Menu
حضارة

اندحار الإرهاب عسكرياً.. لا يكفي

عبد الإله بلقزيز

ليس من التزيد في القول التسليمُ بأن الحرب، الأمنيّة والعسكريّة، ضدّ الإرهاب: قوى وقواعد وشبكات، أثبتَتْ نجاعتَها في العامين الأخيرين، وأعادت بعضَ الاعتبار إلى مَن عُدُّوا، طويلاً، دعاةً إلى حلٍّ أمنيّ لمعضلةِ الإرهاب؛ المتَّسِعة نطاقاً والمتعاظمةِ استفحالاً؛ أي إلى مَن كانوا يُتَّهَمُون بِقِصر النظر وغياب الرؤية من قِبَل فريقٍ آخر ظلّ يشدّد على الطبيعة السياسيّة والثقافيّة والاجتماعيّة لأيّ مواجهةٍ ناجعة للمعضلة إيّاها. ولسنا نبغي، هنا، المضاهاة أو المفاضلة بين أيٍّ من المقاربتيْن، في المعركة ضدّ الإرهاب، ولا نبغي تلميع المقاربة الأولى (الأمنيّة) على حساب الثانية (التي ننتسب إلى مَن يقول بها)، وإنما غرضُنا الاعتراف بواقعة ماديّة خلقتها الحرب ضدّ الإرهاب، ومحاولة تفسيرها وتفسير الحدود التي تستطيعها. 

في لوحة الوقائع المدرَكة للعيان، ثمة ما لا حصر له من القرائن الماديّة على أنّ الحرب العسكريّة ضدّ الجماعات الإرهابيَّة أصابت حظّاً كبيراً من النّجاح، وعلى أنّ الجماعات تلك تلقَّت ضربات موجعة أرهقَتْ قُواها، وبدَّدت قدْراتها، وأوصلتْها إلى حالٍ من الهزيمة في مواجهة الجيوش النظاميّة التي قاتَلتْها وحلفائها معها. على أنّ هزائم الإرهاب، في ديارنا العربيّة، أتت متفاوتَة الدرجة، بين هزائم شاملة ماحقة، كما في العراق وسوريا ولبنان، وهزائم جزئيّة: موجِعة كما في مصر وتونس، أو في الطريق إلى أن تصبح كذلك في ليبيا. 

لا يعنينا في شيء أن نحتفي، هنا، بنجاح المقاربة الأمنيّة للإرهاب، بقدر ما يعنينا أن نفهم لماذا أصابت نجاحاً أو قُل، لماذا تلقّى الإرهاب هزيمة نكراء في الحرب ضدّه. ما من شكٍّ في أنّ أحد أهمّ أسباب كسب الحرب ضدّ الجماعات الإرهابيّة (هو) وطنيّةُ الجيوش التي خاضتْها. لكن في جملة أسباب ذلك، أيضاً، ما كان يعيث، في بيئة الجماعات المسلّحة، من منكَرات وتناقضات أوْدَتْ بتماسكها وبقدرتها على إلحاق الهزيمة بالمجتمعات والدول التي وقَعَ عليها فعْلُ الإرهاب. يمكننا أن نكتفي-على تعدُّد الأمثلة-بمثالين لتلك الأفعال النكراء التي اقترفتْها جماعات السلاح وأخذتْها إلى حتْفها:

أوّلهما أنّ «الإسلام الجهاديّ» التكفيريّ، الذي حملتْه، فرضَتْهُ على مجتمعات عربيّة معتدلة في إسلامها وفي منظومة قيمها الدينيّة، فاصطدمَ الوافدُ مع الأصيل اصطداماً عنيفاً لم يمنعه من الانفجار سوى سلاح الجماعات التكفيريّة المسلّط على رقاب الناس في المناطق التي خضعت لسلطانها «الجهاديّ»! عاش المواطنون في العراق وسوريا ولبنان ومصر وتونس وليبيا، دائماً، متآخين بين مسلميهم ومسيحيّيهم ويهودهم، بين مذاهبهم الإسلاميّة، وطوائفهم المسيحيّة كافة، متمسّكين بمواريثهم الحضاريّة: الإسلاميّة وقبل الإسلاميّة (السومريّة، والآشورية، والبابليّة، والفرعونيّة، والفينيقيّة، والبيزنطيّة، والرومانيّة...) وعدُّوها في جملة تراثهم الوطنيّ والقوميّ. ثم ما لبث هذا الإسلام المعتدل أنِ اصطدم ب«إسلام جهادي» يفرِّق ويُحَرِّض على المخالفين من أهل القِبْلة، ويفرض الجزيَة على «أهل الذّمة»، ويدمّر كنوز الحضارة من آثار تماثيل بزعم أنها أصنام تُعْبَد! وحين سقطت مدن ومناطق في قبضة «الإسلام الجهاديّ»، عاينتِ الناسُ أيَّ نوعٍ هو هذا النموذج الاجتماعيّ والحياتيّ القروسطيّ المغلَق الذي تقترحه عليهم جماعتُه، والذي سيعود باجتماعهم إلى ما وراء العصر الحديث! إنّ هذه الأفعال النكراء هي ممّا كان في أساس فقدان الإرهاب حاضنته الاجتماعيّة. وقد تبيّن ذلك، أكثر ما تبيّن، في «ارفضاض» الأهالي عن الإرهابيّين، لحظة انسحابهم الاضطراريّ، كما في المصالحات السوريّة ورفض المقاتلين من أبناء الأهالي المغادرة إلى «إِدْلِب» مع قوافل المستوردين من الخارج! 

وثانيهما أنّ الجماعات الإرهابيّة لم تنجح في توحيد قواها ومَرْكزة قرارها، بل ظلّت أرخبيلاً وعالَماً فسيفسائيّاً من الدكاكين الحربيّة. وفي مقابل وحدةِ جسمِ الجيوش النظاميّة ووحدة قرارها، لم يكن للجماعات المسلَّحة رأس واحدة، بل رؤوس بعدد من يَحْدِبون عليها، من القوى الخارجيّة، ويمدّونها بالتسليح والدعم. ومع تعدُّد ولاءاتها الخارجيّة، تعدّدت مراكز قرارها فعجزت عن اجتراح القرار الواحد في وجه خَصْمٍ يملك القرار الواحد. والأنكى من ذلك أنها لم تنقسم إلى جماعات متعدّدة، بتعدّد قوى إسنادها الخارجيّة، بل زاد مِن بِلَّةِ طينِها أنها وَلَجَتْ طوراً مديداً من التقاتُل والاحتراب بينها؛ فصفَّى بعضُها بعضاً وسيطر على مناطقه استجابة، أحياناً، لطلباتٍ خارجيّة. 

.. ولكنَّ الانتصار العسكري هذا على الإرهاب لا يكفي، البَتَّةَ، لإنهائه ومَحْوِه؛ إنّه يحاصره، يُضعِفه، يَحُدّ من انتشاره، ولكنّه لا يستطيع أن يستأصل الأسباب والعوامل التي تولّدُه، وتهيّئُه لأن يصبح إمكاناً ماديّاً ومؤسَّسيّاً، ومن هنا فإنّ لمقاربته أمنيّاً حدوداً لا يقوى على تخَطيها. وعلى ذلك، يظلّ مشروعاً أن يقال - وأن يُدَافع عن فكرة-إنّ استراتيجيّة دفاعيَّةً شاملة لمكافحة الإرهاب وحدها قمينة بإنهائه ومحوه: استراتيجيّة تَلْحَظ مهمّات أخرى؛ اجتماعيّة، وتنمويّة، وسياسيّة إصلاحيّة، وثقافية وتعليميّة.، على نحوٍ لا تكون المكافحةُ الأمنيّة والعسكريّة إلاّ فِقْرة في نصِّها الشامل.