Menu
حضارة

خاصبني موريس المؤرخ الاستيطاني الجديد: كان علينا طردهم جميعًا

بني موريس وغلاف كتابه الأخير

بوابة الهدف - /أحمد.م.جابر

لو حذفنا اسم الرجل الذي يتحدث في هذا النص، لكان من السهل تخيل أنه واحد من عتاة المستوطنين، متطرفي القومية الصهيونية الذين يحركون خيط نفتالي بينت، مستوطنو الضفة الغربية من معتمري الكيباه والعوزي، ولكنه ليس واحدا من هؤلاء، بل بني موريس المؤرخ الجديد، الصهيوني الغارق في عنصريته، أيقونة الكثيرين في اليسار الصهيوني ، والليبراليين الفلسطينيين ، صاحب "ولادة مشكلة اللاجئين" يتأسف اليوم، على عدم طرد الفلسطينيين جميعا، عام 1948، يتأسف على عدم قصف إيران، وعلى صفقة شاليط، ويزعم أن "الجيش الإسرائيلي هو نموذج أخلاقي"، وهو يصر أنه ما يزال يساريا.

لا نستغرب أن يكون بني موريس يساريا صهيونيا، فبن غوريون رائد عمليات الطرد كان يساريا، ومجرمي الحرب من غولدا مائير وشاريت ودايان كانوا "يساريين" وقتلة ، لذلك ليس غريبا أن يكون بني موريس يساريا، بل هو التعبير الأكثر وقاحة عن انحطاط اليسار الصهيوني، وعن استحالة تخلص "مثقف صهيوني" من انتمائه العنصري وعقيدته القاتلة، حتى لو أصبح أيقونة وحتى لو أعاد كتابة التاريخ.

يزعم بني موريس أن أفكاره تغيرت ضد الفلسطينيين في الانتفاضة الثانية، عندما وعلى حد زعمه تبين أن الفلسطينيين "يريدون قتلنا جميعا" و"لا يريدون كيانا سياسيا يهوديا".

أقوال المؤرخ المثير للجدل بسبب تناقضاته ودفاعه المستميت عن الصهيونية وجرائمها ومحاولة إظهار نفسه كليبرالي موضوعي، جاءت في لقاء مع يديعوت أحرونوت بمناسبة صدور كتابه "من دير ياسين إلى كامب ديفيد" وهو مجموعة من المقالات والأكاديمية، أكثر أو أقل، تتعامل مع التاريخ من النقاط الأساسية.

بني موريس كان حاز شهرة كبيرة في مطلع التسعينيات، كـ"مؤرخ جديد" بعد نشر كتابه الأكثر شهرة " ولادة مشكلة اللاجئين الفلسطينيين" استنادا إلى وثائق تم الكشف عنها بعد عقود من التعتيم.

ولكن الوزن الأخلاقي والعلمي الذي تم إسباغه على بني موريس حينها كان مبالغا به بشكل كبير خصوصا من النقاد العرب المتحمسين لرؤية رواية أخرى غير الرواية الصهيونية تخرج من معسكر العدو، والذي يعيد التأكيد في المقابلة أن الفلسطينيين "أجبرونا على قتلهم" عام 1948، مدعيا أن 800- 900 فلسطيني فقط قتلوا خلال الحرب وأن هذا ليس شيئا في حرب دموية.

في هذا النص مراجعة مكثفة لدور بني موريس "كمؤرخ جديد" وانتماءه الصهيوني، وماقاله في مقابلته الأخيرة في يديعوت أحرونوت وأن هذا ليس جديدا فعلا ولا مفاجئ.

 

مؤرخين جدد؟

وفي البداية لابد من تأكيد عدة نقاط:

الأولى: إن ما يسمى المؤرخين والسوسيولوجيين الجدد ليست ظاهرة قائمة على نسق، أي ليست بحال من الأحوال حلفاً فكرياً انتمى إليه أصحاب التسمية فهي ظاهرة قامت على التناقض بين وجهات نظر مختلفة، حول قضايا عديدة واتفاق كامل على قضايا عدة.

النقطة الثانية : إن ما وصلنا عن هؤلاء المفكرين "الإسرائيليين" (في مجالاتهم الأكاديمية) يستدعي موافقة وتأييد لجزء مما يقولونه، ورفضاً وتفنيداً لجزء لعله الأكبر.

النقطة الثالثة: تتعلق بالسياق الزمني لظهور هؤلاء ، فقد بدأت كتابات إعادة التاريخ أواسط الثمانينات بعد مرور زمن كاف وقانوني يسمح بكشف الوثائق السرية وإتاحتها للباحثين ، وجاءت أيضاً في سياق انتصار "إسرائيلي" توج مسيرة التسوية المبنية أصلا على الشروط الأمريكية – "الإسرائيلية" .

النقطة الرابعة: إن وصفهم كمؤرخين جدد لم يضف شيئاً إلى حقيقة أن ما ناقشوه مغرق في قدمه، فهذا الوصف يتحدد بالمعنى الأكاديمي، أي الجامعي، فقد جاؤوا متأخرين جداً عن غيرهم ممن ناقشوا هذه القضايا من خارج الجامعة مثل العرب الفلسطينيين أنفسهم، وكذلك "الإسرائيليين" مثل حركة ماتزبن التروتسكية كما يقول أمنون راز-كركوتسكين، وكما يتجلى في أدبيات هذه الحركة ومنشوراتها بشكل أكثر عمقاً حتى اليوم .

وقد سعى المؤرخون الجدد إلى إعادة فحص الوقائع في الرواية الرسمية الإسرائيلية وإعادة كتابة التاريخ وإنتاج رواية جديدة بناءً على رؤية نقدية لتأويلات الحكاية وبناءً على الوثائق التي أفرج عنها.

وكان بني موريس قد زعم في أحاديث قديمة أن كتاب الرواية الكلاسيكية "المؤرخون القدامى" تبنوا وجهة النظر الصهيونية الأساسية حول حرب 1948 وعمليات الطرد، أي أنهم كتبوا من موقع الانتماء الصهيوني، ولكن في الحقيقة، عاد بني موريس وأكد أنه صهيوني، وينطلق في كتاباته من محددات الصهيونية، وبالتالي فإن الفرق بينه وبين القدامى هو تظهير الصهيونية بأفضل صورة، وتجميلها.

ورغم اعترافه الذي ارتد عنه حول مسألة اللاجئين وعمليات الطرد فإن بني موريس والذي طالما اعتبر أن قضية اللاجئين هي أساس الصراع مع الفلسطينيين ومع العالم العربي، إلا أنه تجاهل يتجاهل الأسس والجذور الحقيقية لهذه القضية فهناك أصلاً مشكلة الحالة الاستعمارية والاستيطان في فلسطين ذلك هو الجوهر الحقيقي: الأرض بما هي جغرافيا وتاريخ ومجتمع ومشكلة اللاجئين هي التجلي الأكثر وحشية وألما لهذا الصراع وبني موريس مثل أمنون راز ليس لديه أية حلول وان كان يرفض فكرة العودة " فأماكنهم لم تعد شاغرة" و"عودة رمزية نعم.. خمسة آلاف لاجئ، لكن المليون لن يرجع"!

وهو في المقابلة التي نتطرق لها اليوم يعيد الزعم ردا على نقد إبراهام بورغ بأنه كتب عن الفلسطينيين وهو لا يعرف العربية "كتابتي السابقة عن ظهور مشكلة اللاجئين الفلسطينيين كانت محببة للمتطرفين المناهضين للصهيونية مثل بورغ ، على الرغم من عدم إجادتي للغة العربية" ، أجاب. الحقيقة حول القضية العربية بسيطة: أكتب التاريخ على أساس التوثيق التاريخي - والوثائق العربية غير موجودة تقريبًا حول المواضيع التي تعاملت معها ، في مقابل وفرة الوثائق الإسرائيلية والغربية".

بني موريس في زعمه يتجاهل الأعمال الهامة لمؤرخين فلسطينيين تناولوا الحقيقة، ولا ذنب لهم إن كانت الحقيقة متعارضة مطلقا مع الرواية الصهيونية، الكلاسيكية أو المعادة الإنتاج على يد بني موريس وزملاءه، هناك تجاهل تام ومقصود لأعمال الفلسطينيين بيان نويهض الحوت ومحمد عزة دروزة وماهر الشريف وروز ماري صايغ وكميل منصور وحبيب قهوجي وأنيس صايغ وسليم تماري و غسان كنفاني واميل توما ورشيد ووليد خالدي وهذا الأخير اعتبره موريس مجرد دعائي لأنه يعيد إخبارنا بما حدث فعلاً وغيرهم كثيرون وكذلك من غير الفلسطينيين ومنهم مثلاً ميخائيل بالومبو وتمار غوجانسكي وباميلا آن سميث وغيرهم عشرات.

لذلك يؤسس بني موريس روايته على الأرشيف الصهيوني والمصادر الغربية، زاعماً طبعاً إنها الحقيقة لأنها الوحيدة المتاحة وهي تكفي عموما، ولإعفاء النفس من الوقوف أمام احتمال مصادر أخرى لا يتعب نفسه حتى بمجرد الاعتراف بها، مفترضا أن لا وجود لأرشيف عربي أو ذاكرة عربية حول ما حدث، وأستغرب كيف لا يعتبر بني مورس هذه المزاعم شكلاً آخر من أشكال نفي الآخر ونكرانه، منتصر جديد يريد كتابة التاريخ على هواه.

وفي قضية الطرد واصل بني موريس القول أن "ذلك ليس ما حدث بالضبط" ، السؤال هو ما الذي حدث إذن؟ نحن الفلسطينيين لدينا روايتنا ونحن مؤمنون بها ونعرف أنها حقيقية. يحاول موريس إعطاء تفسير إن ما حدث حدث نتيجة للحرب، حيث قسم من السكان لم يستطيعوا الصمود( الفلسطينيون) والقسم الآخر صمدوا (اليهود) فاستحقوا المكافأة.

بني موريس في عمله وأقواله يبدو وكأنه يضع ظاهرة المؤرخين الجدد في سياقها الحقيقي حيث يعيد إنتاج صهيونيته الخاصة المقنعة المحملة بذات المكونات العنصرية واللا أخلاقية والمسلحة بذات المفردات من حرب الاستقلال وبعث إسرائيل والمعجزة الصهيونية وهو يقول " بحسب علمي، ليس ثمة بين المؤرخين الجدد الوضعيين من يصف نفسه بأنه "ما بعد صهيوني" أو أنه "معاد للصهيونية" فأنا مثلاً أعتبر نفسي بالتحديد مواطناً وصهيونياً" فما الذي بقي من جديده؟!

هل هناك جديد في طروحاته اليوم؟

في مقابلته مع يديعوت أحرونوت يزعم بني موريس أن الجديد المؤثر على تفكيره هو إدراكه الفرق بين الانتفاضة الأولى والثانية، فهو يزعم أنه إذا كانت الانتفاضة الأولى جاءت لدحر الاحتلال فإن الثانية أرادت تدمير "إسرائيل" ويستند في زعمه على المشاركة المكثفة لفلسطينيي الداخل في الانتفاضة، متجاهلا أن هذه الانتفاضة أشعل فتيلها أصلا إصرار كيانه على تجاهل الاتفاقات الظالمة التي أبرمت مع الفلسطينيين وتجاهل الغبن الذي لحق بهؤلاء وتاليا الجرائم المباشرة التي ارتكبتها الجيش والشرطة الصهيونية ضد من كان يفترض أنهم "مواطنون إسرائيليون" ، والمؤرخ الشهير، لا يتردد بالكذب الوقح، مغادرا ليس ضميره فقط بل موضوعيته "كعالم" بادعاء أن الفلسطينيين رفضوا المساومة وصمموا على إبادة "إسرائيل".

يؤيد بني موريس "الجديد" ممارسة القوة لحماية المشروع الصهيوني، بالصيغة التي حددها جدار جابوتنسكي، و"طرد" بن غوريون، ويقول أنه كان ينبغي إرسال العرب إلى شرق الأردن لإقامة دولتهم هناك.

وهو يتأسف أن الفرصة قد ضاعت عام 1948، وأن "نكبة 2" على طريقة اليمين ليست ممكنة اليوم رغم أنه يرى أن اليسار الصهيوني يعتقد أن هذا من الممكن أن يحدث.

لا يتردد بني موريس في الكذب من جديد عن طريق الادعاء بأن عرفات هو الذي أطاح باليسار بقوله "لا يوجد شريك" وبالتالي ساهم في تعزيز اليمينية، وادعاء بني موريس مناقض لكل الحقيقة التاريخية المعروفة عن اجتماع "كامب ديفيد" ومواقف اليسار الصهيوني الذي دأب على مغازلة اليمين والاصطفاف في سياقه ومتراسه، ويزعم بني موريس في تلميحات عنصرية عرقية أن الشرقيين هم العقبة الرئيسية أمام تقديم تنازلات للفلسطينيين أو حلول وسط، هم والأرثوذكس، رغم أن هؤلاء أو هؤلاء لم يصلوا أبدا إلى السلطة، وفي الحقيقة جميع الحكومات الصهيونية كانت أشكينازية، حاولت دائما إثبات تفوق اليهود استنادا إلى أن عناصرها أصلا ليسوا من المنطقة على عكس الشرقيين العرب أساسا

يزعم بني موريس أن مواقف الشرقيين كامنة في جيناتهم، ويعلن مواقف عنصرية وقحة ضد الشرقيين وضد الإسلام والعرب، ويزعم أن "إسرائيل" هي "فيلّا في الغابة" ويتساءل " هل نحن بحاجة إلى مزيد من مئات الآلاف من العرب في إسرائيل، هم أو أولادهم سوف يكرهوننا في وقت لاحق .. لا؟". ويقول بني موريس أن داعش هي الصورة الحقيقية للمسلمين "ولا أمانع أنهم يقتلون بعضهم البعض".

يزعم بني موريس أن صفقة شاليط كانت خطأ كبيرا لأنها "أدت لإطلاق عشرات الإرهابيين" وهو في هذا لا يختلف عن مواقف المستوطنين المتطرفين الذين انحاز إليهم أخلاقيا وسياسيا ويواصل الزعم أنه يريد إخلاء المستوطنات.

ويعتبر أن بن غوريون أخطأ بالنسبة لغزة، والآن أصبحت بدون حل، ويوضح أنه ا تفق مع نتنياهو بأن الحركة الوطنية الفلسطينية لا تريد التقسيم وتريد تدمير "إسرائيل" وأن الفلسطينيين "يخدعوننا" ويتفق مع نتنياهو أيضا بأنه كان يجب ضرب إيران قبل أن تتمكن من تطوير زرها النووي.