Menu
حضارة

تحليلما الذي يقلق "إسرائيل" من سباق التسلح غير التقليدي في الشرق الأوسط؟

اشتداد سباق التسلح في الشرق الأوسط

بوابة الهدف - إعلام العدو/ترجمة خاصة

[يستند هذا المقال إلى مفارقة جديرة بالتأمل، كنوع من التقاء النقيضين، إذ في الوقت الذي يحذر الجميع ويصرخ من سباق تسلح نووي، قد يحدث في الشرق الأوسط، فإن المنطقة تعيش في سباق تسلح غير مسبوق، وإن اقتصر حاليا وربما لفترة قصيرة على السلاح التقليدي، قد يكون في واقع الأمر أشد فتكا من السلاح النووي.

ورغم أن إمكانية أن يقود هذا السباق إلى انتزاع المكانة المضمونة حتى الآن "لإسرائيل" في التفوق النوعي لهذا السلاح، وما يتجاوزه كما يعلم الجميع، غير أن من الواضح أن هذا السباق بالنسبة لمعظم الدول الشرق أوسطية لا علاقة له بالكيان الصهيوني، ويزعم هذا المقال الذي نستعرضه في ملخص مكثف أن ما وراء سباق التسلح هذا بعيدا عن "إسرائيل" أمرين اثنين، خوف الدول العربية الخليجية من إيران، والتنافس بين هذه الدول ذاتها ورغبة دول الخليج في إظهار نفسها بعظمة ومكانة عالية.، ولعل ما يزيد من موثوقية هذا التحليل ملاحظة سلوك التسلح بين السعودية والإمارات من جهة وقطر من جهة أخرى وهو أمر جدير بالتأمل. ولكن أيضا يحذر كاتبا المقال المنشور في معهد أبحاث الأمن القومي في جامعة تل أبيب [ ياهيل أرنون ويوئيل غودجانسكي، وكلاهما من باحثي المعهد ومن ذوي المكانة المرموقة في المؤسسة الأمنية الصهيونية على وجه العموم] من أن هذا السباق يثير أو يجب أن يثير قلق الكيان الصهيوني من جهة القدرة على الحصول على الضمانات الكافية للتفوق النوعي من جهة ولعدم وقوع السلاح في "أيد غير مناسبة" من جهة أخرى وأنه لن يستخدم أبدا ضد"إسرائيل".]

في القسم الأول يلاحظ الكاتبان أن معطيات معهد SIPRI (معهد أبحاث السلام العالمي في استوكهلم) تشير إلى ارتفاع كبير في مستوى واردات السلاح إلى الشرق الأوسط لتصبح 103% ما بين 2013 و2017 مقارنة مع أعوام 2008 -2012.

بالتدقيق يتضح أن هذه النقاط ارتفعت تحديدا بسبب تعظيم الواردات السعودية والمصرية على وجه الخصوص، يأتي هذا رغم انهيار الاقتصاد المصري بشكل كبير وأيضا في ظل سياسات التقشف الخليجية والسعودية تحديدا، ولكن بقيت ميزانيات الأمن بعيدة عن هذه السياسات وبقيت تواصل نموها.

لم تتقلص واردات السلاح الخليجية، ولم تمس ميزانيات الأمن رغم أن التقشف أطاح بقطاعات أخرى أساسية لدرجة أن عمليات شراء السلاح في دول الخليج تفوقت على كل العمليات التي قامت بها دول غرب أوربا معا، مع ملاحظة أن الجزء الأكبر من هذه العمليات يتعلق بمنظومات هجومية مختلفة الأصناف.

اقرأ ايضا: سباق التسلح من وجهة نظر الكيان: حالة السعودية

أما في مصر فعملية تعظيم القوة العسكرية قائمة على قدم وساق، في عمليات شراء موسعة وتبدو باذخة أحيانا.

في المجال الجيوسياسي الدولي، تحوز الصين وروسيا على حصة كبيرة من مشتريات الخليج، على الضد من العلاقات التاريخية مع الولايات المتحدة، وعلى الأرجح أن "إسرائيل" تبرز كعامل أساسي، في هذا الواقع، بسبب قيود التسلح التي تفرضها واشنطن للمحافظة على تفوق الكيان، ولعل دول الخليج تحاول الضغط على واشنطن لترفع هذه القيود عبر إظهار شركاء آخرين لا يقلون أهمية.

اقرأ ايضا: سباق التسلح في أوراق هرتزليا: حالة مصر

ومن المعروف أن عملية التسلح لا تقتصر على التخلص من قيود المزود الوحيد فقط، بل أصبحت السعودية مثلا تملي شروطا في تعاقداتها العسكرية تتعلق بتوطين صناعة أو على الأقل تركيب بعض الأصناف، للتخلص من الابتزاز بقطع الغيار مستقبليا في حال تغيرت الظروف السياسية، والسماح بالتالي بسياسات أكثر استقلالية.

وعلى سبيل المثال وافقت الصين على إقامة مصنع لإنتاج الطائرات الهجومية المسيرة على أراضي السعودية. وخلال السنوات الماضية، نشرت تقارير تفيد بتعاقدات مصرية إماراتية مع بيونغ يانغ، فكيف يشكل هذا الأمر تحديا للكيان الصهيوني حسب ما يذهب إليه الكاتبان.

اقرأ ايضا: أوراق هرتزليا: سباق التسلح في إيران وسوريا

يتساءل الكاتبان فيما إذا كان التوجه التسلحي الخليجي خصوصا، والمصري طبعا، يهدد مكانة الولايات المتحدة، ويسبب تآكلا في هذه المكانة باعتبارها محتكرا تاريخيا لتجارة السلاح مع هذه الدول بنسبة قليلة، وهي أسواق لم تكن روسيا أو الاتحاد السوفييتي السابق ليدخلها سابقا، رغم أن الولايات المتحدة ما تزال المزود بحوالي 50% من السلاح الذي يصل إلى المنطقة.

ويبدو أن أمر وجود سلاح غير أمريكي ولا تملك الولايات المتحدة أي سلطة في عقود تصديره أو استخدامه يقلق الكيان الصهيوني ما يدفع الكاتبان لمطالبة السلطات باستيضاح موقف الولايات المتحدة من هذه التغيرات، بزعم أن هذا الأمر يقلق "إسرائيل" ويطرح عددا من المخاطر، خصوصا مع رغبة السعودية والإمارات بامتلاك الطائرات الأمريكية الأحدث من طراز F-35 التي حصل عليها الكيان الصهيوني حصريا مؤخرا، ويبدو أن هناك أصوات كثيرة في الكونغرس لا تمانع ببيع هذه الطائرات للإمارات على الأقل في ظل توجه إدارة ترامب لتخفيف القيود على صادرات السلاح وجعل سياساتها بهذا الخصوص أكثر مرونة.

وبينما يرى ترامب في هذه الصفقات فرصة لتوسيع فرص العمل الأمريكية التي وعد بها، يبدو الكيان قلقا من أن يتم التعاطي مع مخاوفه في سياق اهتمامات أقل أهمية برأيه، ويخشى الكيان أن يعتقد ترامب أن تل أبيب لن تزعجه بتحفظاتها أثناء تنفيذه لهذه السياسات.

يلاحظ كاتبا المقال أن دول الخليج تمتلك منصات قتال قد تكون في بعضها أكثر تطورا من تلك التي تمتلكها "إسرائيل" غير أن الموقف الخليجي المعلن يركز على مواجهة إيران والجهوزية لحرب بين الجانبين أو الانضمام لحملة عسكرية أمريكية محتملة ضد هذا البلد، وبالتالي أن تمتلك القدرة على الرد على رد الفعل الإيراني العسكري الذي سيستهدفها.

ثمة أمر آخر يلاحظه الكاتبان أن الموضوع العسكري ليس هو المطروح فقط في صفقات التسلح الباذخة مع الولايات المتحدة، ولكن أيضا التقرب من واشنطن وكسب ودها، وهو سباق لاحظناه مؤخرا بين الرياض والدوحة على وقع النزاع بين الجانبين وسخرية ترامب وعنجهيته.

يسجل الكاتبان أيضا أن هذه الدول بامتلاكها سلاحا تفتقر إلى القدرات التشغيلية اللازمة للتعامل معه فإنها تفكر في المكانة التي يضفيها هذا النوع من التسلح، ورغم ذلك يحذر الكاتبان الأمنيان الصهيونيان من أن بعض الجيوش العربية تمكنت من تطويع السلاح الجديد مؤخرا وجمعت خبرات عسكرية مقبولة ترافقت مع إظهار قدرات عملياتية أفضل من وضعها السابق، في تشغيل هذه المنظومات المتطورة، وفي دمج الأذرع العسكرية المختلفة.

وبالتالي يعتقدان أن على الكيان الصهيوني أن يكون حذرا استخباريا ومعرفة طبيعة تزود الدول الخليجية بهذه المنظومات وأصنافها، لكي تحسن أمنها وتحافظ على تفوقها النوعي وتحمي علاقاتها مع الولايات المتحدة، وأن تسعى "إسرائيل" ألا يكون ذلك على حساب أمنها.

ولا يقتصر الأمر على التأثير على الولايات المتحدة فقط في هذا السياق إذ يقترح الكاتبان بحث إمكانية التأثير على الصين وروسيا أيضا.

ما هو التحدي الحقيقي الذي يبرز أمام "إسرائيل" في ظل هذا الواقع؟

يقترح الكاتبان أن "إسرائيل" تواجه في الحقيقة بضعة تحديات أولها ادعاء الإدارة الأمريكية بأن تدعيم "الأنظمة الصديقة" في الخليج من شأنه تعزيز المواجهة مع إيران ، يضاف إلى ذلك المصالح الاقتصادية لصناعة السلاح الأمريكية، والتنافس مع المصدرين الآخرين الذين يطمحون بلا شك إلى الاستيلاء على الأسواق التي في حوزة الولايات المتحدة.

وفي الوقت الذي لا يسعى الكيان إلى الإضرار بالمصالح الاقتصادية للحليف الراعي، الأمريكي، فإن التعاون الأمني بين كل من "إسرائيل" ودول الخليج ومصر والأردن هو في حالة توثق وتنام وليس من مصلحة الكيان الإضرار به، وفي الجوهر الإضرار بالجبهة التي يتم بناءها ضد إيران، وبالتالي فإن الكيان جعل سياسته أكثر مرونة تجاه عمليات توريد السلاح الأمريكي بل ظهرت تقارير تشير إلى أنه نفسه باع بعض السلاح المتطور لدول الخليج، وخصوصا بعض منظومات الدفاع المتطورة.

والسؤال الذي يطرحه الباحثان يتعلق بقدرة الحكومة "الإسرائيلية" على التحرر من القيود في مواجهة إدارة ترامب، التي أعلنت بوضوح نيتها زيادة الصادرات القتالية، وإلى أي حد بإمكان "إسرائيل" أن تضر العلاقات بينها وبين الولايات المتحدة عبر معارضتها الدؤوبة لبيع منظومات أمريكية متطورة إلى الخليج، وكيف يمكن أن يضر هذا الموقف بالعلاقات المتنامية بين "إسرائيل" وهذه الدول؟

يشير الكاتبان إلى أن مصدر القلق من هذه السياسات الأمريكية ومن آليات التسلح في الشرق الأوسط مرتبط بانعدام الاستقرار السياسي لدى بعض الأنظمة، ويشهد على ذلك طبيعة التغيرات الدراماتيكية التي شهدتها دول في المنطقة في السنوات الأخيرة، ويبدو هذا القلق في هذه النقطة الذي يطرحه الأمنيان الصهيونيان غير منطقي كون الدول المعنية لم تكن أصلا من المستوردين الأساسيين للسلاح الذي يدور الحديث عنه، إلا إذا تحدثنا عن مصر ونحن نعرف كيف سارت الأمور في هذا البلد، بينما لم يحدث في دول الخليج ما يقلق أو يبرر سبب هذا القلق.

يزعم الكاتبان أنه لايمكن استبعاد تزعزع الاستقرار في إحدى هذه الدول، وإمكانية وصول السلاح إلى "أيد غير مناسبة" كما حدث في سوريا وليبيا واليمن والعراق، وبالتالي يتساءلان عن مدى تيقظ الكيان الصهيوني وقلقه بخصوص صفقات السلاح في الخليج مع الدول العربية وكذلك تركيا ومصر، ومدى قدرة الكيان الصهيوني على الحصول على الضمانات الأمريكية بأن هذا السلاح لن يستخدم ضدها، مع العلم أن جميع الدول التي يدور الحديث عنها لم تكن في مواجهة أو احتمال مواجهة عسكرية مع الكيان الصهيوني، ما عدا مصر، التي يعرف العالم أن هذا التحدي انتهى منذ 1974 فعليا، ومعظم السلاح الذي يدور الحديث عنه هو سلاح دفاعي وليس ذا طابع هجومي ما يدفع للتساؤل عما تخشاه "إسرائيل فعلا" في هذا السباق المزعوم للتسلح غير التقليدي.