Menu
حضارة

ماذا يحدث في غزة.. ولماذا؟

د. عبد العزيز المقالح

خلاصة الأخبار الواردة من  غزة  لا تخلو من شيئين اثنين هما العدوان «الإسرائيلي» المستمر والخلافات التي لا تهدأ إلاَّ لكي تثار من جديد، ليس بين الفصيلين الكبيرين فتح وحماس فحسب وإنما بين مكونات هذين الفصيلين أيضاً. وهنا يرتفع التساؤل المرير وهو: إذا كانت الانقسامات الحادة قد وصلت إلى البيت ال فلسطين ي الواحد وإلى صفوف ضحايا المأساة الكبرى، فلماذا نستنكر حالة الصراع القائمة بين بعض الأقطار العربية أو بينها جميعاً على اختلاف في درجة سخونتها؟ ولماذا نستغرب ما يقوله الإعلام العالمي عن هذه الحال، علماً أن إعلامنا العربي نفسه يقول ما هو أسوأ؟

ويتساءل كثيرون من ضحايا الحيرة: هل لو نجح الأشقاء الفلسطينيون في رأب الصدع وطي صفحة الخلافات القائمة بينهم سينعكس ذلك إيجاباً على الواقع العربي؟ الإجابة ب«نعم» تحمل الكثير من المصداقية والواقعية، فالحركة الوطنية الفلسطينية بما لها من مكانة وتأثير تشكل قدوة ونموذجاً فريداً لا على مستوى المجتمع العربي فقط وإنما على مستوى العالم. وقد كانت في البداية ملهمة، وقدوة لحركات التحرر الوطني في كثير من مناطق المعمورة تستوحي منها الإصرار والتمسك بوحدة النضال. وهي الآن - أي حركة النضال الفلسطيني - قادرة على استعادة تلك المكانة إذا تجاوزت خلافاتها الثانوية ووحّدتْ صفوف أبنائها خلف الهدف الواحد وتحت راية القضية المصيرية لشعبٍ أسير الاحتلال والتشرد. وستكون الأقطار العربية أول من يستجيب للتحول المنتظر، فقد كانت فلسطين وستبقى محور الاهتمام ونموذج الاقتداء والفداء ومن أجلها تطيب التضحيات والتنازلات.

لقد كانت الفترة الأخيرة التي بدأت مع تسعينات القرن المنصرم والممتدة حتى الآن هي أسوأ ما عرفته فلسطين والأقطار العربية من تنافر وتناحر، وما نكاد نسمع عن وساطات ومصالحات في الوسط الفلسطيني حتى نفاجأ بالنقيض لما توقعناه وباستمرار حالة الخلاف لا الاختلاف، وشتان ما بين الحالتين- حالة الخلاف وحالة الاختلاف- الأولى مدخل إلى التنازع والاحتراب والأخرى مدخل لتفهم الأهمية السياسية والوطنية والقومية لمسألة التعددية، وتدارك حالات الانقسام والتشظي والنظر الحكيم إلى المقدمات والنتائج. لكن التجارب القريبة منا والراهنة تؤكد ميلنا إلى الخلاف بوصفه أقرب الطرق إلى القطيعة وما تؤدي إليه من صراعات وتدمير للروابط الأخوية ونسيان الأواصر والانتماء المشترك. يضاف إلى ذلك ما يقال عن انفعالية العربي وسرعة استغضابه. ولا يمكن استثناء الفلسطيني - بوصفه عربياً أصيلاً- عن هذه الصفات السلبية.

إن ما ينقصنا للخروج من حالة الانقسامات والمنازعات الدائرة في كل الأوساط - فلسطينياً وعربياً- هو أكثر من الانصياع إلى المنطق والتعامل مع المعقول، وحاجتنا إلى الفهم وقراءة ما يحدث في العالم حولنا من تطورات. وليس من الصعب إذا ما وجدت الإرادة أن نجد الطريق الذي نبحث عنه، ولنا في الشعوب التي كانت في مثل حالتنا وأسوأ ثم تجاوزتنا بتجاوز أوضاعها المتردية، لنا فيها قدوة حسنة ومثال سهل التنفيذ. وحين تعود غزة إلى عناق الضفة وتعود الضفة إلى عناق غزة في اقتناع تام وانسجام لا يقبل الانفصام حينئذ سنكون قد أدركنا حقيقة ما نريد.