Menu
حضارة

بعد إقالة عيسى قراقع..

قرارات الرئيس عباس بحقّ هيئة الأسرى أكبر من مجرّد إقالة شخص

غزة_ بوابة الهدف _ بيسان الشرافي

أقدم الرئيس  محمود عباس  مُؤخرًا على اتّخاذ قرارات رأت فصائل  فلسطين ية أنّها تمسّ بقضيّة الأسرى، ولا تعدو عن كونها امتدادًا لخطوات سابقة على طريق إسقاط هذا الثابت الوطني، وإزاحة ما بات يُشكّل "همّا" على قلب القيادة السياسيّة، بفعل ضغوط صهيوأمريكيّة واسعة.

وأقال الرئيس عباس، رئيس هيئة شوؤن الأسرى والمحررين عيسى قراقع، بموجب قرارٍ نشرته الوكالة الرسمية، الجمعة 3 أغسطس الجاري، يقضي بتشكيل لجنة لإدارة الهيئة برئاسة قدري أبو بكر وعضوية 8 شخصيات أخرى, في إجراء مُفاجئ، يُخلّف علامات استفهام عدّة، حول أسبابه والأهم تأثيراته، سيّما وأنّه أثار استهجان وإدانة فصائل وقيادات وطنيّة وازنة.

تزامن هذا مع تسريبات مفادها أنّ من ضمن الإجراءات المُتخّذة قطْع موازنة نادي الأسير، التي كانت تخصصها له هيئة شؤون الأسرى، وإقصاء قدورة فارس عن رئاسته. ولم يتسنّ لبوابة الهدف التأكّد من صحّة هذه التسريبات.

مسؤول لجنة الأسرى في الجبهة الشعبية بقطاع  غزة ، علام كعبي اعتبر القرارات الأخيرة المعتقلة بهيئة شؤون الأسرى "ليست وليدة اللحظة، بل امتدادًا لحالة الاستهداف التي طالت هذا الجسم، عقب توقيع اتفاق الشاطئ في إبريل 2014، الذي على إثره جرى تحويل وزارة الأسرى إلى هيئة، تمّ دفنها في مؤسسات منظمة التحرير المُهترئة، وهذا وضع قضية الأسرى في أسفل سلّم أولويات القيادة السياسية الفلسطينية".

ورأى كعبي في مقابلة أجرتها بوابة الهدف أن "إقالة الوزير المناضل قراقع جاءت نتاج صراع فتحاوي داخلي، برز منذ إضراب الكرامة الذي خاضه الأسرى في نيسان 2017، وكان بدعوة من الأسير القيادي بحركة فتح مراون البرغوثي. وخلال الإضراب وقف قراقع عند مسؤولياته في دعم نضالات الأسرى، وهو ما استخدمته أطراف معينة للتحريض ضدّه عند الرئيس أبو مازن، بدعوى أنه (قراقع) وغيره يعملون مع البرغوثي على إسقاط السلطة!".

الإضراب ذاته شهد تنصّل السلطة من مسؤولياتها تجاه نضالات الأسرى، وكانت ممارساتها خلاله تُدلّل على رفضها الإضراب لذرائع واهية، وهذا شديد الصلة بحجم التهميش والتنكيل الذي تُلحقه قيادة السلطة بهذه القضيّة الوطنية السامية.

وقال كعبي "إدانة قراقع بهذه الطريقة المهينة أمرٌ مدان ومرفوض، خاصة أنّه أسير محرر وعمل ليل نهار انتصارًا لقضية ونضال الأسرى، وتحققت في عهده عشرات الإنجازات، إضافة لمساندته كلّ الحركات النضالية للأسرى داخل السجون، ونجاحه في نقل قضيتهم للمحافل العربية والدولية".

وسبق هذه التغييرات في الجسم الذي يُفترض أنّه الممثل والمُدافع عن الأسرى، قطع السلطة لرواتب الأسرى من أبناء قطاع غزة، وهو ما قال كعبي إن الأسرى يعيشون بفعله حالة من الغضب والتذمّر والخذلان، خاصّة وأنّ المخصصات تُشكل أحد عوامل الصمود لهم، وهي حقٌ مُنجَز بفعل تضحياتهم، كما أنّها تضمن قوت عوائلهم. مُؤكًدا أن هذا يأتي ضمن وأد فكرة النضال، ويندرج تحت ما يُسمّى صفقة القرن.

ووفقًا لما قاله مسؤول لجنة الأسرى بغزّة في الجبهة الشعبية فقد وقف قراقع مُؤخرًا وقفة مشرفة حينما دعا لإعادة مخصصات أسرى غزة وعوائلهم المقطوعة منذ شهور، ضمن إجراءات الرئيس عباس العقابية التي يفرضها على القطاع.

وكانت لجنة الأسرى للقوى الوطنية والإسلامية أقامت خيمة اعتصام أمام مقر رئاسة الوزراء بمدينة غزة للتضامن مع الأسرى والمطالبة باستثنائهم من دائرة العقوبات التي طالتهم مؤخرًا، وباتوا على إثرها يتقاضون نصف راتب. وتجنبيهم المناكفات السياسيّة.

وكشف كعبي لـبوابة الهدف عن وجود حالة تمييز واضح تُمارسه السلطة بحقّ أسرى قطاع غزّة ممّن جرى قطع رواتبهم، إذ "تمّت إعادة رواتب أسرى فتح بالكامل، فيما تم الإبقاء على القطع والخصومات في رواتب الفصائل الأخرى".

وقال إنّ حالة التمييز التي تقترفها السلطة تأتي في سياق ضرب الروح والعلاقة الوطنية بين الأسرى داخل السجون، خاصة وأنّ الأسرى كانوا القدوة في الوحدة الوطنية داخل قلاع الأسر، وقدّموا الكثير للحفاظ على الوحدة وإعادة الحياة السياسية الفلسطينية لنصابها الصحيح وإنهاء حالة الانقسام.

يأتي هذا في الوقت الذي حذّرت فيه منظّمة الجبهة الشعبية بسجون الاحتلال، من قرارات "أكثر خطورة" من إقالة قراقع، على شاكلة تحديد أو قطع المَعاش على خلفية الانتماء والمنطقة، وصولاً لتصفية قضية الأسرى بشكل كامل انسجاماً مع المخططات الصهيونية والأمريكية.

وفي حديثه، اعتبر علّام كعبي "استبدال قراقع صاحب الخبرة العالية والطويلة، بالسيّد قدري أبو بكر الذي تجاوز الـ70 عامًا، يأتي في إطار الترهّل والتراجع الواضح في الاهتمام بقضية الأسرى. وضمن الهرولة السريعة باتجاه تصفية هذا الجسم، وصولًا ربّما لتحويل هذه المؤسسة لوزارة الشؤون الاجتماعية والتعامل مع الأسرى كحالات إنسانية، وهذا طُرِح في وقتٍ سابق، وهو مفروضٌ جُملة وتفصيلًا، لأنّ قضية الأسرى يجب تحتفظ بهوّيتها السياسية".

قبل عامٍ ونيّف، كشفت بوابة الهدف عن مساعٍ تهدف لتقويض هيئة شؤون الأسرى، وتكبيل صلاحياتها، منها مُباحثات دارت في أروقة السلطة الفلسطينية، بشأن تحويل الهيئة ومعها مؤسسة رعاية الشهداء والجرحى إلى جمعيتيْن أهليّتيْن تخضعان لإشراف وزارة الداخلية. وهي مُباحثات جرت في إبريل 2017، وكان سبقها قرار السلطة تحويل وزارة الأسرى –تابعة للسلطة- إلى هيئة وطنية -تتبع مباشرة منظمة التحرير- نهاية مايو 2014. بحجّة أنّ هذا الإجراء سيكون مخرجًا من الضغوط الدولية والصهيونية التي تُمارَس على السلطة؛ على خلفية دفعها مخصصات مالية للمعتقلين والمحررين.

وبعد أيامٍ على هذا الإجراء، الذي زعمت السلطة أنّه لن يُؤثر على قضية الأسرى، أقدمت وزارة المالية على قطع رواتب 277 أسيرٍ محرر، بتاريخ 6 يونيو 2017.

عضو مكتب إعلام الأسرى التابع لـ حركة حماس ، الأسير المحرر ناهد الفاخوري، اعتبر إقالة عيسى قراقع وقدورة فارس، خطوة ضمن سلسلة خطوات جرى اتّخاذها سابقًا، تهدف لتصفية قضية الأسرى كغيرها من القضايا، ابتداءً من تحويل الوزارة لهيئة مرورًا بقطع رواتب مُحرري صفقة شاليط، وأخيرًا قطع رواتب أسرى غزة.

وقال في اتصال هاتفي مع بوابة الهدف "أنّ المبرر الذي يتم الترويج له من قبل السلطة بأنّ هذه الإجراءات في قضية الأسرى تمثّل مخرجًا من الضغوط، ليس مبررًا بل ذريعة"، وتساءل "لماذا لا تتعامل السلطة الفلسطينية مع أسرانا بمثل ما تتعامل به دولة الاحتلال مع (سُجنائها الأمنيين)، هؤلاء محميّون من الدولة ويتلقّون رواتب على جرائم ارتكبوها ضدّ شعبنا.

وتفنيدًا لذريعة السلطة بشأن الضغوط في قضية "تمويل الأسرى"، أشار الفاخوري أنّ صندوق الاستثمار الفلسطيني تابع لمنظمة التحرير وليس للسلطة، وعليه فهو مستقل وغير خاضع لأي اعتبار.

ومنذ بداية العام 2017 صعّدت أذرع الاحتلال الإعلامية، ومعها وزارة الخارجية، الحملة الدعائية الممنهجة ضدّ ما تسمِّه "تمويل السلطة لمُخرّبين وإرهابيين وعوائلهم"، بالتزامن مع تصاعد مُماثل في الضغوط الأمريكية والدولية بهذا الشأن.

وفي أكثر من مناسبة، طالب رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، السلطة الفلسطينية "إثبات التزامها بالسلام، عبر وقف المخصصات المالية للأسرى الفلسطينيين وذويهم".

وعقب كلّ إجراءٍ تتّخذه قيادة السلطة يمسّ بقضيّة الأسرى، تحذّر القوى الفلسطينية والجهات المعنيّة من أن يكون الإجراء مقدمة لمزيد من التغوّل على هذه القضية السامية، وفي كلّ مرّة تتحقّق التوقّعات وتمضي السلطة في قراراتها التي تتنكّل بها لنضالات وتضحيات المعتقلين والمحررين من سجون العدو الصهيوني.

الأسير المحرر علام كعبي قال "المطلوب هو إعادة الاعتبار لهذه الشريحة المناضلة، التي كانت بمثابة الجسر الذي أوصل القيادة إلى سدّة الحكم، عبر نضالاتها الطويلة والمتواصلة".

وأردف "نحن نقيس مصداقية القيادة السياسية بما تقوم به من أفعال على أرض الواقع، هي تدّعي في خطاباتها واجتماعاتها أنّها ترفض وتُواجه الابتزازات والضغوط الأمريكية والصهيونية المتعلقة بقضية الأسرى، إلّا أنّنا عمليًا نرى هذه القيادة ترضخ للابتزاز وتُسلّم بما يفرضه الاحتلال والأمريكان".

يُشار إلى أنّ هيئة شؤون الأسرى واحدة من مؤسسات منظمة التحرير، لها كيانها المستقل، تأسست عام 1998، بمرسوم من الرئيس الراحل  ياسر عرفات ، كوزارة رئيسية تابعة للسلطة، للعناية بشؤون الأسرى والمعتقلين على خلفيّة مقاومة الاحتلال، وذويهم، قبل أنّ .يُقرر الرئيس محمود عباس تحويلها من وزارة إلى هيئة، كما أشرنا أعلاه.

أمّا نادي الأسير، فهو جمعية أهلية مستقلة تُعنى بشؤون الأسرى تأسست في سبتمبر 1993.

ما أقدمت عليه السلطة من تغييرات في رئاسة هيئة شؤون الأسرى أثار حفيظة الهيئات القياديّة لأسرى الفصائل الفلسطينية داخل سجون الاحتلال، ومنها الجبهة الشعبية التي أدانت إقالة عيسى قراقع بقرار "ظالم"، وقالت "لم يحظَ أي وزير لشؤون الأسرى بإجماع وطني كما حظي به الوزير قراقع". مُطالبة السلطة بالتراجع عن القرار، وإبعاد قضية الأسرى عن كل الخلافات والتجاذبات السياسية.

ورأت منظمة الشعبية في السجون أنّ أسباب الإقالة تعود لمواقف قراقع الرافضة لجريمة قطع مخصصات أسرى غزة". وحذّرت المنظمة من قرارات أخرى "أكثر خطورة".

من جهتها، قالت الهيئة القيادية لأسرى حركة الجهاد الإسلامي في تعقيبها على إجراءات الرئيس عباس "كُنا نتمنى في ظل هذه المرحلة الحساسة أن يكون حجم الرد والتصدي من الكل الفلسطيني بحجم الهجمة الموجهة ضده".

وكذلك حركة حماس، التي رأت أنّ قرار الإقالة ينسجم مع سياسة ضرب صمود الأسرى استجابة للإملاءات الخارجية. وطالبت السيد قدري أبو بكر الذي عُيّن خلفًا لقراقع الدفاع عن حقوق الأسرى، والعمل على وقف مجزرة قطع رواتبهم.