Menu
حضارة

لا «صفقة قرن» ولا تسوية على غزة!

عصام نعمان

تشعر القيادات الفلسطينية بأن «صفقة القرن» الترامبية أصبحت وراءها. لا رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس وزملاؤه في حركة «فتح» تقبّلوها، ولا فصائل المقاومة وافقت على مجرد البحث في الأمر. وكيف يمكن لهذه القيادات جميعاً أن ترتضي صفقة أو تسوية باشر الرئيس الأمريكي تسويقها، بإعلانه القدس عاصمة ل«إسرائيل» ونقل سفارته إليها؟

فصائل المقاومة لم تكتفِ برفض «صفقة القرن»؛ بل شفعت ذلك بإطلاق «مسيرة العودة» على طول السياج الفاصل بين قطاع غزة وغلافه المكّون من جملة مستعمرات (مستوطنات) لا يقل عدد سكانها عن مئة ألف. 

والملفت في هذه المسيرة التي تنطلق كل يوم جمعة، بروز أسلحة مبتكرة أتقن الشباب المقاوم استعمالها، قوامها بالونات مفخخة وطيارات ورقية حارقة، تسبّبت بإحراق عشرات آلاف الدونمات من الحقول والمحميات الطبيعية (معاريف 6 8 2018).

«إسرائيل» تضررت كثيراً من ردود فعل فصائل المقاومة على حال الحصار الوحشي المضروب على قطاع غزة، فتظاهر بعض القادة «الإسرائيليين» باستعدادهم للبحث في تسوية تنطوي على هدنة أو تهدئة طويلة الأمد. وسطاء متعددون دخلوا على خط تقريب وجهات النظر بين الجانبين أبرزهم اثنان: مندوب الأمم المتحدة إلى الشرق الأوسط نيكولاي ملادينوف، ورئيس إدارة الاستخبارات المصرية اللواء عباس كامل . محاولات التوسط توخّت، بادئ الأمر، توليف تسوية كبرى، تشمل مراحل عدة أبرزها: تبادل أسرى بين الجانبين، وتسهيل مرور البضائع في معبر كرم أبوسالم، الخاضع للسيطرة «الإسرائيلية»، وفتح معبر رفح بين قطاع غزة ومصر، وتوسيع مناطق الصيد البحري قبالة غزة، و تسريع محادثات المصالحة بين حركتي «فتح» و«حماس»؛ لإقامة حكومة وفاق وطني، بغية نقل المسؤولية المدنية عن قطاع غزة إلى السلطة الفلسطينية في مقابل دفع رواتب أكثر من 40 ألف موظف في القطاع.

وكانت ثمة طموحات أيضاً لتنفيذ مبادرات لاحقة لزيادة إنتاج الكهرباء، وإقامة معمل لتحلية المياه، وتحسين البنى التحتية في القطاع.

«حماس» أبدت استعداداً للسير في المبادرات سالفة الذكر، بغية تخفيف وطأة الحصار عن سكان القطاع، من خلال توافق على وقف إطلاق النار وفتح المعابر. «إسرائيل» كانت مهتمة أيضاً بوقف الحرائق والأضرار ومشاعر القلق التي يكابدها سكان المستعمرات القريبة من القطاع، لكن المحادثات تعثّرت لأسباب عدة:

على الصعيد «الإسرائيلي»، واجه بنيامين نتنياهو معارضة قوية من أحزاب اليمين العنصري؛ شركائه في الحكومة، الذين رفضوا تقديم تنازلات ل«حماس» على جميع المستويات؛ الأمر الذي حال بينه وبين تقديم تسهيلات محدودة لوقف إطلاق النار. بالعكس، إزاء ذلك، آثر نتنياهو الترسمل على تصلّب أحزاب اليمين لزيادة طلباته وتصعيد شروطه، وذلك بوضع شرط مسبق للتسوية، هو إعادة جثماني الجنديين، وكذلك المواطنين «الإسرائيليين» اللذين ما زالا على قيد الحياة في قبضة «حماس».

على الصعيد الفلسطيني، طالبت «حماس» بعدما أدركت فعالية حملة البالونات المفخخة والطائرات الورقية الحارقة، بثمن اعتبرته «إسرائيل» مرتفعاً، للإفراج عن الأسرى، هو إطلاق مئات الأسرى الفلسطينيين، وبينهم قادة وكوادر مرموقة.

إلى ذلك، تضاءلت رغبة نتنياهو في التوصل إلى حالة مؤقتة لوقف إطلاق النار، بعدما أطلق ترامب الوجبة الأولى من عقوباته الاقتصادية ضد إيران، وتهديده الدول والشركات التي لا تلتزم بها. 

وفوق ذلك، أصبحت «حماس» أقل مرونة إزاء «إسرائيل»، بعدما لاحظت أن دخول مصر على خط التسوية، والحد تالياً من مفاعيل الحصار، يشي باحتمال قيامها بفتح معبر رفح مدداً طويلة. كذلك، لا يمكن تجاهل عدم حماسة «فتح» لتوقيع تسوية بين «حماس» و«إسرائيل» تفادياً، في رأيها، لتعزيز عملية الانفصال بين قطاع غزة والضفة الغربية.

باختصار، ليس في المناخ الإقليمي ولا في المناخ الدولي، ما يشجع المتصارعين عموماً، والعرب و«الإسرائيليين» خصوصاً، على سلوك طريق الحوار والتفاوض. 
بالعكس، تتفاقم الصراعات والنزاعات الإقليمية بعد لجوء ترامب إلى تفعيل سلاح العقوبات ضد إيران، ومطالبته دول العالم بمشاركته حملته تلك؛ الأمر الذي يشجع «إسرائيل»، على اعتبار مسألة مواجهتها أولوية، فيتراجع جراء ذلك الاهتمام بتسوية نزاعات أخرى، خصوصاً مع الفلسطينيين الذين تعتبرهم «إسرائيل» (وأمريكا أيضاً) حلفاء لإيران.
«صفقة القرن» أصبحت من الماضي، لكن «تسوية غزة» ليست «حاضرة» بما فيه الكفاية في الوقت الحاضر؛ ذلك أن موازين القوى الإقليمية والدولية ما زالت غير متكافئة، ما يؤدي إلى نشوء اشتباكات ونزاعات إضافية وبالتالي إلى إطالة أمد الصراعات.