقد والمراجعة. وما هو حادث الآن قد يكون مجرد احتجاجات، لكنها قد تتحوّل إلى ثورة حقيقية إذا ما استمر الفشل، وإذا ما استمر وصم هذه الاحتجاجات والاضطرابات بأنها محض «مؤامرة خارجية».

الشعب الإيراني يخرج الآن للاحتجاج على سوء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وهو هنا يعلن احتجاجه على سوء إدارة النظام لشؤون الدولة وبالذات أولوية الإنفاق على التسلح على حساب تحسين الاقتصاد وارتفاع مستويات المعيشة، ويعترض على أولوية الإنفاق على التدخل في الأوضاع والأزمات الخارجية على حساب الإنفاق على الخدمات والإنتاج الصناعي والزراعي. الإيرانيون يحتجون على إعطاء النظام الأولوية للأمن الداخلي، عبر الإسراف في التدخل بالشؤون الداخلية لدول الجوار، بدلاً من إعطاء الأولوية لتحسين العلاقات مع هذا الجوار، وخاصة الجوار العربي.

قد يؤدي تمادي النظام في ممارساته الخاطئة إلى تفاعل تاريخي بين النخب والشعب، تؤدي إلى تخليق معارضة داخلية جادة وقوية يكون بمقدورها فعلاً إسقاط النظام، وهذا هو الدرس الذي ما زال غائباً عن النظام الإيراني وقياداته.