Menu
حضارة

حقوق المرأة وتحولات «الحراك العربي»

إدريس لكريني

وجدت المرأة في الحراك الذي شهدته المنطقة فرصة لتجديد مطالبها وتطلعاتها نحو غد أفضل، يضمن حقوقها ويعزز مكتسباتها، ولذلك كان انخراطها قوياً ومكثفاً في كل مراحله.

وراكمت المرأة في العديد من دول الحراك (تونس، و مصر وليبيا، والمغرب..) بعض المكتسبات على طريق تمكينها، فالعديد من هذه الدول غالباً ما تعاطت مع قضايا المرأة بصورة مرنة ومتدرجة، رغم الإشكالات المطروحة في هذا الصدد. غير أن صعود التيارات الإسلامية في هذه البلدان، خلق حالة من الشك والخوف بصدد إمكانية التراجع على بعض المكتسبات على قلتها، مع بروز بعض الخطابات المتشددة في هذا الشأن.

ولا تخفى الصعوبات التي تواجه الباحث عن تقييم انعكاسات الحراك في المنطقة العربية بشكل عام، على أوضاع النساء، على اعتبار أن هناك تبايناً في التعاطي مع هذا الموضوع من دولة إلى أخرى، علاوة على أن أجواء الحراك اتخذت طابعاً دموياً وصعباً في عدد من الأقطار.

وانخرطت الكثير من النساء، من ربّات بيوت وإعلاميات ومحاميات وحقوقيات ومثقفات وطالبات، بفعالية وكثافة في الاحتجاجات والتظاهرات التي شهدتها المنطقة، وتباينت الفئات النسائية التي شاركت في هذا الحراك من حيث تنوّع الأعمار والمستويات الثقافية؛ واختلاف الأشكال النضالية. فحضور المرأة في ميدان التحرير بمصر كان مكثفاً؛ حيث شاركت في التظاهرات وردّدت الشعارات، علاوة على دور الناشطات في المجتمع المدني، والأحزاب السياسية، والبحث العلمي، وشبكات التواصل الاجتماعي،

وأسهمت النساء أيضاً في مواكبة الحراك بآرائهن ونقاشاتهن وتعبئتهن للجماهير عبر مختلف السبل والقنوات، بما فيها شبكات التواصل الاجتماعي التي أضحت آلية ناجعة للمرافعة والضغط.

إن تحرك المرأة بمختلف توجهاتها السياسية، والثقافية، والاجتماعية، في هذه المرحلة، يعكس الرغبة في تحسين أحوالها ومحيطها، وهو بمثابة ردّ صارم وقوي على الأصوات التي ظلت تربط النساء بالضعف، وعدم الاهتمام بالشأن العام.

وكان من حسنات الحراك أن أفرز نقاشات مجتمعية متباينة في مضامينها، بين تيارات حداثية، ومحافظة، ولم تكن قضية المرأة بعيدة عن هذا النقاش، حيث تزايدت الخطابات الداعية إلى تطوير حقوقها وتمكينها، وبرزت مواقف تدعم هذا التوجه بمستوياته السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية.

ورغم ذلك، فقد كانت حصيلة النساء من الانتخابات التشريعية التي أعقبت الحراك في مصر وتونس والمغرب وليبيا، دون مستوى عطاءاتها، وإسهاماتها في هذا الحراك، وانتظاراتها، الأمر الذي يعكس وجود أزمة وعي مجتمعي يكرّس الثقافة الذّكورية، ويؤّكد أن ترسيخ حقوق المرأة يحتاج لوقت ولتدابير مختلفة تدعمها ميدانياً.

وقد وفّرت الثورة في تونس الأجواء السياسية لبروز أحزاب جديدة كانت المرأة حاضرة فيها بشكل كبير، ووجدت فيها الفرصة لإبراز إمكاناتها ودعم مشاركتها وحضورها السياسيين.

ولم تخف الكثير من فعاليات المجتمع التونسي من حركات نسائية وهيئات المجتمع المدني والنخب المثقفة والسياسية تخوفاتها من تهميش المرأة في مرحلة البناء والتراجع عن مكتسباتها السياسية والقانونية، حيث عبّرت عن يقظة وحذر كبيرين، وتحت الضغط الذي مارسته هذه الفعاليات تم تضمين الدستور الجديد مجموعة من المقتضيات الدستورية الداعمة لحقوقها.

وفي ليبيا، كان للمرأة دور مهم في انطلاق الحراك، وصل الأمر ببعضهن إلى حدّ المشاركة في العمليات القتالية، ما يعكس حجم المعاناة التي قاست منها لعقود.

واستثمرت المرأة الليبية أجواء الانفتاح الذي تمخض عن نهاية مرحلة القذافي من خلال الانخراط ضمن فعاليات المجتمع المدني، وخلق عدد كبير من الجمعيات، ثم التعبير عن مطالبها بصورة علنية، والسعي إلى النهوض بأوضاعها.

وفي المغرب، حمل دستور 2011 مجموعة من المقتضيات التي تدعم تمكين المرأة، فالفصل التاسع عشر يشير إلى أن الدولة تسعى إلى تحقيق مبدأ المناصفة بين الرجال والنساء؛ ونص على إحداث هيئة للمناصفة، ومكافحة كل أشكال التمييز (الفصل 19 أيضاً)، كما أكد على مناهضة العنف وكل أشكال المعاملات القاسية الحاطّة بالكرامة الإنسانية.

غير أن تحقق الرهان يظل قائماً على ضرورة تنزيل هذه المقتضيات على وجه سليم، وهو أمر يسائل الحركات النسائية، وفعاليات المجتمع المدني، والأحزاب السياسية، والبرلمان، والحكومة.

وتواجه المرأة الكثير من التحديات في عدد من دول الحراك، في علاقة ذلك بهيمنة الثقافة الذكورية، والتشكيك في قدرات وإمكانات النساء، وتكريس النظرة النمطية للمرأة داخل المجتمع، فضلاً عن تقصير عدد من القنوات التعليمية والحزبية والإعلامية، في ترسيخ ثقافة تدعم تمكين النساء.

إن دعم حقوق المرأة، وتعزيز مساواتها، هو تمتين للشعور بالمواطنة داخل المجتمع، بعيداً عن أي تمييز، أو إقصاء. وهو أمر يتطلب إعمال مقاربة شمولية، تتجاوز التركيز على المدخل القانوني، نحو مداخل أفقية مختلفة، في علاقة ذلك بترسيخ ثقافة تدعم حضور المرأة، وتقضي على مختلف الصعوبات النفسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، التي تواجهها داخل المجتمع. وأخرى عمودية في علاقتها باستحضار المرأة وقضاياها في السياسات العمومية، وبلورة تشريعات تسهم في تمكينها، مع الاقتناع بأن تحقّق التنمية والديمقراطية لا يمكن أن يتأتّى من دون تمكين المرأة ومنحها المكانة اللائقة بها داخل المجتمع.