Menu
حضارة

التطرف السياسي والديني.. أية مقاربة؟

إدريس لكريني

يعد التطرف ظاهرة اجتماعية، تحيل إلى المغالاة والتشدّد والأُحادية في التفكير والرأي وإلغاء العقل، ورفض القيم المجتمعية في أبعادها المختلفة، بالصورة التي تدفع إلى ارتكاب العنف بمختلف أشكاله؛ كسبيل لتكريس هذا الفكر. كما تتّصل كذلك بمصادرة الحق في الاختلاف، وفي بيئة آمنة وسليمة، واعتماد أساليب عنيفة وترهيبية في الدفاع عن المواقف والآراء؛ بما يشكّل خرقاً لكل القوانين والضوابط الدينية والأخلاقية. 

كما تحيل أيضاً إلى الإقصاء، وإلى غياب التسامح، وتوظيف الدين والسياسة بسبل منحرفة؛ لبسط الهيمنة، والتطرف السياسي، هو أيضاً من أخطر أنواع التطرف؛ كونه يرتبط بأشخاص وتيارات، توظف قواعد اللعبة السياسية؛ لتكريس تصوراتها الأُحادية.

ويشكّل التطرّف بكل أصنافه اعتداء صارخاً على حقوق وحريات الأفراد والجماعات المختلفة، وغالباً ما يقترن بالترويع والقتل والإقصاء، وفرض الرأي الواحد، وإرباك الحياة العامة والخاصة للأفراد والمجتمعات.

ولا يكاد أي مجتمع يخلو من أفراد أو جماعات تحمل أفكاراً متطرفة، تختلف في مضامينها بين ما هو سياسي وديني وثقافي.. وتشير الكثير من الدراسات والأبحاث إلى أن هناك عدداً من الأسباب التي تغذّي هذه الظاهرة، التي تتفشى بصورة ملحوظة في بعض المجتمعات سواء تعلق منها بالعوامل السوسيو- ثقافية والسياسية والاجتماعية.

ويقترن التطرف في كثير من الأحيان بالإرهاب، وقد زاد من خطورته في العقود الأخيرة أنه لم يعد مقترناً ببعض الأفراد؛ بل أضحى مقروناً بعمل عدد من الجماعات والمنظمات المنتشرة في مناطق مختلفة من العالم.

كما أن هذه الخطورة تتضاعف مع توظيف الدين في تبرير سلوكيات عنيفة ومتشددة بسبل منحرفة، وجدير بالذكر أن التطرف لا يرتبط بمجتمع أو دين أو ثقافة أو حضارة معينة، فهو ظاهرة تعني كل الشعوب والأديان السماوية وغيرها. 

يرجع الخبراء والباحثون تفشّي الظاهرة في أوساط المجتمعات إلى عوامل عدّة تتدرج بين اختلالات التنشئة الاجتماعية والتربية الدينية من حيث تكريس الرأي الواحد والانغلاق والتعصب والإقصاء والتطرّف، بما يطرحه ذلك من مسؤوليات تتحملها الأسرة والمؤسسات التعليمية ومختلف القنوات من أحزاب سياسية وإعلام وهيئات مدنية في هذا الشأن، ووجود تضييقات على حقوق الإنسان وتفشّي الشمولية والاستبداد. 

وفي هذا السياق، نظم مؤخراً؛ مركز الأبحاث الاستراتيجية حول الأمن والإرهاب ومجلة «حوارات» بالشراكة مع المؤسسة الألمانية «كونراد أديناور»، بمراكش، المؤتمر الدولي الثاني حول موضوع: «التطرف السياسي والديني في منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط والاتحاد الأوروبي»، بمشاركة عدد من الخبراء والباحثين من المغرب والدول العربية وأوروبا؛ حيث نبّهوا فيه إلى الارتفاع الملحوظ لظاهرتي التطرف والعنف في المنطقة العربية وغيرها؛ نتيجة لأسباب سياسية واجتماعية متصلة بالفقر والتهميش، أو نتيجة للتوظيف المنحرف والمغلوط للدين، إضافة إلى الدعم الغربي المطلق ل«إسرائيل» في ممارستها الإجرامية في المنطقة، فيما نبّه آخرون إلى خطورة الفتاوى الدينية العشوائية، التي عمّت عدداً من دول ما يُسمى«الربيع العربي»، وأفرزت مظاهر خطرة من العنف في أوساط فئات غير محصنة فكرياً وتربوياً ودينياً..

وتناولت مداخلات أخرى؛ تأثيرات مواقع التواصل الاجتماعي في نشر الفكر المتطرف بين الشباب، على مستوى الاستقطاب وتكريس «الفكر الجهادي»، بما يؤثر سلباً في أمن الدولة وأمن المجتمع؛ من خلال استغلال الضعف الفكري في استقطاب بعض الفئات، وتجنيد خبراء في المجال المعلوماتي من قبل جماعات متطرفة، فيما اعتبر آخرون أن الإعلام يظل شريكاً فاعلاً لمحاربة التطرف الديني والسياسي؛ عبر تقديم البرامج الوثائقية التنويرية.. 

كما أشارت بعض الأوراق المقدمة إلى التطرف، الذي يشكّله صعود التيارات اليمينية في أوروبا، بما فيها الفاشية والنازية، التي تطرح شعارات مستفزة تمس حقوق وحريات المهاجرين وبخاصة المسلمين منهم، بما يؤثر سلباً في مصداقية الاتحاد الأوربي ومستقبله.

وقد خلصت أشغال المؤتمر إلى مجموعة من النتائج والتوصيات، من قبيل الدعوة إلى بلورة حلول علمية معتمدة على تعدّدية وتداخل المقاربات في تعريف الظاهرة؛ وإعادة النظر في المناهج التربوية وأدوارها السلبية في تجذير واستنبات التطرف؛ وضمان حق ممارسة حرية المعتقد والدين والحفاظ على القيم الإنسانية؛ والعمل على إيجاد أرضية تنويرية حداثية؛ وعلى محاربة الخطابات الداعمة لاستقطاب التطرف؛ والترويج للفكر الوسطي المعتدل؛ وتصحيح الفكر المختل؛ مع إبراز حكم الدين في ذلك، إضافة إلى الرصد والتتبع الأمني، والتنسيق والتعاون الدولي في هذا الصدد..

ودعا المشاركون إلى اعتماد برامج توعوية للمواطنين تحذّر من خطورة هذه التنظيمات وتأثيراتها السلبية داخل المجتمع.. وتفعيل آليات التعاون الدولي في مجال مكافحة الجرائم المعلوماتية وتقوية الجهاز الأمني الإلكتروني؛ وإرساء مشروع مرصد مغاربي؛ لمكافحة التطرف في إطار من التنسيق والتشارك، مع تأكيد أهمية ترسيخ قيم المواطنة والممارسة الديمقراطية وتقوية المؤسسات وتعزيز الحقوق والحريات، وتدبير الاختلاف والحوار البناء؛ واستحضار آلية العدالة الانتقالية؛ كسبيل للحسم مع تراكمات الماضي السلبية المحرضة على التطرف..

كما تمّت الدّعوة إلى إقرار مشروع ميثاق؛ لمنع ومكافحة التطرف وترسيخ الأمن المجتمعي والإنساني، وإثراء السياسات العامة بتوصيات ومقترحات تدعم هذا الخيار؛ وفق مقاربة تشاركية منفتحة على فئة الشباب، وفعاليات المجتمع المدني، ومتخصصين في الشأن الديني وباحثين وأمنيين، وممثلي الحكومة..