Menu
حضارة

حول «التهدئة» في غزة!

عوني صادق

لم يعد الحديث الذي يدور حول «تسوية» أو «اتفاق» أو «هدنة طويلة» بين حركة «حماس» و«الكيان الإسرائيلي» مجرد «تسريبات»؛ بل أصبح موجوداً في تصريحات تعود لمسؤولين في «حماس» نفسها، وفي ردود حركة «فتح» والناطقين باسم سلطة رام الله؛ وذلك يشير إلى أن الإعلان عن التوصل إلى «تسوية» أو «اتفاق» تحت مسمى «الهدنة» ربما أصبح قريباً جداً، ما لم تعطل أو تمنع الحكومة «الإسرائيلية» التوصل إليه. فالموقف «الإسرائيلي»؛ من خلال تصريحات وتسريبات الصحافة، وبعض المسؤولين، يوحي بإمكانية التعطيل والمنع لهذه «التسوية»!

وعلى فرض أنه تم بالفعل التوصل إلى «اتفاق»، وتم الإعلان عن هذا «الاتفاق»، فهل من المنتظر أن تطبق بنوده؟، وأن يعيش المدة التي ينص عليها، والتي تختلف الأقوال حولها (هناك من يقول خمس سنوات وهناك من يقول عشر سنوات)؟ إن مبررات طرح السؤال، وحيثيات الجواب عن هذا السؤال، كثيرة. فبداية، تفيد التسريبات أن «الاتفاق» سيطبق على ثلاث مراحل، وهذا يعني أنه لن يدخل حيز التطبيق فوراً ومرة واحدة؛ بل إن المفاوضات المتعلقة بتطبيقه ستستغرق زمناً لا أحد يعرف مداه. ومن التجربة الطويلة في التعامل مع الأطقم «الإسرائيلية» للمفاوضات، يمكن افتراض أن تتوقف المفاوضات، ويتعطل الاتفاق في أية مرحلة من مراحل تطبيقه، ولأي سبب معقول أو غير معقول، حقيقي أو مفتعل؛ ولكن قبل البداية، لا بد من تأكيد «بديهية»؛ وهي أن المفاوض «الإسرائيلي» لن يوافق على أية تسوية، ما لم تحقق له هدفاً أو أكثر يسعى إليه من هذه التسوية.

وفي مقال كتبه قيادي في حركة «الجهاد الإسلامي» ونشر مؤخراً في إحدى الصحف اللبنانية، جاء قوله، إن التسوية «تقوم على مقايضة تحديد سلاح المقاومة»، ويضيف: «والصيغة التي يُحكى عنها، لا تقايض المساعدات الإنسانية بالهدنة العسكرية؛ بل تقايض المساعدات بالقضية الفلسطينية كلها»! وهو هنا يتفق مع ما تقوله حركة «فتح» بصرف النظر عن جدية الأخيرة. ومهما قيل عن الضغوط، التي تواجهها حركة «حماس» في غزة، ومهما كان استعدادها لقبول «هدنة» تحل مشاكل القطاع المعيشية، ولو حفاظاً على وجودها، فإنه من الصعب جداً أن تقبل تسوية «تقايض المساعدات بالقضية الفلسطينية كلها» حتى لو رغبت في ذلك؛ لأن ذلك يعد من قبيل الانتحار السياسي، خصوصاً وهي تستمع إلى تحذير حركة «فتح» من أن «التهدئة التي تسعى من ورائها أمريكا و«إسرائيل» هدفها فصل قطاع غزة، وتمرير مؤامرتهم المشؤومة تحت عنوان «صفقة القرن» وتصفية القضية الفلسطينية»، حتى لو جاء هذا التحذير من باب المزايدة، و«كلمة حق يراد بها باطل»!

في الوقت نفسه، حتى وإن كانت الحكومة «الإسرائيلية» لا ترى أن حرباً جديدة ستكون في مصلحتها، فإن «حماس» أيضاً لا تختلف في رؤيتها عنها في هذه المسألة، فضلاً عن أن المتضرر الأكبر من استمرار «الوضع الراهن» هي حركة «حماس»؛ لذلك لم تقدم الحكومة «الإسرائيلية»، وهي تقول إنها تريد «تسوية»، أي مقترح للتسوية التي تريد؛ بل قدمت للحكومة المصرية شروطاً لإيصالها لحركة «حماس»؛ ولذلك أيضاً تأتي التسريبات في الصحافة «الإسرائيلية»؛ لتعكس «تبايناً» في الحكومة «الإسرائيلية» المصغرة حول التسوية المرغوب فيها؛ بل وتحمل «شروط» هذه التسوية. فمثلاً، في الوقت الذي يُعرب فيه زعيم حزب «كلنا» عن الرغبة في الوصول إلى تسوية، يشكك ليبرمان في إمكانية التوصل للتسوية، ويتحدث عن اقتراب الحرب الحاسمة في غزة، بينما تتحدث وزيرة القضاء إيليت شكيد «البيت اليهودي»، للإذاعة «الإسرائيلية»، عن أنه «إذا كنا سنذهب إلى تسوية فيها منافع للفلسطينيين، فإن هذا يجب أن يترافق مع نزع سلاح ووقف تسلح «حماس»، وإعادة جثتي الجنديين والمواطنين»!

إن «ميزان القوى» القائم بين حركة «حماس» و«إسرائيل»، والوضع الفلسطيني المنقسم على نفسه، يجعل تعقيدات الوضع في غزة من جهة، وشروط «إسرائيل» التعجيزية من جهة أخرى، وكذلك الأوضاع الإقليمية والعربية والدولية من جهة ثالثة، لا تترك أمام «حماس» خيارات سهلة. ورغبتها في الخروج من «الأزمة الإنسانية»، وفي الوقت نفسه الحفاظ على وجودها في القطاع، يصطدمان مع رغبة «إسرائيل» في أن تكون «التسوية»، التي تحصل عليها تمثل الكلمة الأخيرة في سعيها إلى إنهاء وجود المقاومة في كل فلسطين. هذه الوضعية تجعل التوصل إلى «اتفاق قابل للحياة» مسألة في حكم المستحيل؛ ولكن إن خضعت حركة «حماس»، وتم الإعلان عن التوصل إلى «اتفاق»، فإنه في أرجح التقديرات لن يكون قابلاً للتطبيق، أو قادراً على الصمود والاستمرار. وسيتكشف الموضوع كله في نهاية الأمر عن فخ يلحق الضرر الكبير بحركة «حماس» وبقضية الفلسطينيين عموماً.