Menu
حضارة

أسباب تخلف المجتمع العربي (10-18)

غازي الصوراني

لعلنا نتفق أن السبب الرئيس لإشكالية التخلف العربي، لا يكمن في ضعف الوعي بأهمية التنوير العقلاني، أو ضعف الإدراك الجماعي بالدور التاريخي للذات العربية، فهذه وغيرها من أشكال الوعي، هي انعكاس لواقع ملموس يحدد وجودها أو تبلورها، كما يحدد قوةَ أو ضعفَ انتشارِها في أوساط الجماهير، وبالتالي فإن الواقع العربي الراهن، بكل مفرداته وأجزائه ومكوناته الاجتماعية وأنماطه التاريخية والحديثة والمعاصرة، هو المرجعية الأولى والأساسية في تفسير مظاهر الضعف والتخلف السائدة بل والمتجددة في مجتمعاتنا، إذ أن دراسة هذا الواقع، الحي، بمكوناته الاجتماعية والاقتصادية تشير بوضوح إلى أن العلاقات الإنتاجية والاجتماعية السائدة اليوم في بلداننا العربية هي نتاج لأنماط اقتصادية /اجتماعية من رواسب قبلية وعشائرية وشبه إقطاعية، وشبه رأسمالية، تداخلت عضوياً وتشابكت بصورة غير طبيعية، وأنتجت هذه الحالة الاجتماعية /الاقتصادية المعاصرة، المشوهة، فكيف يمكن أن نطلق على هذا الواقع صفة المجتمع المدني؟

فالمعروف أنه على الرغم من تطور بعض أشكال العلاقات ذات الطابع الرأسمالي في بعض المجتمعات العربية، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر عموماً، وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى بشكل خاص، إلا أن هذه العلاقات الرأسمالية الجديدة لم تستطع إزاحة العلاقات شبه الإقطاعية، والقبلية السائدة، والمسيطرة، وبقيت حيازة وامتلاك الأراضي الزراعية، مصدراً أساسياً للوجاهة والمكانة الاجتماعية والسلطة السياسية في بلدان الوطن العربي حتى منتصف القرن العشرين، حيث »تدنت هذه المكانة، بتدني أهمية ملكية وحيازة الأرض باعتبارها العمود الفقري للتكوينة الطبقية، وذلك بسبب تتابع الانقلابات العسكرية (وأهمها حركة 23 يوليو 1952 في مصر) في العديد من البلدان العربية … وقيام الأنظمة الوطنية وما تبع ذلك من تصفية للإقطاع، وتطبيق الإصلاح الزراعي من ناحية، وبسبب اكتشاف النفط وبروز أهمية رأس المال (التجاري والخدمي) في التكوين الطبقي«(1)، من ناحية ثانية وأشكاله الجديدة التي تداخلت بدورها مع الأنماط القبلية، شبه الإقطاعية السابقة، بل إننا لا نبالغ في القول إن هذه الأشكال أو التكوينات الطبقية شبه الرأسمالية الجديدة، انبثقت في جزء هام منها من رحم التكوينات الاجتماعية القديمة، وهذه بدورها استطاعت التكيف مصلحيا مع »العلاقات الرأسمالية الجديدة«، من حيث الشكل أو التراكم الكمي الرأسمالي فقط، من دون أن تقطع علاقاتها مع جوهر التشكيلات الاجتماعية القديمة، وموروثاته القيمية والمعرفية المتخلفة، التي وجد فيها الاستعمار الغربي، مناخاً مهيَّأً وجاهزاً لتحقيق أهدافه ومصالحه في بلادنا، فلم يتعرض لأي من هذه الموروثات ورموزها الطبقية، التي شكلت في معظمها سنداً للظاهرة الاستعمارية ولرأس المال الأجنبي في عملية دمج بلداننا العربية وتكريس تبعيتها للنظام الرأسمالي العالمي، خلالَ الحربِ العالمية الثانية وبعدها وإلى اليوم، دون أن نغفل بالطبع، مرحلة النهوض الوطني والقومي في خمسينات وستينات القرن الماضي، التي قادها الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، منفرداً عبر شخصيته ودوره الكاريزمي وإيمانه الشديد بالمبادئ التحررية، والقومية، ولاحقاً بالاشتراكية، دون الاستعانة بالمؤسسات الديمقراطية، والتعددية الحزبية، وتفعيل العمل السياسي في أوساط الجماهير التي وقف حياته من أجلها، ولذلك كانت هزيمة حزيران 1967 بداية النهاية لمرحلة التحرر القومي الديمقراطي، خلقت المناخ العام، والمقومات اللازمة لإعادة إحياء التشكيلات والتكوينات الاجتماعية الطبقية القديمة والمستحدثة، بصور وأشكال معاصرة، تتوافق مع شروط الانفتاح والتحالفات السياسية العربية الرسمية التي تولت قيادتها أو توجيهها الأنظمة الأكثر رجعية وتخلفاً وتبعية في بلادنا، وبالتالي يصعب في بلادنا -إن لم يكن متعذرا-تلمس أو إدراك الوجود المادي والدور الموضوعي التاريخي للطبقة البرجوازية عموما، والبرجوازية الوطنية خصوصاً (*)..... يتبع

 

1- د. محمود عبد الفضيل –التشكيلات الاجتماعية والطبقية في الوطن العربي- مركز دراسات الوحدة- بيروت-1988 - ص99.
*
المعروف أن »مصطلح البرجوازية« هو مصطلح له دلالة اجتماعية-سياسية-ثقافية، إذ أن كلمة برجوازية -كما يقول د.محمود عبد الفضيل- تفيد معنى »التمدن« في نمط وأسلوب الحياة والأفكار والنظرة، (محمود عبد الفضيل -مصدر سبق ذكره- ص144) فعلى سبيل المثال: إن مفهوم »البرجوازية« أو البرجوازي لا ينطوي في بلادنا عموما على ذات المعنى الذي ينطوي عليه ضمن سياق أوروبي، إذ يستخدم هذا المصطلح في سياق الكتابات العربية حول الأوضاع والعلاقات الطبقية، ليعني طبقة تتطلع الى القيام بالدور نفسه الذي قامت به نظيرتها الأوروبية ولكن من دون أن يكون لديها نفس القدر من السلطات الاقتصادية والنظرة الاجتماعية.