Menu
حضارة

تقريربقراراتها التعسفية.. "الأونروا" تكوي موظفيها بنار الظلم

غزة _ خاص بوابة الهدف _ هدى بارود

أمام البوابة الغربية للمقر الرئيسي لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين ال فلسطين يين (أونروا) غربَ مدينة  غزة ، اعتمر عددٌ من الموظفين قبّعات، علّها تقيهم حرّ الظّهيرة الحارق، بينما يُجاهدون رفعَ صوتهم رفضًا لقرارات إدارة الوكالة فصلهم التعسفي.

هذه القرارات طالت نحو ألف موظف يعملون لدى "الأونروا" ضمن ميزانيّة الطوارئ، ستنتهي عقود بعضهم بنهاية أغسطس الجاري، فيما ستظلّ البقيّة على رأس عملها بدوامٍ جزئي حتى نهاية العام فقط. إجراءاتٌ أسقطت على رؤوس الموظفين بلاءً فوق بلائِهم. ما دفعهم لإقامة اعتصامٍ دائم، تلاه إضرابٌ مفتوح عن الطعام، داخل مقرّ "الأونروا"، والمطلب الوحيد "حلّ الأزمة بعيدًا عن كرامتهم وحقوقهم".

في جعبة كل موظف قصةٌ، انقلبت مُجرياتها رأسًا على عقب، فور تسلّم رسالة "الفصل" من إدارة الوكالة يوم 25 يوليو الماضي، والتي تنتظر "الأونروا" توقيع الموظفين عليها –ما يعني القبول بالقرار- في 16 من أغسطس الجاري.

إحدى هذه القصص، انتشرت قبل أيام، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لموظفةٍ فُصلت فتركها خطيبها بحثًا عن أخرى موظفة لتُعاونه في مصاريف الحياة. وبعد البحث تبيّن أنّها قصة غير حقيقية إلّا أَّنّ ما واجهه الموظفون المفصولون أصعب بكثيرٍ من هذا، فقرارات الفصل التعسفيّة لم تأتِ عليهم فقط، بل طالت عوائلهم وأطفالهم.

المُعلمة "ق.س" تضطّر لتحمّل شماتة زوجها وضرّتها يوميًا بعدَما أنهت الوكالة عقد عملها، قالت "كُنت أخطّط لبناء منزلِ مستقل بعدَ تقاعدي حتى أتخلص من الضغط النفسي الذي أعشيه في بيت زوجي وضرتي، وها أنا الآن بعيدًا عن الخسائر المالية التي مُنيت بها سأضطّر إلى تحمّل الشماتة والاستهزاء حتى آخر العمر، فوظيفتي كانت أمني. أنا الآن بلا أمنٍ اقتصادي".

المُرشد النفسي أسامة نصير، والذي تابعَ خطوات زميله المضرب عن الطعام ماهر الملخ، وصلته رسالة بتحويل عقده من دوامٍ كامل إلى جزئي، وهذا يعني أن راتبه سيتقلّص، كما أنّه سيفقد الامتيازات التي يحصل عليها الموظف بعقدٍ كامل.

قالَ نصير(45 عامًا) لـ "بوابة الهدف" إنه سيتحوّل من موظفٍ محترم إلى مسجون في حال رفضت إدارة الوكالة التراجع عن قرارها، فراتبه الذي كانَ بالكاد يكفيه لسداد القروض التي استلفها من البنك لن يساعده في هذه المهمة.

وأضاف "سافر ابني بعدَ توجيهي للدراسة في  تركيا ، ولدي ابنٌ آخر متزوج، وثالث تقرَّر زفافه في منتصف أغسطس. كل هذه المسؤوليات التي كُنت أحاول تغطيتها بالراتب الذي أحصل عليه منذ أن عملت في الوكالة قبلَ 12 عامًا سترهق كاهلي الآن بنصف راتب!".

وتابع "لم يعد أحد منَّ الموظفين المفصولين يتحمل أن يعانده أبناؤه في شيء، صرنا عصبيين أكثر، حياتنا شبه المستقرة باتت غير مستقرة الآن نهائيًا، نحن في مرحلة صعبة لا نستطيع فيها أن نقدم الدعمَ النفسي لأنفسنا حتى، للأسف".

نصير الذي لم يُفارق خيمة الاعتصام، منذ خمسة أيام، واحدٌ من 450 مرشدًا نفسيًا تعرّضوا إما للفصل النهائي نهاية أغسطس، أو تغيّر العقود إلى جزئية ومن ثمّ إنهائها بنهاية العام، وفق ما أفاد به أحمد ثابت عضو اتحاد موظفي وكالة الغوث في قطاع غزة.

وقال ثابت لـ "بوابة الهدف"، إن "أكثر البرامج تضررًا بقرارات الأونروا كانت: برنامج الإرشاد النفسي، ودائرة خلق فرص العمل، والخدمات والصحة"، لافتًا إلى أن موظفي الدعم النفسي الذي كانوا معلمي أشغال يدوية أنهت إدارة الوكالة عقودهم بالكامل بعدَ نقلهم من دائرة التعليم إلى الإرشاد النفسي بعامين تقريبًا".

عِطاف أبو عاصي (59 عامًا) والتي كانت تنتظر التقاعد في إبريل 2019 تفاجأت بإنهاء عقدها، الأمر الذي يُفقدها امتيازات التقاعد المالية، التي كانت تنتظرها بفارغ الصبر لتزويج أبنائها وإتمام بناء منزلها، وسداد القروض التي استلفتها من البنك أثناء عملها.

"أعملُ كموظفة تدبير وعلوم منزلية في الوكالة منذ 34 عامًا، ونُقِلت أثناء عملي إلى أكثر من دائرة، وحتى يتم تأهيلي لها كنتُ أتدرب وأحصل على دورات سنوية، وتفاجأت بعدَ تحويلي مُؤخرًا إلى دائرة الإرشاد النفسي برسالةٍ تُفيد بفصلي تعسفيًا رغمَ أنني في انتظار التقاعد بعدَ أقل من عام".

أبو عاصي التي تعاني من هشاشة في العظام صارت تتناول دواءً خاصًا بمرضى الضغط، بعدَ ارتفاع ضغط الدم لديها بشكلٍ مستمر، منذ استلامها رسالة الفصل من عملها. حالُها كحال زميلتها (أ.ز) التي فضّلت عدم ذكر اسمها أملاً في "حفظ خطّ الرجعة"، كما قالت لـ "بوابة الهدف".

مُدرّسةُ الأشغال اليدوية التي تحولت إلى برنامج الإرشاد النفسي، بعدَ سبعة عشر عامًا من عملها في وكالة الغوث، اعتبرت أنها وزميلاتها أكثر من "ضُحك" عليهم وغُرر بهم من قبل إدارة الوكالة. إذ أوهموهم بأن برنامج الصحة النفسية أقوى برنامج الوكالة.

بنهاية شهر أغسطس الجاري، ينتهي عقد (أ.ز) ويُصادف هذا إتمامُها 18 عامًا في الوكالة. اقترضت خلالها خمسة قروض، من المفترض أن ينتهي سدادها بالعام 2026. قالت "عليّ التزاماتٌ كثيرة، مع انتهاء عقدي لا أعرف كيفَ سأتدبّر أموري، أنا في كارثة، تدمرت حياتي الاجتماعية والنفسية بهذا القرار الجائر والتعسفي".

تخشى المُدرسة المفصولة تعسفيًا أن تزور أحدًا من أقاربها الآن، خوفًا من نظرة الشفقة أو الشماتة، ناهيكَ عن محاولتها الابتعاد قدر المستطاع عن زملائها الذينَ يُسلّمونَ عليها مُعزّين ومُشفِقين.

حالةٌ من الخُذلان لسنوات العمل الطويلة، وانعدام الأمن الاقتصادي، والضياع تسببَت بها قرارات وكالة الغوث الأخيرة بحق نحو ألف موظف، لحقت أضرارُها بمئات الآلاف من الضحايا من أبناء وعائلات المفصولين، الذين لا حيلة لهم إلّا الرفض والتمسّك بحقوقهم، أملًا بأن تتراجع إدارة الوكالة عن قرارها قبل 16 من الشهر الجاري، فهل تتراجع؟! أم سيكون على الموظفين الاكتواء بنار الظلم، التي تفوق حرارتها لهيب الشمس التي تأكل رؤوسهم منذ (14 يومًا) وهم يعتصمون داخل مقرّها؟!.