Menu
حضارة

معالم الظاهرة الترامبيّة في السياسة الدولية

محمّد جبر الريفي

بوصول  دونالد ترامب  الأصولي المسيحي إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية حدث تأثيرًا كبيرًا على السياسة الأمريكية، فيما يُعرَّف الآن في مراكز الأبحاث والدراسات السياسية وكذلك في أجهزة الإعلام الدولية بالظاهرة الترامبية.

انطلق ترامب في سياساته الخارجية من عنصرين، شكّلا تغييرًا في النهج النمطي التي درجت عليه السياسة الأمريكية التقليدية في عهد رؤساء الولايات المتحدة السابقين، أوّلهما: العنصر القومي في اعتماد الخطاب السياسي الخارجي على شعار(أمريكا أولًا)، وهذا يعني فتح ثغرة في العلاقات السياسية مع الخصوم  والأصدقاء معًا.

لقد استعر الخلاف على أشدّه بين سياسات الولايات المتحدة وسياسات دول خارج منظومة الدول الغربية، ورثت دول المعسكر الاشتراكي في موقف العداء لواشنطن. مما يعيد إلى الأذهان حالة الحرب الباردة التي كانت مستعرة بين الاتحاد السابق وحلفائه في دول المعسكر الاشتراكي المنهار من جانب، والولايات المتحدة الأمريكية زعيمة المعسكر الرأسمالي الإمبريالي من جانب آخر. تلك هي العلاقة السائدة الآن بين الولايات المتحدة وكل من روسيا والصين وكوريا الشمالية و إيران ، ولكن بشكل أقل حدة؛ حيث جرت في الفترة الأخيرة مباحثات بين ترامب ورئيس كوريا الشمالية على مسألة التهديد النووي التي تشكله الترسانة الصاروخية النووية الكورية الشمالية على حلفاء واشنطن في جنوب شرقي آسيا، وكذلك الاجتماع في العاصمة الفنلندية  هلسنكي  بين كل من بوتين الزعيم الروسي وترامب، والتي تناول البحث فيها قضايا عديدة كالأزمة السورية والموقف من إيران، وما أشيع عن تدخل استخباراتي روسي في الانتخابات الأمريكية التي أوصلت ترامب إلى البيت الأبيض.

فيما يخص العلاقة الأمريكية مع الأصدقاء، فإن شعار أمريكا أولًا من شأنه أن يُبرِز التعارض ضمن دول المعسكر الرأسمالي، بسبب تباين المصالح الاقتصادية بين واشنطن ودول الاتحاد الأوربي بشكل خاص، هذا التعارض الذي يترجم إلى مواقف سياسية متعارضة أيضًا إزاء القضايا والأزمات السياسية الدولية، مثل الخلاف الحاصل بين الموقفين الأمريكي والأوروبي حول التسوية السياسية للقضية ال فلسطين ية؛ فبينما ستطرح إدارة ترامب صفقة القرن التي تسرّبت بعض بنودها كمشروعٍ تسووي يتوافق تمامًا مع الرواية اليهودية، نجد دول الاتحاد الأوروبي مازالت متمسكة بمشروع حل الدولتين الذي يحظى بإجماع دولي.

في إطار تأكيد إدارة ترامب على العنصر القومي (أمريكا أولًا) تزداد شهوة النهب الأمريكي الإمبريالي لدول الخليج العربي الغنية، فيشرع ترامب خلالها في اعتماد معادلة جديدة تعمق علاقة التبعية الكاملة التي تربط دول الخليج بالولايات المتحدة؛ وبذلك تصبح أموال النفط في مقابل حماية أنظمة الاستبداد الخليجية الوراثية من حركات التغيير التي تجتاح بعض دول المنطقة، ومن خطر تمدد نفوذ الجار الإيراني القوي الذي أصبحت قواته الآن  على مقربة من حدود  فك الاشتباك الذي وقع في عام 73، بعد حرب أكتوبر بين الكيان و سوريا .

ثاني العناصر التي ميّزت السياسة الخارجية الترامبية عن غيرها من السياسات التقليدية التي درجت عليها واشنطن، خاصة فيما يتعلق بالشرق الأوسط والقضية الفلسطينية، هو: العنصر الديني حيث انتماء الرئيس ترامب لتيار الأصولية المسيحية الذي تربطه علاقة التحالف مع تيار الأصولية اليهودية، وكلاهما يستمدان مواقفهما السياسية بشكل اساسي من الاعتماد على الوسط البروستانتي، وهو المذهب المسيحي الغالب بين سكان الولايات المتحدة، وهذا التحالف بين الأصولية المسيحية والأصولية اليهودية هو الذي كان وراء اعتقاد ترامب بالرواية اليهودية فيما يتصل بالصراع العربي الصهيوني، وقد تمّت ترجمة ذلك عمليًا في الموقف من قضيتي  القدس  واللاجئين؛ حيث تم الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة للكيان ونقل السفارة الأمريكية إليها، وقطع أو تقليص حصة المساعدات المالية المقدمة إلى وكالة الأونورا في محاولة لشطب حق العودة من أي تسوية سياسية تصفوية قادمة.

هكذا هي أهم ملامح  الظاهرة الترامبية في السياسة الدولية والتي من خلالها يهدف ترامب إلى تأكيد الهيمنة الأمريكية على المستوى الدولي وقطع الطريق على بروز أقطاب جديدة.

ظاهرة سوقية ذات طابع اقتصادي تجاري أكثر من كونها طابعًا سياسيًا، بحكم كون ترامب رجل أعمال، وهي  من شأنها العمل على تأجيج الفوضى السياسية والأمنية وتجاوز القانون الدولي، ليس على مستوى الشرق الأوسط والمنطقة العربية ولكن على المستوى الدولي؛ فمزاجية ترامب وتناقض تصريحاته وهجومه على الأعداء والأصدقاء معًا، وولعه بممارسة سياسات جديدة تغاير سياسات الرؤساء الأمريكيين السابقين، قد يضع الولايات المتحدة في مواجهة النزعة الإنسانية التي تتنامى في الأوساط الدولية لوضع حد للأزمات التي تعكر حالة السلام والاستقرار الدوليين.