Menu
حضارة

الرسائل السياسية في المونديال

عبد الله السّناوي

بقدر الشغف الدولي بمسابقات المونديال والمنافسة فيها، تبدت رسائل سياسية لا يمكن تجاهل تأثيراتها في حركة الأحداث والتفاعلات المقبلة.

كانت أول رسالة سياسية، مدى ما أثبتته الدولة المضيفة روسيا، من قدرة على التنظيم الكفء. كل شيء مضى متقناً في أدق التفاصيل، حتى بدت أنها الفائز الأكبر، بغض النظر عما حازه منتخبها من نتائج فاقت كل التوقعات المسبقة.

تحسنت الصورة، نشطت سياحتها، لفتت الانتباه إلى ما لديها من مخزون ثقافي وفني، وعرضت قدراتها التنظيمية كأنها تقول: «هنا قوة عظمى».

رسائل الصورة، منقولة إلى أنحاء العالم، استبقت لقاء الرئيسين الروسي والأمريكي فلاديمير بوتين، و دونالد ترامب في هلسنكي.

هذه تدخل بغير مباشرة في حسابات الهيبة.

تبدت رسالة ثانية تدخل في تعقيدات العلاقات الأمريكية الأوروبية. كادت المسابقة الدولية أن تكون أوروبية محضة، في أدوارها الإقصائية.

لم تكن تلك مصادفة، فالدوريات الأوروبية الكبرى تحتكر احتراف اللاعبين الموهوبين اللاتينيين والأفارقة والآسيويين.

كانت تلك شهادة بتطور اللعبة الأكثر شعبية في ملاعبها، ومدى قدرة دولها على النهوض والتفوق واكتشاف المواهب، وتوفير البيئات الحاضنة لكل ما له صلة بالإبداع، وليس في الرياضة وحدها.

الشهادة بذاتها، تثبت أن القارة العجوز ليس ممكناً الاستغناء عنها، أو اصطناع الأزمات معها مجانياً، كما يفعل ترامب من وقت لآخر، حتى أصبح الأمر داعياً للتساؤل عما إذا كان يعرف أين أصدقاء الولايات المتحدة؟

بتعبير رئيس الاتحاد الأوروبي دونالد توسك، عشية قمة حلف «الناتو»، التي شهدت منازعات ومشاحنات بين الرئيس الأمريكي وحلفائه: «عزيزتي أمريكا، قدري حلفاءك، فليس لك الكثير منهم في نهاية المطاف».

وكانت الرسالة الثالثة أنه لم تعد هناك أقطاب كروية تحتكر البطولات والكؤوس، أو تتداولها فيما بينها، كأنها ترجمة في مسابقات كرة القدم؛ لما يحدث في النظام الدولي من سيولة تتعدل فيها مواقع، وتتبدل موازين. بدت المفاجآت قاعدة لا استثناء، حتى كف كبار الخبراء والمختصين عن التوقع.

تقاربت المستويات الفنية والمهارية بين عدد كبير من المنتخبات المتنافسة، وبزغت قوى جديدة.

شيء من ذلك يحدث في بنية النظام الدولي. لم يعد ممكناً الحديث عن قوتين عظميين تتصارعان وتتقاسمان النفوذ، وتتزعم كل منهما معسكراً يناقض الآخر أيديولوجياً واستراتيجياً واقتصادياً، كما كان عليه الحال في سنوات الحرب البادرة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق.

ولم يعد ممكناً الحديث عن هيمنة قطب واحد على المعادلات الدولية، كما كان عليه حال الولايات المتحدة، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وتفكك حلف «وارسو».

التفاعلات الدولية لم تستقر على أوضاع أخيرة، لكنها تذهب بقوة الحقائق إلى تعددية قطبية.

شبه الصدامات المتكررة بين حلفاء الحرب العالمية الثانية؛ الولايات المتحدة وأوروبا، تشي بدرجة من السيولة في طبيعة العلاقات، تؤسس لشيء جديد لم تستبن ملامحه.

الحروب التجارية بين الصين والولايات المتحدة، تؤشر إلى بعض ملامح النظام العالمي الجديد، الذي لم يتأسس بعد، في صراعات القوة والنفوذ والمصالح.

أين العالم العربي؟

هو ميدان الصدام لا طرف فاعل فيه. لم يكن إجمالي أداء المنتخبات العربية مشرفاً، بالقياس على مستوى المنتخبات الإفريقية والآسيوية، ولا داعي للاعتزاز باستثناء مباريات بعينها.

أخطر ما كشفته منافسات المونديال، هو أن الفجوات اتسعت بين بعض المواطنين العرب، وبعضهم الآخر إلى حدود منذرة.

المشكلة أننا هنا في مصر كما العالم العربي، لا نناقش ولا نعترف بما هو ماثل وصريح ومزعج. لا نواجه أنفسنا بالحقائق ولا نضع أيدينا على الأسباب.

وكانت الرسالة الرابعة تأكيداً للأهمية القصوى للتخطيط، وفق مقتضيات المواجهات، فلكل مباراة ظروفها وتحدياتها، والتاريخ لا يشفع دائماً.

لم يصل إلى المونديال منتخبا إيطاليا وهولندا، وخرجت ألمانيا من دوري المجموعات، والأرجنتين وإسبانيا والبرتغال من دور ال16، والبرازيل من الدور ربع النهائي.

بتصنيف الفيفا تتصدر هذه المنتخبات القوى الكروية في العالم.

في الملاعب أطيحت بها واحدة تلو أخرى.

أي نجاح ممكن يعتمد على حجم الجهد المبذول في الملعب، ومدى كفاءة التخطيط الفني في توظيف الإمكانيات المتاحة، وإدارة المباراة وفق متغيرات الظروف، لا على ادعاءات التفوق وأسماء اللاعبين الكبار.

رادف سقوط المنتخبات الكبيرة، سقوط آخر لفكرة الاعتماد على موهبة لاعب أوحد، مثل ليونيل ميسي (الأرجنتين)، وكريستيانو رونالدو (البرتغال)، ونيمار دا سيلفا (البرازيل).

الجماعية أساس أي تخطيط قادر على النجاح دون استبعاد أهمية المواهب الفردية، شرط توظيفها في خدمة الفريق.

هذه قاعدة عامة رياضية وسياسية، تسري على الدول كما على المباريات.

وكانت الرسالة الخامسة تأكيداً لأهمية القواعد. لا لعبة رياضية تجذب دون قواعد تضمن نزاهة منافستها، ولا دولة تفلح إذا غابت عنها القواعد القانونية الحديثة، التي تضع حدوداً بين ما يصح وما لا يصح.

إدخال تعديلات على أية قواعد ليست مستهجنة بذاتها، فالقواعد ليست جامدة ولا نصوص مقدسة، بقدر ما هي توافقات مستقرة بتراكم الخبرة لضمان عدالة المنافسة.

أدخلت «تقنية الفيديو» لأول مرة في تاريخ المونديال، لضمان سلامة القرارات الحساسة، التي لم يتأكد منها حكم المباراة كوسيلة مساعدة.

بصورة أو أخرى، حدثت أخطاء في استخدام التقنية الجديدة، لكنها تظل قابلة للتصحيح والتطوير، هكذا شأن القواعد.

نفي القواعد، أو تشويهها ومسخها، مسألة مختلفة جذرياً.

ربما لم يلفت الانتباه إلى مسألة القواعد، أن الملوك والرؤساء، ورؤساء الحكومات، الذين حضروا مباريات منتخبات بلادهم، جلسوا يميناً ويساراً حول رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم «الفيفا»، باعتبار أنه صاحب الحدث ومضيفهم.

في ذلك احترام للعبة الدولية وتكريس لبروتوكول وأصول.

وكان غياب تيريزا ماي، رئيسية وزراء بريطانيا عن المنصة الرئيسية لمباريات بلادها على خلفية قضية تسميم الجاسوس الروسي المزدوج سيرجي سكريبال، وابنته في لندن، داعياً للتساؤل: هل كسبت رهانها على المقاطعة الرسمية للمونديال، أم كانت خسارتها فادحة؟

وكانت الرسالة السادسة تأكيداً للقيم الإنسانية، ورفضاً لأية خروق عنصرية بهذا الخصوص. جرت في بعض المدرجات إشارات وأصوات ضد اللاعبين الأفارقة، وهذا كاشف لمدى تغلغل العنصرية ومشاعر التفوق الأبيض في دول أوروبية عديدة، بينها الدولة المضيفة.

رفض العنصرية في البيانات والمواقف، تعبير عن صراع حقيقي ضد الشعبوية والجماعات النازية الجديدة، وقد كان لافتاً أن أغلب لاعبي فرنسا وبلجيكا، ينتمون إلى أصول إفريقية وعربية.

قد تساعد النتائج الإيجابية للمنتخبين الأوروبيين في تخفيض حدة كراهية الأجانب.

هذه واحدة من أفضل الرسائل السياسية في المونديال، التي قد يصعب حصرها.