Menu
حضارة

جدلية الشخصية العربية وحداثتها

علي محمد فخرو

هناك محاولات متنامية، استعمارية، و»إسرائيلية»، استخباراتية، وإعلامية، واستشراقية فكرية، لسلخ الإنسان العربي عن هويته العروبية. 

فمنذ السقوط المأساوي للتجربة الناصرية، بعد موت قائدها التاريخي وملهمها، ومع تراجع المدّ القومي بسبب ضعف وتبعثر وصراعات الأحزاب والحركات القومية الأخرى، تنامت ظواهر الهجوم على الهوية من قبل الخارج، وبعض قوى وأفراد الداخل. 

ولذا، أصبح لزاماً إعادة استحضار مكونات ومنهجيات تلك الهوية، لإعادة -على الأخص - التوازن في ذهن شباب هذه الأمة، وإذا كان من نقد ومحاولة تجاوز فليكن ذاتياً موضوعياً، وليس تقليداً، أو صدى لما يقوله الآخرون، كما تفعل بعض الخطابات العربية الشاذة، المعبّرة عن غضب طفولي مجنون عند هذا الفرد، أو عند تلك الجماعة. 

من الضروري أن يدرك شباب الأمة أن هوية الشخصية العربية هي، إلى حدّ كبير، هوية تاريخية شكّلتها، من جهة أولى، نصوص ورؤى وقراءات دينية، ومن جهة أخرى شكّلها تراث حضاري في الفكر، والفنون، واللغة، والقيم والسّلوك عبر قرون عدة. 
وبالطبع، فنحن هنا نتحدث عن «الأنا الجمعية» المشتركة والسّائدة بين أفراد الأمة، مع علمنا التام بأن مقدار تواجد مكونات الهوية الجمعية التاريخية يختلف من شخص إلى شخص آخر. 

كما أننا يجب ألا نغفل عن جانبين من جوانب الموضوع: أولهما هو أن كل حقبة من الزمن تطرح أسئلة جديدة على التاريخ، وتستنطقه ليجيب عن تلك الأسئلة المتجددة دوماً. وثانيهما، هو أن الشخصية التاريخية تتجدد وتتغيّر، تقوى وتضعف، تصعد وتهبط في ألقها.

ما نقوله لا ينطبق على الشخصية العربية ققط، إذ إن شخصيات كل الأمم هي نتاج مركّب لأهمّ العوامل المؤثرة في تاريخها، وهي على الأخص عوامل الدين، والثقافة، والأحداث الكبرى التي فجّرتها، وضبطت إيقاعها عوامل السياسة، والاقتصاد، والاجتماع.

ولذلك، فليس صحيحاً أن العرب ينفردون من دون غيرهم، بطرح الأسئلة حول الشخصية الجمعية، وهويتها، إذ إن جميع الأمم معنية دوماً، بصور شتى، بطرح أسئلة متجددة حول شخصياتها الجمعية، وهويّاتها. 

وبالنسبة إلينا، نحن العرب، تطرح الحقبة الزمنية التي نعيشها أسئلة محددة، أسئلة تعنينا كأمة تحاول إيجاد طريق ومكان لها في المسيرة الإنسانية. هذه الأسئلة يجب أن يعيها شباب أمة العرب، وألا يهدأ لهم بال حتى يحصلوا على إجابات معقولة، لا تدمّر شخصية أمتهم الجمعية، وذلك منخلال تشويه هويتهم وتلك الشخصية بالكذب «الإسرائيلي» والاستعماري، وبالتلفيق المجنون من قبل بعض العرب.

السؤال الأول يتعلق بمدى أهمية المراجعة المتأنية الموضوعية لكل الجوانب السلبية في تلك العوامل الدينية، والثقافية، والسياسية، والاقتصادية، والاجتماعية التي فعلت فعلها في تاريخهم، وبالتالي في شخصيتهم، وهويتهم. 

تلك المراجعة تحتاج أن تكون تحليلية تفكيكية، ونقدية، لتنتقل بعدها إلى تجاوز السلبي وحذفه، أو تجديده، وإلى الإبقاء على ما يبدو أنه إيجابي صالح لمرحلتنا الحياتية الحالية. 

يخطئ الشباب إن اعتقدوا أن السؤال الأول لا يخصّهم، ولا يتطلب انخراطهم التام في التفتيش عن الإجابة عنه. جزء كبير من التزاماتهم الثقافية يجب أن تنشغل بذلك الأمر. ذلك أن الإجابة عن السؤال الأول ستساعدهم على الإجابة عن السؤال الثاني، الملتصق أشدّ الالتصاق بحاضرهم، ومستقبلهم.

السؤال الثاني هو مدى الترابط أو التناقض بين شخصيتهم وهويتهم تلك، وبين مسلّمات وادّعاءات ما يعرف بالحداثة، التي بدأت كحصيلة للنهضة والأنوار الأوروبية لتنتهي اليوم بأن تصبح حداثة شبه عالمية. هنا يحتاج الشباب العرب أن يعوا تماماً الملاحظات النقدية الكثيرة حول مسلّمات الحداثة وتطبيقاتها الخاطئة الكثيرة عبر القرون الثلاثة الماضية. 

ولعل قراءتهم لأدبيات النقد الشديد للحداثة الغربية الذي وجهته المدرسة التفكيكية، بقيادة المفكرين الفرنسيين من أمثال جاك داريدا، وأدبيات كتّاب مدرسة ما بعد الحداثة الكثيرين، ستعينهم على الإجابة عن السؤال الثاني. وسيعلمون عند ذاك ما الذي في الحداثة قد يتعارض مع شخصيتهم وهويتهم، وما الذي لا يتعارض على الإطلاق.. لن يكون الأمر سهلاً، ولكنه غير مستحيل. 

سيكتشف الشباب المقولة الخاطئة التي تعتبر الحداثة الغربية هي المراكز الذي تدور من حولها بقية الحداثات، بما فيها الحداثة العربية الذاتية، خصوصاً عندما يتعرفون إلى ما ذكرنا من نقد كثير، وتساؤلات كثيرة، موجّهة لتلك الحداثة. 

هناك تساؤلات كبرى حول بعض مكونات الحداثة من مثل المدى المعقول للحرية الشخصية، والاستقلالية الذاتية، أو من مثل موضوع التقدم، ومعانيه، وحقوله، وتوجهاته، أو من مثل نوع الارتباط بين إملاءات العقلانية والتزامات القيم. 

نحن هنا لا ندعو إلى المماحكة والصراعات العبثية، وإنما ندعو إلى الجدية والندية في دخول عوالم الحداثة، بل وحتى عوالم ما بعد الحداثة. 
ما نريده من شبابنا هو أن يصلوا بجهودهم إلى نوع تركيبة الشخصية الجمعية العربية، وبالتالي هويتها، وإلى نوع التعايش بينهما وبين تركيبة الحداثة العربية الذاتية.

ذلك جهد مطلوب وملحّ إن كانوا يريدون لأمتهم معاودة دخولها في مسيرة الحضارة الإنسانية، المتناغمة والمتكاتفة الأجزاء، وهم إذ يسيرون في مسعاهم ذاك يجب ألا يلتفتوا إلى أصوات الخبث والخديعة الصادرة عن دوائر الإمبريالية و»الإسرائيلية»، ومن دوائر أبواقها في أرض العرب .