Menu
حضارة

«قانون القومية» ورهانات التسوية

علي جرادات

لو شئنا القبض على ما يعنيه إقرار «الكنيست» «الإسرائيلي» لما يسمى «قانون القومية»، من دون اختزال أو تقليل، مقصود أو غير مقصود، لقلنا إن هذا القانون يعني، أننا، في الواقع، بتنا أمام تصعيد نوعي كبير، بات ما قبله، بالمعنى الشامل للكلمة، غير ما بعده، وأمام تأكيد، لا لبس فيه، على أن «دولة» الاحتلال، «إسرائيل»، ماضية في استكمال تحقيق الهدف الذي أراده مؤسسو المشروع اليهودي: «دولة يهودية كما هي هولندا هولندية». أما أين؟ فعلى فلسطين بين النهر والبحر. ف»إسرائيل» هذه لم تحدد، ولا تريد أن تحدد حدودها. أما قبولها ب»قرار التقسيم» عام 48، فلم يكن سوى خدعة لكسب اعتراف هيئة الأمم، وانتظار الوقت المناسب لترسيم الصريح المعلن في الوثائق الرسمية الصهيونية، و»الإسرائيلية»، وهو ما وفرته الإدارة الأمريكية الحالية التي تتبنى كامل رؤية ومطالب وخطوات أشد حكومات «إسرائيل» تطرفاً، وأكثرها تعلقاً بالخرافات التلمودية التي ترى أن فلسطين هي «الوطن القومي للشعب اليهودي»، وأن أرض فلسطين هي «أرض الشعب اليهودي»، وأن فلسطين من البحر إلى النهر ليست محتلة، ولا متنازعاً عليها، بل «محررة»، وأن من تبقّى من الفلسطينيين في فلسطين هم مجرد «مجموعات سكانية غير يهودية تعيش في كنف (دولة «إسرائيل» «اليهودية»، وتحت سيادتها)، أي كأن الفلسطينيين ليسوا شعباً، ولا حق لهم، لا في العودة، ولا في تقرير المصير، ولا في إقامة دولة مستقلة ذات سيادة وعاصمتها القدس .

إذاً، نحن أمام قانون هو ليس قانوناً عنصرياً ويمس بحقوق ومصير فلسطينيي «مناطق 48»، وبحق عودة اللاجئين، فحسب، إنما بكل الشعب الفلسطيني، وقضيته، وحقوقه الوطنية والتاريخية، أيضاً. فضلاً عن أنه يفتح الباب واسعاً أمام تكثيف عمليات المصادرة، والاستيطان، والتهويد، والطرد، والتفريغ، والتهجير، وربما الترحيل الجماعي، (الترانسفير)، إذا توفرت الشروط والظروف المناسبة. بل واستخدام كل طرائق وأشكال الترغيب والابتزاز والضغط، لأجل قبول دول العالم ، بدعم أمريكي، بالاعتراف ب»إسرائيل» على أساس «قانون القومية» هذا.

نحن إزاء قانون لا تلبي استحقاقاته بيانات الشجب، والاستنكار، والتنديد، بل الرد السياسي، فلسطينياً وعربياً، علماً بأن أي رد لن يكون بمستوى المخاطر والتحديات إذا لم يبدأ بالاعتراف بأن هذا القانون قد أسقط، إلى غير رجعة، جميع فرضيات، ومنطلقات، ورهانات أن «إسرائيل» يمكن أن تقبل بتسوية سياسية متوازنة، ولا نقول عادلة، للصراع. كيف لا؟ وهي التي رفضت، ولا تزال ترفض القبول بتسوية كهذه، رغم ما قدمته، قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، باسم الشعب الفلسطيني، من تنازلات مجانية متسرعة خلال 25 عاماً، ويزيد من مفاوضات «مدريد أوسلو»، تتمثل في:

اختزال خريطة الوطن في «مناطق 67»، مع القبول بمبدأ «تبادل الأراضي»؛ واختزال خريطة الحقوق في الدولة؛ واختزال القرارات الدولية المتعلقة بالصراع في القرارين 242 و338؛ واختزال أشكال النضال في الشكل السياسي والدبلوماسي، واختزال الأخير في المفاوضات؛ وقبول التفاوض في ظل استمرار عمليات مصادرة الأرض، واستيطانها، وتهويدها؛ وإلغاء أهم بنود الميثاق الوطني للمنظمة، واعتراف الأخيرة بوجود «إسرائيل»، من دون أن تعترف هي بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير.

قصارى القول: مع هذا القانون، ومع التطبيقات الميدانية الجارية لخطة «صفقة القرن» لم تعد الحركة الوطنية الفلسطينية، المنقسمة أصلاً، في حالة أزمة يمكن تجاوزها بتغييرات شكلية حذرة ومحسوبة في مسار «أوسلو» لإدارة الصراع ، بل باتت في حالة مأزق بنيوي لا يمكن الفكاك منه إلا بتغيير نهج هذا المسار الفاشل، والمُدمِّر، وبالتحلل من جميع الالتزامات والتنازلات التي ترتبت عليه، وفي مقدمتها تجديد التأكيد على جميع بنود الميثاق الوطني، بوصفه دستور الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، والمرجعية القانونية للمشروع الوطني الفلسطيني وأهدافه. ولمَ لا؟ وقد بات «قانون القومية»، بما يحظى به من دعم أمريكي، المرجعية القانونية ل»إسرائيل»، وأهداف مشروعها الصهيوني.