Menu
حضارة

الدولة القومية مقدّمة لـ «إسرائيل» الكبرى

د.فايز رشيد

لا نعرف حقيقة ما الذي أدّى بالنخب السياسية العربية للوصول إلى نتيجة مفادها أن «إسرائيل» تخلّت عن مشروعها بإقامة دولتها الكبرى. نقول ذلك للأسباب التالية، أولاً، إن الصهيونية هي ذاتها تطوّرت باتجاه أنها المرجع الأساسي للسياسات الحاكمة في «إسرائيل». وبالتالي نرى التأثير الكبير للأحزاب الدينية الأكثر تطرفاً في القرارات «الإسرائيلية»، وازدياد استقطابها للمستوطنين في الشارع «الإسرائيلي». ثانياً يمكن القول إن النخب السياسية العربية لا تتابع التطورات الداخلية في «إسرائيل». ثالثاً، إن دولة الاغتصاب انتهجت السياسات نفسها منذ إنشائها القسري، حتى هذه اللحظة، إنْ بالنسبة لشعارها المعروف «يهودية الدولة» وتهيئة كل الأسباب لهذه المسألة، أو الاستيطان، أو النهج العدواني. رابعاً، إن الظروف تتغيّر، ولا يمكن تطابق ظروف الواقع الحالي مع المستقبل الذي قد يحمل بين طياته ظروفاً مواتية لتطبيقه، خاصة إذا ما استمرّت ظروف العجز الفلسطيني والعربي. وقد يحمل المستقبل ظروفاً معاكسة ل»إسرائيل» أيضاً، ولكن ذلك مرتبط بالعاملين المهمّين في المعادلة، وهما الفلسطيني والعربي. خامساً، تنطلق «إسرائيل» في سياستها من مبدأ «فرض الوقائع» من دون الأخذ في الاعتبار قرارات الأمم المتحدة، والشرعية الدولية، بخاصة أن الولايات المتحدة تقف إلى جانبها في كلّ ما تتخذه من سياسات عدوانية، أو توسعية تحت شعار «الدفاع عن النفس».

وقد فوجىء كثيرون بسنّ الكنيست قانون «الدولة القومية» مع أن الشعار مطروح، وأثار جدلاً كبيراً داخل «إسرائيل»، وفي فلسطين، والعالم العربي، منذ سنوات طويلة، لذا فإن صدور القانون كان متوقعاً، والذي لم يتوقعه فإنه لا يحسن قراءة العدو. والدلالة على ذلك هي هذه التحليلات السياسية التي تطنب في شرح دلالات القانون، سواء بالنسبة إلى قوننة العنصرية ،وتأصيلها، ووضع الأساس الحقوقي لتهجير أهل البلد الأصليين من الفلسطينيين العرب، أو كما قال إيلان بابيه في كتابه «التطهير العرقي للفلسطينيين» من خلال «خلق واقع اجتماعي - سياسي - اقتصادي - قانوني لإجبار الفلسطينيين على الهجرة طوعاً».

بالطبع، فإن القانون شطب نهائياً «حق العودة» للاجئين الفلسطينيين الذي رفضته «إسرائيل»، ولا تزال منذ إقراره. وللقانون تداعيات أخرى كثيرة، كتعزيز الاستيطان، وتسويغ سياسة حرب الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين باعتبارهم «طارئين» على «إسرائيل» كدولة «للشعب اليهودي»، واعتبار اللغة العربية لغة ثانوية في دويلة الاحتلال، وتضييق الخناق على أهلنا في منطقة 48 تحديداً.

اعتدنا في العالم العربي للأسف، على محاكمة الخطوات «الإسرائيلية» بعد اتخاذها من دون امتلاك صفة رئيسية في التحليل السياسي، وهو استشراف أحداث المستقبل، رغم المقدمات الظاهرة والجلية التي لو وضعت في مكانها الصحيح بناءً على معرفة العدو ونهجه، كما امتلاك الرؤية التحليلية واسعة الأفق، لجزمنا باتخاذ الخطوة. الفرق كبير بين الحالتين بالطبع، انطلاقاً مما يمكن خوضه من معركة سياسية ضارية تجعل العدو يفكّر في خطورة ما سيتخذه من خطوات.

إن الندب، والاستنكار بعد اتخاذ الخطوة لا يسمن، ولا يغني من جوع. فالقرار جرى اتخاذه شئنا أم أبينا، لكنه ليس قدراً، ولن يكون، فزوال هذه الدويلة حقيقة تاريخية قائمة.

وبالعودة إلى شعار دولة «إسرائيل» الكبرى، فحقيقة الأمر أنه لم يفارق عقول الحاخامات اليهود، ولا المؤسسة الدينية «الإسرائيلية» مطلقاً، وعلى سبيل المثال لا الحصر (والأمثلة كثيرة)، يتساءل الحاخام كشتئل في مقابلة له مع صحيفة «هآرتس»: «ولكن ما هي حدود أرض «إسرائيل» التي تعود لنا؟ ... ويجيب قائلاً: أرض غزة بالتأكيد هي جزء من أرض «إسرائيل». كما إن راشي اليهودي كما الكوزري يؤكدان: إنها تصل إلى وادي مصر، والقصد حتى دلتا النيل... ، كل ذلك من أجل أن يشار إلينا، بأن هناك أرضاً أخرى لم تقوموا باحتلالها... الهدف الأسمى هو احتلال أرض «إسرائيل»، حتى لو لم يطلقوا حتى اليوم أي صاروخ علينا من منطقة الشمال، فإنه حسب التوراة، نحن ملزمون بأن نحتل على الأقل حتى بيروت»، وأضاف: بعون الله، وقريباً، سيأتي إلى هنا ملايين المهاجرين الجدد، وليس بعيداً اليوم الذي سيصل فيه الاكتظاظ هنا إلى درجة كبيرة ويبلغ السيل الزبى، ولن يكون أمامنا خيار سوى طرد الغرباء - سنحتاج إلى قليل من التوسع هنا، لأنه لن يكون لدينا مكان كاف لسكن أصحاب الأرض».