Menu
حضارة

اليسار العربي في مواجهة أنظمة القمع العربية البوليسية

محمّد جبر الريفي

اليسار في المنطقة العربية، الذي تجسد في معادلة الواقع السياسي الثوري في مواجهة التخلف وافتقار الأيديولوجيا، والذي عبّر عن نفسه بشكل تنظيمي في نشوء الأحزاب الشيوعية العربية منذ الثلاثينات من القرن الماضي خاصة في بلدان المشرق العربي، تعرض لكثيرٍ من وسائل القمع من قبل الأنظمة العربية الحاكمة لا فرق في ذلك بين الأنظمة الوطنية التي تعبر عن مصالح  البرجوازية الصغيرة ( مصر سوريا العراق) وبين الأنظمة الرجعية التي تربطها علاقات التبعية بكافة أشكالها مع دول المعسكر الرأسمالي الامبريالي.

لم تكن هذه الأحزاب تعزز وجودها في الحياة السياسية العربية وتبرز كقوة تقدمية وفي ظل انعدام الديموقراطية، حتى بدأت تتعرض للاتهام بالكفر والإلحاد الذي لاحق كوادرها وقياداتها حيث لم يكن عامل التخلف الثقافي السائد في الشارع العربي يسمح باستيعاب أفكارٍ منافية للثقافة الغيبية.

كانت العقلية السياسية العربية الرسمية ترفض فكرة الجدل التي طرحتها النظرية الماركسية اللينينية، وقد كان لموقف هذه الأحزاب من العامل الديني والقومي الدور الكبير وراء حملة القمع العربية الرسمية حيث التزمت الأحزاب الشيوعية العربية بتعميم المركز الأممي السوفيتي في الموقف المعارض  من المسألتين الدينية والقومية وكان الشيوعيون العرب يصيغون استراتيجية تنطلق من استراتيجية الاتحاد السوفييتي، لذلك ثقّفوا جيلًا كاملًا تناثر في كافة الأحزاب، بخط سياسي مغاير للثقافة السائدة، وكانت تشكل الأحزاب الشيوعية العربية بهذا الموقف السلبي  نسخة كربونية لأفكار الثورة البلشفية التي أطاحت بحكم القياصرة الروس الذين شيّدوا إمبراطوريتهم على أساس العرق السلافي والمذهب لارثوذكسي، وذلك خلافًا لما عليه النسيج الاجتماعي الأوروبي.

 في المسألة الدينية جاهرت الأحزاب الشيوعية العربية في الالتزام بموقف التشدد من هذه المسألة الروحية (الدين أفيون الشعوب) التي لها حساسيتها المفرطة بين الجماهير العربية خاصة الجماهير الشعبية الكادحة التي يغلب عليها طابع المحافظة والتدين والتي ليس من السهل عليها الانقياد بشكل سياسي أو تنظيمي للأفكار الثورية التي تضمنتها النظرية الماركسية اللينينية بأطروحاتها المادية الجدلية، ولذلك كان النفور واضحًا في موقف هذه الجماهير الأمر الذي جعل الأحزاب الشيوعية العربية تفتقر إلى قاعدة شعبية عريضة في مجتمعاتها رغم تميّزها بعمق الوعي السياسي والثقافي، لأن عملية التوسع والانتشار في اكتساب أعضاء جدد ظل مقتصرًا  بشكل خاص على أوساط الأقليات العرقية والدينية في الوطن العربي وأيضًا على بعض النخب السياسية والثقافية التي تأثرت من خلال الاتصال بالثقافة الغربية بالفكر الاشتراكي والإصلاحي الأوروبي.

أما في المسألة القومية فقد وقفت الأحزاب الشيوعية العربية بصراحة في مناهضة المشروع القومي العربي التي كانت تقوده مصر الناصرية  واعتبرته مشروعًا برجوازيًا واستبداديًا بحكم افتقاره للأداء الديموقراطي، لذلك فهو غير قادر على القيام بإحداث عملية تنمية اقتصادية  شاملة بهدف حل مشاكل الجماهير المعيشية الطاحنة، والقضاء على مظاهر التخلف الحضاري السائدة في المجتمع.

وقد تجلى ذلك في موقف هذه الأحزاب من الوحدة المصرية السورية في عام 1958 إذ تأثرت العلاقة السوفيتية العربية وشهدت توترًا  في تلك الفترة مع قيادة الزعيم عبد الناصر بسبب معارضة الحزب الشيوعي العراقي، وهو من أكبر الأحزاب الشيوعية العربية في فترة الخمسينات والستينات، وكان يقوده الأمين العام خالد بكداش وهو كردي. فقد عارض دولة الوحدة التي عرفت باسم الجمهورية العربية المتحدة والتي أرادت الجمهورية العراقية الانضمام إليها بعد الإطاحة بالنظام الملكي في بغداد.

لقد كان بالإمكان إلى حد كبير تجنب هذا القمع السياسي الفاشي الذي تعرضت له الأحزاب الشيوعية العربية، من قبل أجهزة الأنظمة العربية البوليسية، وكذلك تهمة الكفر والإلحاد وهي تهمة عنيفة في وقعها لأنها تتصل بمنظومة الأخلاق، لو أدركت هذه الأحزاب الماركسية  خصوصية الواقع العربي، حيث العامل الديني والقومي لهما المكانة الهامة والقصوى  في صياغة المشاعر الإنسانية، لذلك لم تكن الأحزاب الشيوعية العربية هي الإطار الذي يمكن أن يحتوي الاندفاع نحو جبهة اليسار بسبب تجاهل هذه الخصوصية لطبيعة القيم السائدة في المجتمع العربي. وكذلك أيضًا بسبب الالتباس الذي أحاط بموقفها من القضايا القومية كالقضية الفلسطينية، ومسألة الوحدة العربية وأحيانًا بسبب سياسات المهادنة التي تنتهجها إزاء البرجوازية الوطنية، لذلك كان الشروع في بناء أحزاب ثورية من نوع جديد يتجاوز عقم قيادات المشروع القومي البرجوازي ويتفادى في نفس الوقت سلبيات برامج الأحزاب الشيوعية، هي الظاهرة التي سادت الحياة السياسية العربية بعد هزيمة يونيو حزيران 67، وكانت بذلك تتم عملية الانتقال نحو اليسار عند كثير من المناضلين القوميين في البلدان العربية بحماس منقطع النظير.

في الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة انتشر في الاتجاه القومي التطلع نحو ولادة أحزاب ثورية ترفع راية الماركسية اللينينية وتنخرط في حركة المقاومة المسلحة وهو الشيء الذي تجسد في الجبهتين الشعبية والديموقراطية وكوادرهما من الجناح اليساري في حركة القوميين العرب حيث اكتسبت الجبهتان موقعًا سياسيًا هامًا في النضال الوطني الفلسطيني، لما كان لهما من موقف إيجابيّ  من مسألة الديموقراطية ومعارضة نهج التفرد في اتخاذ القرار السياسي الوطني  وأيضًا موقفهما من المسألتين الدينية والقومية حيث اعتبرتهما من العوامل المحفزة للجماهير في نضالها ضد المشروع الصهيوني العنصري وما يدعم وجوده في المنطقة الغرب الاستعماري وأذنابه من قوى الرجعية العربية.