Menu
حضارة

مشروع المقاومة والبحث عن حل لكسر الحصار

محمّد جبر الريفي

لا توافق بين مشروع المقاومة المعلن في مواجهة مشروع المفاوضات العبثية الفاشلة، لا توافق معه ومع البحث عن تسوية سياسية مع الكيان الصهيوني تتضمن تهدئة لمدة طويلة، قد تصل إلى خمسة عشر عامًا، كما أُشيع في بعض وسائل الإعلام، إضافةً إلى مسائل أمنية أخرى مقابل التخفيف في موضوع الحصار، أو حتى كسره من قبل تل أبيب وهي المساعي السياسية التي ترعاها قطر عن طريق السفير محمد العمادي، كما ذكرت بعض المواقع الإخبارية وتراقبها واشنطن بنوع من القبول كتتمّة للمباحثات التي أجراها مستشار الرئيس الأمريكي ترامب، صهره اليهودي كوشنر، والمبعوث الخاص للمفاوضات غرينبيلات مؤخرًا في بعض دول المنطقة العربية ودولة الكيان، وهي مساعٍ من شأنها جرّ القطاع في نهاية الأمر إلى التعاطي مع صفقة القرن التي تنعش الأفكار السياسية التي قد تفضي إلى حالةٍ كيانية مع بعض أجزاء من صحراء سيناء، حسب الحلول الإقليمية المطروحة في الصفقة المذكورة.

مشروع المقاومة كما هو معلنٌ كخيارٍ وحيد وحاسم في مواجهة وجود الكيان الصهيوني العدواني الغاصب نفسه، وتعنته وعدم استعداده لدفع استحقاقات السلام، يجب عليه كضرورة وطنية وقومية المحافظة على مصداقية خطابه السياسي القائم على التناقض الرئيسي مع العدو الصهيوني في رحلة البحث عن حلول للوضع الحياتي الصعب الذي يعيشه سكان القطاع، البالغ عددهم ما يقارب مليونيْ نسمة، الغالبية منهم يعيشون تحت خط الفقر. وقد يسعى العدو الصهيوني لاستغلال هذه الحالة البائسة الكارثية، اقتصاديًا واجتماعيًا ونفسيًا وعلى كل المستويات، لتحقيق أهداف سياسية في المقدمة منها كسر الالتفاف الجماهيري حول مشروع المقاومة وذلك بتعميق الفهم بأنه ليس الخيار الفلسطيني الوحيد الموصل للتحرير والخالي من الثغرات والسلبيات. ورغم الأهمية الخاصة في الظروف الحاضرة لوقف هذا التفاقم التدريجي للوضع الغزي المأساوي، الذي يُولّد كلّ يومٍ أزماتِ متتابعةً فإنّه في المجال التطبيقي يجب ألا يدفع مساوئ هذا الوضع القائمون على مشروع المقاومة -تحت ذريعة صواب التكتيكات النضالية والكفاحية المشروعة في عملية الصراع- يجب ألّا يدفعهم إلى الانجرار إلى أرضية نهج التسوية السياسية بكافة مشاريعها، ذلك النهج الذي ثبت من خلال التجربة السياسية والدبلوماسية المصرية أنه ينمو في كل جولة من جولات المباحثات والمفاوضات، حسب سياسة الخطوة خطوة لكسنجر وزير الخارجية الأمريكي الشهير الأسبق، حيث بدأت المباحثات المصرية الإسرائيلية في الخيمة كم 101، والتي تواصلت هذه المفاوضات على مراحل برعاية أمريكية ثم تعزز هذا النهج التسووي بالتنازل في كثير من القضايا لصالح الكيان الصهيوني، وهذا ما تم التوصل إليه في اتفاقية كامب ديفيد، التي أخرجت مصر من دائرة الصراع العربي الصهيوني، حيث تم الصُّلح والاعتراف بالكيان، وهذا أيضًا ما ثبُت عقمه في اتفاقية أوسلو، التي عملت الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة على التنصّل من بنودها، بعد أن تم الاعتراف السياسي بالكيان من قبل منظمة التحرير الفلسطينية.

مما لاشك فيه هو أن الطريق الوحيد لكسر الحصار هو الاهتمام فقط بمسألة تحقيق الوحدة الوطنية وإصلاح الوضع السياسي الداخلي، عن طريق الشروع فورًا في المصالحة الوطنية التي لم تفلح في تحقيقها كل الاتفاقات السابقة، بسبب طغيان المصالح التنظيمية والمكاسب الفئوية والشخصية على المبادئ الوطنية؛ وهو الشيء المنافي للممارسة الديموقراطية التي تتطلب انتظامًا وليس تعطيلًا كما هو حادث الآن، مما يكرس وضع الانقسام السياسي ويفاقم عوامل الأزمات الداخلية التي يعيشها النظام السياسي الفلسطيني.

وبعيدًا عن عقلية المناكفات والاتهامات المتبادلة التي كبّلت الجهود والمبادرات المتعددة التي تبذل لتحقيق المصالحة الوطنية، فإنّ مسألة سوء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في قطاع غزة هي مسألة النظام السياسي الفلسطيني برمته منذ اثني عشر عامًا، وهو عمر الانقسام، ومن غير المنطق تجاهل هذه الحقيقة التي تقود إلى مزيد من المعاناة الإنسانية التي يستغلها العدو الصهيوني في تحقيق إنجاز أمني ملموس لمستوطنيه في غلاف القطاع والمدن والبلدات القريبة، يضاف إلى إنجازاته الأمنية على حدود دول الجوار التي تشهد غيابًا لأيّ فعل مقاوم مؤثر، مما يعني أيضًا غيابًا لمشروع المقاومة على مستوى المنطقة برمتها، والإبقاء عليه مجرد خيارٍ لفظيّ في أدبيات أطرافه وفي خطابها السياسي يحدد علاقاتها السياسية بالقوى الأخري، في مسألة تثبيت دعائم وجودها على المسرح السياسي المحلي والإقليمي.