Menu
حضارة

مأساة فلسطينية: يوم مات ساري الشوبكي

بوابة الهدف - MEM/ حررها للنشر أحمد.م.جابر

لعله لا يوجد أعسر نفسيا وروحيا على الإنسان، من أن يكون منقذا للأرواح ثم يقف مكتوف الأيدي عاجزا عن إنقاذ فلذة كبده بعد أن أصابه قناص صهيوني برصاصة في العنق في قطاع غزة.

وبعد أن أمضى الدكتور داهود الشوبكي حياته المهنية ينقذ أرواح الناس ويساعدهم على تخطي مآسيهم،  وقف عاجزا أمام آلام نجله، وقد ظن لوهلة أنه قادر على إنقاذ ابنه ساري، لم لا وقد أنقذه عدة مرات قبل ذلك.

أول مرة عندما ولد ساري قبل موعده بثلاثة أشهر، كان مزرقا ويحتاج للأوكسجين، ثم مرة أخرى عندما عانى ارتفاعا بالحرارة بشكل خطير وهو في الرابعة، ولكن في المرة الثالثة  لم يستطع أن يفعل شيئا. "هذا النصيب".. اكتفى الرجل بالقول.

يدرك الدكتور شوبكي الطبيب المتقاعد ومستشار الصحة العامة في غزة والبالغ من العمر 56 عاما، الصعوبات التي يعانيها الجرحى والمصابون في مستشفيات القطاع المحاصر، ولكن كل ما شهده في حياته لا يعادل مشاهدته لموت ابنه البطيء أمام عينيه وهو يستشهد بعد شهرين من المعاناة.

كان ساري يحلم وهو في الثانية عشرة، بأن يتزوج ويصبح أبا ويصبح رجل أعمال وعمل في سلسلة من الوظائف الغريبة مثل بيع المشروبات الباردة والجوارب أو العمل في أستوديو للتصوير الفوتوغرافي. وترتيب ساري هو الثاني بين ثمانية أخوة وقد استخدم أرباحه القليلة لمساعدة أسرته المقيمة في حي الدرج محاولا بناء مستقبله.

في العاشرة من صباح 14 مايو / أيار، خرج الشاب من المنزل دون أن يخبر أسرته عن وجهته وما حدث بعد ذلك لم تفهمه الأسرة حتى الآن، بعد ساعة من مغادرة ساري للبيت رن هاتف الأب وجاءه الخبر الصاعق وأبلغه المتصل أن ابنه استشهد في المنطقة العازلة “تمنيت لو استطعت إنقاذه كما اعتدت ولكن هذا قدر الله"، كان ذلك يوم الاثنين الدامي في مسيرة العودة الكبرى حيث استشهد كثيرون بعد أن فتح جنود الاحتلال النار عليهم يوم افتتاح السفارة الأمريكية في القدس.

هرع الدكتور الشوبكي إلى مستشفى الشفاء، الذي كان يستقبل الضحايا الذين يتواصل قدومهم إليه لم يجد اسم ابنه بين الضحايا و لم يكن لدى السلطات الطبية أي شخص مسجل تحت اسم ساري، فقام بتمشيط كل قسم من أقسام المركز الطبي لساعات.

ووسط الفوضى، وجد أخيراً ابنه يرقد في زاوية من منطقة الاستقبال. وضع على صدره قطعة من الورق عليها علامة "غير معروف". كان في حالة يرثى لها ، ولكن لا يزال يتنفس.

لم يكن يستطيع التحكم بمشاعره سوى بالكاد وهو يتساءل “يا ساري، كم عدد الساعات التي كنت تنزف فيها بمفردك؟ هل هذا ما تستحقه؟" يتذكر يسأل.يقول متذكرا. على الفور أنقذ حياة ابنه للمرة الثالثة وقام بنقل 12 وحدة من الدم وغرس أكثر من 100 وحدة محلول ملحي. كانت الرصاصة قد اخترقت عنق الشاب واستقرت في عموده الفقري وتركته مشلولا في جهازه التنفسي والمعوي.

يتذكر الأب أن معنويات ابنه كانت عالية مثل السماء، في حين كانت معنوياته شخصيا منخفضة مثل الأرض. كنت أتركه في وحدة العناية المركزة وانتقل إلى غرفة الانتظار لأبكي.

بعد 10 أيام في مستشفى الشفاء، وافق جميع الأطباء الذين فحصوا ساري أن حالته لا رجعة فيها، لا سيما في ظل الرعاية الطبية المحدودة المتاحة في غزة، حيث انقطاع التيار الكهربائي ويوجد نقص في المستلزمات الطبية بسبب 11 عاما من الحصار.

و مثل العديد من أقارب الجرحى اليائسين في غزة، حاول جاهدا أن يجد الرعاية لابنه خارج القطاع، وهي عملية صعبة نظرا للعدد المحدود من تصاريح الخروج الطبية التي تمنحها "إسرائيل" للمرضى الفلسطينيين.

وأخيرا، في 25 أيار / مايو، سُمح للطبيب وابنه بالسفر إلى القدس الشرقية لتلقي العلاج في مستشفى سانت جوزيف. وعلى الرغم من التشخيص والافتقار إلى الرعاية الطبية المناسبة في غزة، لم يفقد الأب الأمل. بدأ الأب وابنه التواصل من خلال الاتصال بالعين: كان ساري يرمش ليقول "نعم" ويرفع عينيه دلالة على "لا". و سرعان ما ابتكر الاثنان نظامًا أكثر تفصيلاً للاتصال. كان الأب يقرأ الأبجدية، وسرعان ما تومض ساري عندما يصل إلى الرسالة المرغوبة.

كان داهود يشجع ابنه بحرارة من خلال تمارين إعادة التأهيل حيث تم تصوير بعض الجلسات ونشرها عبر الإنترنت، مما أثار موجات دعم على وسائل التواصل الاجتماعي.

“ما بين 5 حزيران/ يونيو و 5 تموز/ يوليو، حصل لساري انتعاش بطيء ولكنه بقي في مستشفى القدس الشرقية، واستعاد حاسة الشم وتمكن من قضاء حاجته والتحدث مرة أخرى، وحرك عضلات بطنه وفخذه وركبته.

ولم يستطع داهود تصديق التحسينات الكبيرة التي حققها ابنه. وكان يقول له "لن نعود إلى غزة حتى تتمكن من الوقوف على قدميك". أجاب ساري: "أريد أن أقف. أريد أن أمشي يا أبي".

ولكن كما كانت حالته تبدو متفائلة، فإن صحة ساري أخذت منعطفاً حاداً نحو الأسوأ. لم تسر عملية فتح القصبة الهوائية لإدخال أنبوب للتنفس كما كان مخططا مما تسبب باتصال غير طبيعي بين القصبة الهوائية والمري، وأصيب بالعدوى البكتيرية المقاومة للعقاقير.

ذبل ساري ببطئ كان جائعا وعطشا ولا يستطيع الشرب أو الأكل وفي 17 تموز/ يوليو مات ساري الشوبكي.