Menu
حضارة

غسان كنفاني وتصويب البوصلة

د. فيحاء عبد الهادي

"وما زلتَ في دمنا السهلَ والصوتَ والمنحنى
حَبَسنا الدموعَ وقلنا: يجيءُ الزمانُ الجميل
وتبقَيْنَ يا "أمَّ سعد"
وتبقينَ يا نجمةً في الضباب
تظلين مغروزةً في تراب النجوع".                                                                         
د. عزالدين المناصرة

*****
بعد ستة وأربعين عاماً على استشهاد " غسان كنفاني "؛ وبعد مرور سبعين عاماً على التطهير العرقي للشعب الفلسطيني، وواحدٍ وخمسين عاماً على هزيمة 1967؛ ما زال الكاتب والأديب والسياسي والفنان؛ يصوِّب البوصلة.

وكأن غسان يستشعر المؤامرات الممتدة والمتواصلة على الشعب الفلسطيني، والتي يتعاظم خطرها، في ظل اختلال ميزان القوى حالياً، ويدعو لاستنهاض قوة الشعب الكامنة في عدالة قضيته، وفي قدراته اللامحدودة على التأثير، ولتغيير موازين القوى، إذا كان موحَّداً على برنامج سياسي تحرري، وإذا حارب الفاسدين والسارقين والعملاء، وإذا استثمر التغيرات الدولية المتزايدة المساندة للشعب الفلسطيني، محدِّداً أعداءه وأصدقاءه بدقة، والأهم من ذلك كله إذا آمن بقدرته على النهوض من عثراته وتحقيق الانتصار.  

تنهض "أم سعد" من ركام الهزائم لتزرع عِرق دالية جافاً، أملاً في أن يبرعم ويطرح عنباً في الأعوام القادمة.

يقدّم إلينا "غسان" شخصية المرأة الكادحة، في رواية "أم سعد"، في تقابل مع الراوي الذي يمثل اغتراب المثقف. بينما يغرق المثقفون في يأسهم وإحباطهم عند مواجهة الهزيمة؛ تحتفظ الطبقات الشعبية بالأمل الذي لا يمكنها العيش دونه.

حين اعتقل "سعد" بعد أن قاتل في سبيل الوطن؛ شعرت "أم سعد" بالفخر بأنه رفض أن يوقّع على ورقة من المختار تفيد بأنه سوف يكون عاقلاً، حين يخرج من السجن.

وفي الوقت الذي اعتقد الراوي أن خروج "سعد" من الحبس أفضل؛ كانت وجهة نظر "أم سعد" أن وجوده داخل الحبس وخارجه سيان: " أنا أعرف أن سعد سيخرج من الحبس، الحبس كله، أتفهم؟".

مسار الأشياء واضح في ذهن "أم سعد"، بينما نجده مشوشاً في ذهن الراوي. هي ترى الكامن في الساكن، المتحرك في الراكد؛ وهي ليست قدرتها وحدها؛ بل هي قدرة الشعب/المدرسة، الذي تمثله "أم سعد". القدرة على التقاط البذرة الإيجابية في أحلك اللحظات. فبينما يقول الراوي رداً على زراعة أم سعد للدالية أن هذا ليس وقته؛ تزرعه وتؤكد: "سأزرعه وسنرى كيف يعطي عنباً. هل قلت لك أنه لا يحتاج إلى ماء، وأنه يعتصر حبات التراب في عمق الأرض ويشربها؟".

آمنت "أم سعد" بقدرة الإنسان على النهوض وتجاوز مرارة الهزيمة. تعتقد "أم سعد" أن المنفى واحد في السجن أو خارج السجن، وأن الفلسطيني المغترب لا يمكن أن يقهر اغترابه سوى بطريقة واحدة، وهي التي تمكنه من الخروج من الحبس. يعرف سعد الطريقة، ويذهب ليلتحق بالفدائيين، ويقاتل معهم، وتفخر "أم سعد" بولدها، وتقول للمرأة التي تجلس بجانبها بالباص: "إن ولدي أضحى مقاتلاً، إنني أحبه وأشتاق له؛ ولكنه جاء ابن أمه".

جسّد سعد وهو يلتحق بالفدائيين آمال أمه وآمال أمته معاً. ودّت أم سعد لو لحقت به، لولا أطفالها الصغار، في وعي عميق للفارق بين خيمة البؤس وخيمة الثورة.

لم يقتنع "سعد" بإصلاح واقع المخيم البائس؛ بل آمن بأهمية التغيير الجذري؛ ولذا لم يرض أن يشارك أهل المخيم في جرف الوحل عن المخيم؛ لأنه رأى أن الوحل سيجرفهم جميعاً. آمن بالنضال من أجل اجتثاث كامل لجميع الجذور التي تولّد الاغتراب أياً كان شكله.

وحين يأتي "سعد" جريحاً ليزور أمه، في المخيم، بعد غياب سنة، يصمم أن يرجع بعد التئام جرحه.

تعلِّم "أم سعد"/الشعب الراوي/المثقف درساً عن الشعب وعن الثورة:

"إننا نتعلم من الجماهير ونعلمها، المعلم الحقيقي الدائم، والذي في صفاء رؤياه تكون الثورة جزءاً لا ينفصم عن الخبز والماء وأكفّ الكرم ونبض القلب".

"أم سعد" تمثل الإنسان العادي الذي يحتوي في داخله الأسطوري، حيث لا نرى أم سعد في مواقفها الثورية والتعليمية فحسب. لا نراها رمزاً فحسب؛ بل نصاحبها في حياتها اليومية، حيث تمسح البلاط، وتغسل، وتنظف بيوت الآخرين، وتكدح في سبيل لقمة العيش، وتقهر من قبل الزوج، الذي يعمل حيناً ولا يعمل أحياناً، وتنجب أولاداً نعرف منهم: سعداً وسعيداً. وحين تختار أن ترسل أبناءها إلى خيمة الثورة تختار طريق قهر المنفى وقهر الاغتراب.  
*****
لا تشعر "أم سعد" بالوحدة، الوحدة غريبة عنها كما هي غريبة عن أهل المخيم. وبينما نجد أن مصطلح الإحساس بالوحدة مصطلح أليف عند المثقف، نجده مصطلحاً غريباً عن المخيم وأهل المخيم:

"وحدي؟ ماذا تعتقد يا ابن العم؟ وحدي؟ كنا كالنمل. كل نساء المخيم وأولاده وشبابه خرجوا كأنهم اتفقوا على ذلك سلفاً". وبالرغم من أن أهل المخيم يعانون ظروفاً معيشية بالغة القسوة؛ إلاّ أنهم يدركون بالفطرة أن تجمعهم يعني قوتهم وأنه ليس أمام الفرد ترف العيش وحيداً. هم كالنمل معاً، وهذا سرّ قوتهم، يواجهون قسوة الحياة معاً، ويعيشون أفراحهم وأتراحهم معاً. وحين تنتشر البنادق في المخيم؛ ينتشر الدفء وينتشر الفرح، ويصبح الحديث المشترك/الهمّ المشترك/البرنامج المشترك، هو الأمل المشترك. هو الانتماء الإيجابي الذي تحسه أم سعد، وعائلتها، وأهل المخيم جميعاً.
*****
  يربط "غسان" بين الحاضر والماضي بطريقة دالة موحية.

يذكّر جرح سعد الحديث خلال نضاله مع رفاقه الفدائيين، بعد عام 1967، بجرح أم سعد في شبابها، بعد عام 1948. جرحت أم سعد من الرسغ إلى الكوع حين طقّت (السارق) الذي سرق دجاجة من تحت الأسلاك الشائكة، وجرح سعد من الرسغ إلى الكوع حين طقّ الصهيوني (السارق) من تحت الأسلاك الشائكة. 

يذكّر الجرح بالجرح، والنضال بالنضال، والأمل بالأمل.

شفيت أم سعد من جرحها؛ لكنها لم تنس السارق يوماً، أما سعد فقد صمَّم على العودة بعد شفائه، إلى حيث الالتزام بتحرير الوطن من السارقين جميعاً.