Menu
حضارة

هكذا فهمت خطاب الرئيس بشار الأسد (المتوقع)

حاتم اسطنبولي

إعادة إعمار سوريا التي وردت في كلمة الرئيس السوري نظر إليها البعض على أنها مدخل لمكاسب مادية عبر صفقات تجارية أو إعمارية.

بالرغم من أهمية الإعمار المادي لكن هذا الإعمار لن يكون له مردود بحجم التضحيات إذا لم يكن مدخله إعادة إعمار الإنسان.

إعادة الإعمار مهمة شاملة تتطلب توحيد الجهود الجمعية للشعب السوري وأصدقائه. انتصار سورية من خلال صمود شعبها وجيشها وقيادتها يجب أن ينعكس في إعادة الإعمار.

إنّ إعادة الإعمار تنقسم لعدة بنود ثقافية واقتصادية واجتماعية.

ثقافيًا: المعركة في سوريا على هذه الجبهة كانت معركة مركبة ومتداخلة استخدمت فيها جميع أشكال الحرب الثقافية.

(العلمانيون) استخدموا عبارات الديكتاتورية والظلم والاضطهاد، وأرادوا أن يُظهروا أن صراعهم ينطلق من مرتكزات أخلاقية إنسانية، مغلّفةً بعبارات ديمقراطية.

التكفيريون استخدموا الأفكار التي نبشت التاريخ واستلهمت منه أفكارها الفاشية والعنصرية وغلّفوها بعبارات دينية، ليُشرّعوا أعمالهم وليفرضوا سلطتهم على أنها سلطة مستمدة من (الخالِق)، واستثمروا في التحريض الطائفي والمذهبي وصوّروا أن صراعهم هو للحفاظ على أهل السنة والجماعة.

أما العدو الحقيقي فقد وَظّفَ هذين الاتجاهين في السياسة، بهدف وضع سوريا أمام خيارين: إما التدمير الشامل أو الاستسلام للإرادة السياسية الأمريكية الإسرائيلية. وكانت الشروط واضحة منذ البداية من خلال عناوين تغيير سلوك النظام حتى وصل إلى شعار إسقاطه.

على ضوء ما حصل فإنّ إعادة الإعمار مدخلها ثقافيّ، يشمل السياسات التعليمية والإعلامية من خلال إعطاء دور للمثقفين والسياسيّين الديمقراطيين لمواجهة الفكر التكفيري وعدم الرضوخ للابتزاز وخلق ثقافة عامة أن الدين حرية شخصية وهي علاقة فردية يجب أن لا تخضع للسياسية، أو أن تستغل الدين في السياسة أو الثقافة العامة.

إنّ أيّ سياسة قادمة يجب أن تكون على أساس أن الانتصار النهائي يجب بالضرورة أن يكون على الجبهة الثقافية التي ستواجه الجبهة الثقافية الوهابية وبناتها من تنظيمات سياسية تستخدم الفكرة الدينية لأهداف سياسية.

اقتصاديًا: يجب ن نؤكد أن صمود الدولة السورية كان أحد أسبابه النهج الاقتصادي الذي كان يعتمد على القطاع العام والمخزونات الاستراتيجية، بالرغم من كل الملاحظات على الفساد الذي كان حاضرًا وما زال، لكنّ النهج الاقتصادي المزدوج الذي جوهره القطاع العام وسيطرة الدولة على الإنتاج الاستراتيجي، إن كان صناعيًّا أو زراعيًّا أو تجاريًا، والمالي هو كان العامل الحاسم في الصمود السوري.

لقد أكّدت التجربة أنّ رأس المال الفردي والعائلي بشكل عام كان رأسمال جبان لا يحمل أي إمكانية للصمود وإنّما اتّخذ الهروب لملاذات آمنة مخرجًا.

السياسات الاقتصادية التي مكّنت سورية من الصمود، ورغم كل الملاحظات، إلّا أنها أكدت صحّتها العامة وما يتطلبه القادم هو إعادة البناء على أسس علمية تعتمد الكفاءات والديمقراطية في تشكيل هيئاتها من خلال إنشاء أطر رقابة شعبية وطنية محلية في كل محافظة وبلدة لمراقبة أداء مؤسسات الدولة، يكون عمادها المواطنين الذين صمدوا ودافعوا عن الوطن ودولته ومؤسساته فهم من يعلم على الأرض من قدّم التضحيات للحفاظ على الوطن من التفتيت والضياع.

سياسيًا: من الواضح أن انتصار الدولة السورية سيفتح الباب أمام نهوض داخلي وخارجي يكون عماده سياسة سورية الثابتة المقاومة. هذا الانتصار ما كان أن يتحقق لولا وحدة موقف قوى المقاومة، التي أساسها قائم على أسس سياسية وطنية والتي أعطت للدين البعد الوطني التحرري في مواجهة من استخدم الدين للتكفير والقتل والتفتيت، ووظفه سياسيًا لإقامة تحالف مع العدو الحقيقي.

سوريا بانتصارها السياسي ستفتح الأفق لإسقاط المؤامرة المستمرة على الشعب الفلسطيني منذ 70 عامًا، والتي أخذت أشكالًا مختلفة عبر أدوات مختلفة. انتصار سورية يمكن أن يكون مدخلًا لإعادة اللّحمة الفلسطينية على قاعدة استمرار مواجهة عدوان المستعمر المتحل وعلى القوى الفلسطينية الحية أن تنقل مركز الحوارات إلى دمشق لإعادة اللحمة بينها ولإعادة تموضع الموقف الفلسطيني بعد أن تبيّن أن سياسات رام الله وغزة كانت سياسات بائسة سياسيًا وضعت القضية الفلسطينية في المأزق الذي نحن فيه. إنّ إعادة التموضع الفلسطيني في دمشق يكسبه بعدًا وطنيًا محليًا وإقليميًا ودوليًا في جبهة تمتد من دمشق عبر بيروت والجزائر وطهران وبكين وموسكو مدعومًا من القوى الشعبية في جميع الدول من المحيط للخليج.

معركة البناء هي معركة شاملة عمادها إعادة بناء الإنسان والحرص على من ضحوا من شهداء ومصابين من خلال إعطائهم حقوق استثنائية في عملية إعادة البناء تبدأ من إعادة التأهيل النفسي والسياسي والثقافي ليكونوا مراقبين شعبيين لإعادة البناء. هؤلاء من حقهم أن يكون لهم هذا الموقع هم وأبنائهم من قدم التضحيات الجسام في الحفاظ على الوطن والدولة. وإذا لم تنتبه الدولة لهذه النقطة الهامة سيدخل العدو الداخلي من هذه النقطة الحساسة وسيعمل على إهمال الجرحى وأسر الشهداء ليكونوا مادة للتحريض الداخلي وتشكيل قوى معيقة لإعادة البناء.

المواجه على الجبهة الداخلية تكون بتعزيز أسس نظام ديمقراطي متعدد. أساسه مصلحة المواطن وسيادة القانون على الجميع بمشاركة جمعية في إعادة البناء قائمة على الكفاءات والخبرة لتكون مدخلا لإعادة الكفاءات التي هربت من هول التحريض متعدد الاتجاهات ليساهموا في إعادة بناء وطنهم.

قبل سنوات، كتبتُ أنّ سورية ستعيد تشكيل العالم من جديد وستعيد التوازن لميزان القوى العالمي، والآن فإنّ إعادة الإعمار إذا ما كُتِب لها النجاح على أسس وطنية اقتصادية ديمقراطية مقاوِمة فإنّ سوريا ستعيد تشكيل المنطقة من جديد على قواعد سياسية واقتصادية وثقافية جديدة تكون مدخلًا لإنهاء المستعمر الاستيطاني سياسيًا وثقافيًا واقتصاديًا.