Menu
حضارة

في مكتب غسان كنفاني!

هاني حبيب

"وين تبعين الشعبية" صاح ضابط المخابرات السوري، من على باب المهجع الخامس في سجن المزّة بدمشق ولأن الضابط المذكور كان يأتي كل صباح ليُنادي أسماء معتقلين لنقلهم إلى "الأركان" للتحقيق والاستجواب، لكنّه هذه المرّة لم يُنادي الأسماء، ظننّا أنّ الأمر يتعلق بالإفراج عنّا، فبدأنا بجمع أغراضنا الصغيرة، إلّا أنّه سارع قائلًا: لقد "قُتل" اليوم مسؤولٌ كبيرٌ في الشعبية، عرفنا من خلال صحف اليوم التالي، حيث كانت تُوزّع الصحف السورية الرسمية في المُعتقل، أنّ المقصود هو الشهيد غسان كنفاني .

لم ألتقِ بكنفاني، إلّا من خلال قراءتي لرواياته وكتابه حول ثورة 1936، وعندما تمّ الإفراج عنّي وعن زملائي، رشّحني الرفيق جورج حبش ، حيث كنت سكرتيرًا له، للعمل في صحيفة الهدف، إلّا أنّي وقبل ذلك، كنت أزور مقرّ المجلّة بشكل مُستمر، وفوجئتُ لدى رؤيتي لمكتب رئيس التحرير غسان كنفاني، ومن بعده بسام أبو شريف، حيث لم تجرِ أيّة تغييرات على غرفة المكتب، وظلّت كما هي عليه حتى مُغادرتنا بيروت 1982.

المكتب عبارة عن "فوضى" كتب وملفات وصحف وقصاصات مبعثرة على المكتب الكبير، وبعض أدوات المكتب الخشبيّة والحديديّة، بقايا صواريخ وقذائف تزدحم بها غرفة المكتب، وكأنّها "متحف حربي"، أمّا الجدران، فليس بالإمكان معرفة لونها الأصلي، ذلك لوجود ملصقات مكدّسة على طول الجدران وعرضها، بكافة اللغات والأشكال، متراصّةً وكأنّها جدران تتغير مع كلّ ملصقٍ جديد يُضيف سماته على كلّ جدار، صور تشي جيفارا مُنتشرة ومتنوعة تكاد تطغى على الملصقات المكدسة.

بإمكان الزائر وهو على باب المكتب أن يُلاحظ من خلال الشرفة المُلحَقة به، العلم الفلسطيني، يُرفرف على المقرّ الرئيسي لمنظمة التحرير في شارع المزرعة ببيروت.

لم أتعرّف مباشرةً وشخصيًا على غسان كنفاني، لكنّي مع ذلك أكاد أحسد نفس أنّي عِشت معه!.