Menu
حضارة

اليسار العربي غياب الأيديولوجيا وحضور المصالح

محمّد جبر الريفي

لم يعد اليسار العربي بكافة اتجاهاته القومية والماركسية يعبر بقوة عن المصالح الاجتماعية للجماهير الشعبية العربية، كما كان حاله في الماضي حين كان الصراع محتدم في المنطقة بين المشروع القومي التقدمي وبين المشروع الاستعماري الإمبريالي وأذنابه من الكيان الصهيوني والرجعية العربية، بقدر ما هو (اليسار) حريصٌ الآن على تحقيق مصالح تنظيمية، مثله في ذلك مثل أيّة قوى سياسية أخرى تسعى لتحقيق بعض المكاسب الخاصة بها، على أمل الوصول إلى السلطة السياسية أو المشاركة فيها على طريق المحاصصة. لذلك ظهر الفرق واضحًا في العمل السياسي بين الممارسة الثورية والفكر النظري.

في كثير من التحالفات السياسية التي تقام اليوم في بعض الساحات العربية في مواجهة استبداد وفساد الأنظمة السياسية وأحزابها الحاكمة، يُلاحظ للوهلة الاولى أنها تقام بالدرجة الأولى على أساس مصلحي بهدف الشراكة في النظام السياسي، بعيدًا عن مسألة الأيدولوجيا؛ فكثيرًا ما أصبحت المبادئ الثورية تتوارى خلف المصالح التنظيمية، الشيء الذي يساعد في فقدان اليسار لهويته الطبقية المتميزة، وكذلك فقدانه للالتفاف الجماهيري، باعتباره القطب الديمقراطي المؤهل الذي يعمل على تقدم المجتمع وقيادة مشروعه النهضوي، لأنه أصبح يتساوى في بعض مواقفه مع مواقف اليمين في كثير من المسائل السياسية المطروحة التي تهم المجتمع.

وقد يرجع هذا بالدرجة الأولى إلى وجود عاملين أولهما: طبيعة نشأة الأحزاب اليسارية العربية نفسها، حيث من الثابت تاريخيًا في التجربة الحزبية العربية أنها لم تتشكل في بنبتها التنظيمية على أساس تبلور طبقي خالص كما هو الحال في البلدان الرأسمالية، بقدر ما كان الدافع وراء تشكيلها شعارات سياسية كبيرة كانت تتمتع بالتفاف جماهيري واسع لما تحمله من أفكار قومية وحدوية وثورية ذات طابع عاطفي وجداني.

في مرحلة التأسيس والنشأة لأحزاب اليسار العربي كان للموضوع السياسي أهميته التي جعلت له الأولوية على الموضوع الاقتصادي والاجتماعي، فكانت مسائل التحرر والخلاص من الاستعمار وحلفائه والظلم والطغيان السياسي التي تمارسه الأنظمة الرجعية بحكم ارتباطها بعلاقات التبعية مع النظام الرأسمالي العالمي، كانت محور النضال اليساري حيث كان الخطاب القومي التقدمي هو السائد في الحياة السياسية، بينما قضية الاشتراكية كمسألة اقتصادية اجتماعية تطرح في إطار الأيديولوجيا الثورية لم تأخذ حيزًا هامًا، وظلّت غير محددة المعالم باستثناء النذر اليسير الذي كان يروج تداوله في صفوف الأحزاب الشيوعية العربية، وبذلك غلب الطابع السياسي على الطابع الفكري في الثقافة الحزبية اليسارية.

ثاني العوامل، هو الاختلاط الطبقي الذي ساد في البنية التنظيمية لأحزاب اليسار العربي، حيث أنها كانت تتشكل من نسيج اجتماعي واحد مما ساهم هذا الاختلاط بدرجة كبيرة على الاهتمام بالمصالح التنظيمية والفئوية، وجعل لها الأولية في صياغة السياسات اليسارية، فلم تعد هناك فروق برنامجية كبيرة بين اليسار واليمين في الوطن العربي تصاغ على أساس الأيدولوجيا وهذا أكثر وضوحًا في الساحات العربية نجده في العمل السياسي الفلسطيني، حيث توافق اليسار واليمين على مسائل عديدة كوحدانية منظمة التحرير الفلسطينية في تمثيل الشعب الفلسطيني، والمحافظة على القرار الوطني المستقل، ولكن أهم أوجه هذا التوافق بينهما كان بخصوص موضوع التسوية السياسية التي ترعاها واشنطن، فكلاهما وافقا على البرنامج المرحلي الذي يقود مشروعه المسمى بحل الدولتين اليمين الوطني البرجوازي، بينما الذي صاغه ووضع نقاطه العشر ليتم إقراره في المجلس الوطني الفلسطيني هو أحد تنظيمات اليسار الماركسي.