Menu
حضارة

سنْكَـارا.. غيفارا أفريقيا.. ونجمها المشع أبدا

د.موسى العزب _ صحيفة نداء الوطن

غطت صورة سينكارا الصفحة الأولى لصحف العالم، عندما وقف بلباسه الكاكي الأخضر، عام 1987 يخطب أمام مؤتمر القمة الأفريقية في أديس أبابا، يندد بالإمبريالية، وبصندوق النقد الدولي، ويحرض الزعماء الأفارقة على عدم تسديد الديون المتراكمة على دولهم، واعتبر سياسة القروض ليست سوى مناورة خبيثة تهدف لإعادة الاستعمار بوجه جديد، بينما جلس الزعماء بربطات العنق وياقاتهم المنشّاة، يتبادلون نظرات التحسب والدهشة.

أضاف وهو يبتسم: «إن تضامنا معا، سنأتي في المؤتمر القادم، وقد تخلصنا جميعا من قيود القروض وإلى الأبد». وإن تركتم بلادي وحدها، لن تروني بالتأكيد في مؤتمركم القادم»!

توماس سنكارا.. العسكري القادم من الطبقات الشعبية، ولد في العام 1949، أحب المطالعة والموسيقى، وألهمته الثورة الكوبية. ترقى في الخدمة حتى بلغ رتبة رائد في الجيش البوركيني.

يُعرف به أصدقاؤه؛ كمناضل وقائد ثوري ماركسي، ورغم ظلمه من قبل العملاء والإعلام الغربي، يظل  من بين أكثر الرؤساء الأفارقة بقاءً في الذاكرة وفي وجدان شعبه وشباب وأحرار القارة السمراء..

وصل إلى السلطة بانقلاب عسكري لقي تأييدا شعبياً عارماً، حيث كانت القوة الاستعمارية الفرنسية تهيمن بشكل كامل على مقدرات البلاد، وتدعم طبقة سياسية فاسدة. قام بتعديل اسم البلاد من فولتا العليا، التسمية التي فرضتها فرنسا، إلى بوركينا فاسو ( أرض الرجال النزهاء)!

الشاب الأسمر الوسيم، والذي لم يغادر اللباس العسكري والبيرية الحمراء، حكم بوركينا فاسو منذ آب 1983 حتى اغتياله في 15 أكتوبر 1987، عمل خلالها على تحقيق برامج اقتصادية واجتماعية طموحة، وحوّل بلاده في غضون أربعة أعوام من بلد فقير يعتمد على المساعدات الخارجية، إلى بلد مستقل اقتصاديا ومكتفٍ ذاتياً ومتقدّم اجتماعياً.

بدأ سنكارا عهده بتطهير البلاد من الفساد البيروقراطي والمؤسّساتي الرّاسخ الجذور، فخفّض رواتب الوزراء وباع أسطول السيّارات الفاخرة في الموكب الرئاسي، مستعيضا عنها بأصغر السيارات في بلده.

حدد راتبه بـ 450 دولار شهرياً، ورفض استخدام وحدات تكييف الهواء في مكتبه، «لأن القليل جدّا من شعبنا يستطيع أن يملك هذه الرفاهية»، كما أنّه رفض أن تعلّق صوره في المؤسسات الرسمية، لأن كلّ بوركيني هو «توماس سنكارا»!

استند سنكارا في إنجازاته الكبيرة إلى الوطنيّة والنّزاهة؛ ونظم حملة عامة للتطعيم، لينخفض معدّل وفيات الأطفال من (280) لكل (1000) طفل إلى (145) لكل (1000). شجّع الانتاج المحلّي في الزراعة والصناعة، ولم يمرّ الكثير من الوقت حتّى أصبح البوركينيون يرتدون قطنا وطنيا 100%، كما جعل المواطنين يشاركون بفعالية في برامج التنمية، وارتقى بالعمل التطوعي، وكان يخرج مع حكومته بشكل دوري للمشاركة بأعمال تطوعية مثل مد خطوط السكك الحديدية وتشجير الصحراء.

من جهة أخرى بدأ سنكارا في تنمية الزراعة الوطنيّة وتطويرها باسترجاع الأراضي من أيدي الزّعماء والملاّك الفاسدين وتوزيعها على المزارعين المحلّيين،، وأدخل المكننة والنهج التعاوني إنتاجا وتسويقا في الزراعة والري، وفي أقلّ من (4) سنوات أصبحت بوركينا فاسو مكتفية ذاتيّا في الغذاء.

استخدم توماس سنكارا مساعدات الحكومة لتشجيع البوركينين على الحصول على التعليم وفي أقل من سنتين من حكمه قفز الحضور إلى المدارس من حوالي 10% إلى أكثر من 25%، مما ترتٌب عنه انخفاض في نسبة الأمية التي تجاوزت 90% عند توليه السلطة. وفي خطوة رائدة على مستوى أفريقيا، نفّذ سنكارا وبقوة، برنامجا للتشجير ووقف التصحر، حيث شهدت البلاد زراعة أكثر من (10) مليون شجرة، وشدّد سنكارا على تمكين النساء من أداء دورهن وسيّر حملات من أجل تعزيز كرامة المرأة في مجتمع أبوي تقليدي، فمنع ختان الإناث وزواج القاصرات، وشدد على تمكين المرأة وقام بتعيين النساء في المناصب الحكومية العليا، وأعلن يوما للتضامن مع ربّات المنازل، كذلك شجع البوركينيين على أن يكونوا سليمي اللّياقة البدنية وقد كان يُشاهد وهو يمارس رياضة الركض بشكل منتظم في شوارع (واغادوغو)، مع أعداد متزايدة من مواطنيه العاديين .

توجه إلى المؤتمر الفرنسي الأفريقي قائلاً:

«إن سياسات الفائدة والمساعدات قد انتهت بنا إلى تشويشنا وإخضاعنا وسلبنا الشعور بالمسؤولية تجاه شؤوننا الاقتصادية والسياسية والثقافية.. لقد أحالت كل واحد منا إلى عبد اقتصادي»!! بينما بدت علامات الضيق والتجهم ترتسم على وجه الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران.

سياسات سنكارا ومواقفه المضادّة للإمبريالية جعلت منه عدوّا لفرنسا والقوى الإستعماربة، التي تآمرت على اغتياله، فدفع حياته ثمنا لذلك.

تم إحصاء ثروته بعد اغتياله، فكان كل يمتلكه هو: سياّرة عاديّة، ثلاجة، ثلاثة قيثارات، دراجة نارية، فريزر محطّم ومبلغ (400) دولار أمريكي نقداً.