Menu
حضارة

عندما يفشل المدافعون عن القضية!

سليمان أبو إرشيد

كلنا يذكر فضيحة الكاتب الإسرائيلي سامي ميخائيل، التي وقعت قبل بضع سنوات عندما اخفى حقيقة تماهي كتابه "حمائم في الطرف الأغر" مع رواية غسان كنفاني "عائد الى حيفا"، وإصرار الناشر على الإشارة لهذا التماهي في مقدمة الكتاب بعد رسالة وصلته من الصحفية داليا كاربل التي منحت اللقاء الذي أجرته لصحيفة "هآرتس"، في حينه، مع سامي ميخائيل عنوان شكرا لغسان كنفاني.

وقتها حاول ميخائيل التغطي بموقف إميل حبيبي، إذ قال رداً على سؤال كاربل حول الموضوع: لقد قبلت حكم إميل حبيبي الذي لم يحب رواية "رجال في الشمس" منوهاً إلى أن "القصة ليست ذات سوية عالية"، كما أن الباحث ساسونسوميخ كتب نقدا سلبيا عنها، ولذلك لم أشعر أن علي تسجيل أي دين له (كنفاني) في عنقي"، علما أنه اعترف في رسالة لـ"هآرتس" أن كتابه هو "تسلسل" لرواية غسان كنفاني عائد الى حيفا.

فما الذي يجعل أديب إسرائيلي ينشئ قصة يحاور فيها غسان كنفاني بعد مرور عقود على استشهاده بأيدي عملاء الموساد، وما الذي يجعل باحث أدبي إسرائيلي يكتب نقدا سلبيا عن روايته "عائد الى حيفا"، ثم ما هو الشيء الذي يجعل الكاتب أميل حبيبي يعارض "عائد إلى حيفا" بـ"باق في حيفا"، علما أن قضيتي البقاء والعودة يفترض أن تكونا متكاملتين فلسطينيا.

وبغض النظر عن موقف الإسرائيليين منه، أو بالحري فإن موقف الإسرائيليين ينبع من كون "غسان كنفاني"، الذي تصادف ذكرى استشهاده السادسة والأربعين هذه الأيام نبي غضب فلسطيني، إن صح التعبير، أطلق بصرخته الشهيرة "لماذا لم تقرعوا جدران الخزان" نبوءة الثورة القادمة من خلف أزقة وشوارع مخيمات البؤس واللجوء ومن رحم معاناتها اليومية.

وكان مبشرا بقيامة الشعب الفلسطيني من تحت ركام النكبة ومن بين أنقاض التاريخ، معلنا أن هذا الشعب يرفض الموت ويحب الحياة إذا ما استطاع إليها سبيلا، فكانت الثورة التي حولته من مجموعة لاجئين إلى شعب من الفدائيين، وكان غسان أبرز المتحدثين باسمه يضع قضية الشعب الفلسطيني على أجندة العالم رغما عنه.

لقد رصد غسان الرؤية في "رجال في الشمس"، وثبتت له وتجسدت واقعا ملموسا في "أم سعد"، من خلال صيرورة تحول عود العنب الجاف إلى دالية وارفة، واستبدال الحجاب الذي كانت تضعه "أم سعد" في جيبها منذ كان عمرها عشرة أعوام، بالرصاصة التي وجدتها في فراش سعد الذي انضم للفدائيين.

في "عائد الى حيفا "اكتشف كنفاني أن الإنسان قضية وليس لحما ودما فقط، ورسم خارطة طريق العودة أمام الجيل القادم إلى فلسطين باعتبارها المستقبل وليس الماضي، وباعتباره "جيل لا تستوقفه الدموع المفلولة لرجال يبحثون في أغوار هزائمهم عن حطام الدروع وتفل الزهور، ولا يرى بالوطن مزهرية وصورة وريشات طاووس"، عاد ليبحث عنها في بيته المتروك في حيفا أو عكا، وبذلك فهو ينقل القضية من مجرد قضية حنين للماضي إلى صراع على المستقبل، وعلى عكس ما يعتقد، فإن الأجيال القادمة ستكون أكثر جدارة لخوض هذا الصراع بسبب تحررها من عقد واحباطات الماضي.

ولكن غسان الذي بدا "مكشوف عنه الحجاب" عندما تنبأ بالثورة القادمة قبل وقوعها بسنوات، تنبأ أيضا بفشلها المرتبط بفشل قيادتها، وعبر عن ذلك بمقولته الشهيرة "إذا كنا مدافعين فاشلين عن القضية فيجب تغيير المدافعين لا تغيير القضية". وبلا ريب، فإن الدعوة إلى تغيير المدافعين الفاشلين تنبع أساسا من أن بقاءهم سيؤدي إلى المس بالقضية وإفشالها بالضرورة، إلى جانب العبث والتشكيك بأهدافها ومصداقيتها، فحينما تعلو قدسية القيادة على قدسية القضية، يصير من المشروع المس بالقضية دون المس بالقيادة، وهو ما حصل سابقا وما هو حاصل اليوم من واقع وصلت معه القضية الفلسطينية الى حضيض غير مسبوق لأن القيادات التي تتربع على دفة قيادتها غير مؤهلة لذلك.

من الطبيعي أن تصدر هذه النبوءة عمن درس وكتب عن تجربة ثورة 1936، وأكد أن تذبذب وضعف القيادة وعجزها هو أحد الأسباب الرئيسية لفشلها، وهو ما شجع الأنظمة العربية على التواطؤ مع الاستعمار البريطاني ضدها وإصدار نداء "الاستكانة" الذي وجهته للشعب الفلسطيني من فوق رأس القيادة، وعمن درس تجربة 1948وأدرك جيدا دور العامل الذاتي فيما آلت إليه من نكبة، وعمن يمتلك بعد النظر الذي امتلكه غسان كنفاني، فلنغير المدافعين قبل أن نخسر القضية!