Menu
حضارة

الاستيطان قبل «قانون القومية» وبعده

عوني صادق

في مقدمة كتابه المعنوَن «دولة الإرهاب»، كتب توماس سواريز:

«يصور الصراع الدائر بين «إسرائيل» والفلسطينيين في العادة بأنه صدام معقد لا حل له بين عدوين تاريخيين. لكن هذا الكتاب يقوم على مقولة تدعمها أدلة هائلة، مفادها أن هذا التاريخ المأساوي برمته ليس سوى قصة واحدة لحركة سياسية تعرف بالصهيونية، وتصميمها على الاستيلاء على فلسطين كلها لكي يستوطن فيها شعب يهودي، يقوم على فكرة الانتماء إلى دم واحد-إلى جنس واحد-وأن ما يقال عن التعقيدات الغيبية ليس سوى سلاح في هذه الحملة يهدف إلى التعمية على السبب الحقيقي للمأساة، وإلى تزييف التفسير المقدم للعجز عن وضع حد لها، وإلى اختطاف الديانة اليهودية والاضطهاد الذي تعرض له اليهود لمصلحة هذا الهدف، ولتقديم القصة الخرافية كأنها حقيقة للجماهير الغربية التي تدعم حكوماتها هذا الهدف»!

والحقيقة أن ما قاله سواريز في الاقتباس السابق لا يقبل النقاش أو الجدل لأي متتبع موضوعي لمجريات القضية الفلسطينية على الأقل منذ نهاية القرن التاسع عشر عندما أنشئت أول مستوطنة يهودية في فلسطين، وقبل صدور إعلان أو «وعد بلفور» أثناء الحرب العالمية الأولى في العام 1917. لقد بدأ «المشروع الصهيوني» في فلسطين بالهجرة والاستيطان، وما زال في نفس المسار حتى اليوم. وإقرار ما يسمى «قانون القومية» الأخير لم يخرج عن هذا المسار وإن كان تتويجاً له وخروجاً من عالم الأكاذيب والسرية إلى العلن و«الشرعنة»، بعد أن جمع ولخص كل الأفكار والقوانين والتشريعات السابقة في «قانون واحد»! وفي العقد الأخير، ومع وجود إدارة ترامب في قمة السلطة الأمريكية تم تسريع ما كان يحدث خطوة خطوة خلال عقود بعد العدوان «الإسرائيلي» في العام 1967، والذي استكمل احتلال أرض فلسطين.

ففي أكثر من شهر واحد بقليل (15 يونيو/حزيران- 15 يوليو/تموز)، افتضحت أمور وتسارعت خطوات كلها تدل على النوايا المبيتة. فكشفت حركة (السلام الآن) «الإسرائيلية» عن معطيات أظهرت أن «99.67% من الأرض التي صنفت (أراضي دولة) أعطيت للمستوطنين»، وذلك استناداً إلى معلومات حصلت عليها من الإدارة المدنية «الإسرائيلية»، وهي عبارة عن (674 ألفاً و459 دونماً) تم تخصيصها لاحتياجات المستوطنات «الإسرائيلية». وفي توضيح ذلك قالت (السلام الآن): «أهمية هذه البيانات في أنها تظهر أن دولة «إسرائيل» التي كانت تسيطر على الضفة الغربية منذ 50 عاماً، تخصص الأرض حصراً ل«الإسرائيليين»، بينما لا تخصص أرضاً تقريباً لمنفعة الفلسطينيين».

من ناحية أخرى، كتبت عميرة هاس مقالاً في (هآرتس 12-7-2018)، حول صدور أمر عسكري جديد بشأن (المنطقة ج) قالت فيه: «في الأسبوع الأول من شهر يونيو/حزيران الماضي، صدر الأمر العسكري الذي سيدفع بخطوات كبيرة حلم إخلاء المنطقة (ج) من السكان الفلسطينيين. ويلغي الأمر بضربة واحدة فعلياً قانون التخطيط والبناء الأردني، الذي يسري على الضفة كلها كمنطقة محتلة ويزيد صلاحيات الإدارة المدنية في هدم المباني الفلسطينية، ويلغي حق الاستماع والاستئناف، ويبعد عن الساحة المحكمة وصلاحياتها»!

وكان ميخائيل سفراد، كتب مقالاً في صحيفة (هآرتس 31-3-2018)، مقالاً بعنوان (انقلاب تاريخي: من الاحتلال إلى الضم)، قال فيه: «هذا الأمر يتم في الغرف التي تزين جدرانها شهادات العضوية في نقابة المحامين «الإسرائيلية»، وشهادات تخرج من كليات الحقوق «الإسرائيلية»، في أماكن العمل لوزارة العدل، في الغرف المكتظة لأحزاب الائتلاف واللجان البرلمانية في «الكنيست»، في المكاتب الفاخرة لقضاة محكمة العدل العليا، في كل هذه الأماكن يجلس أفضل المحامين في «إسرائيل»، ويساعدون حكومتها على تنفيذ التغيير واستبدال عقلية الاحتلال والكولونيالية بعقلية الضم والأبارتهايد»! وأضاف سفراد: «تغلق «إسرائيل» اليوم الفجوة بين الأقوال والأفعال»!

هذه هي الحقيقة تتأكد عارية من دون رتوش في «قانون القومية» بعد عقود، مع أنها لم تكن خافية على من أراد أن يراها. «إسرائيل» مشروع استيطاني إحلالي كولونيالي، كل فلسطين كانت حدوده الدنيا، لم تسعَ يوماً إلى «السلام»، ولم تفكر يوماً أن تعترف بحقوق الشعب الفلسطيني في أرضه أو بحقه في تقرير مصيره. البحث عن «تسوية» معها، أو الدخول في مفاوضات من أجل تسوية، أو الحديث عن «دولة ثنائية القومية» أو «دولة لكل مواطنيها»، كل ذلك وأشباهه عبث يخدم ويساهم في تحقيق المخطط «الإسرائيلي»- الاستعماري القديم الجديد!