Menu
حضارة

من أوسلو إلى الهدنة.. المسار المتجدد

غزة _ بوابة الهدف

لقد ألقت القيادة الفلسطينية المتنفذة بعد حرب الخليج الثانية وانهيار الاتحاد السوفييتي، بمعظم أوراق القضية الفلسطينية وأهمها في خانة الرهان على الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى ما زعمه الكيان الصهيوني من استعداد "للسلام"، حيث نبعت خطورة هذه السياسة، وما ترتب عليها من خيارات عملية واتفاقات محددة، من أنها لم تقم على رؤية علمية لطبيعة الصراع وجذوره، كما عبرت عن فهم مذعور وسطحي لموازين القوى القائمة، ولطبيعة المشروع الأمريكي – الإسرائيلي وأهدافه الاستراتيجية.

فباستجابتها لمقتضيات الاستراتيجية الأمريكية – الإسرائيلية، سمحت تلك القيادة لتلك الاستراتيجية بأن تتحكم بها وبخياراتها، مما أفقدها بالتدريج، وبصورة متتابعة غير عنصر من عناصر القوة المادية والتاريخية والشرعية التي كانت تتمتع بها، وباتت تبعًا لذلك تنطلق في ممارستها السياسية وكأن ما يجري هو الخيار الوحيد المتاح أمامها أو باعتباره نهاية المطاف للصراع العربي – الصهيوني.

هذه السياسة البائسة والهابطة في فهم الصراع، وإدارته مع العدو، هي الوجه الآخر لسياسة بائسة أخرى تجاه الداخل الفلسطيني، والتي تجلت في ذهنية قاصرة، تراكمت تاريخيًا لتأخذ شكل بيروقراطية عاجزة ومدمرة، سلاحها الإفساد، وهو ما قاد إلى تبديد كثير من مكونات القوة الفلسطينية، وأدى إلى عدم امتلاك رؤية شاملة وبعيدة النظر لتعزيز البنية الداخلية للمجتمع الفلسطيني، في مختلف مواقع انتشاره من خلال تعزيز البنى التنظيمية والمؤسساتية والإدارية لمجتمعنا، فكانت حصيلة هذه السياسة هي التدمير المستمر لمقومات القوة المادية والمعنوية لشعبنا، ووحدته ووحدة ودور وهيبة مؤسساته، لصالح مشروعها السياسي الخاص، الذي رد عليه العدو الصهيوني، بمزيد من التوسع والاستيطان والإحلال والتطهير العرقي وضرب وإضعاف سلطتها التي جاءت محصلة اتفاق مع هذا العدو.. وواقع الحال القائم لا يحتاج لكثير من الوصف أو التمثيل.

بعد ربع قرن على توقيع اتفاق أوسلو، يتجدد هذا المسار باسم التهدئة أو الهدنة التي يجري حياكة تفاصيلها في مفاوضات "غير مباشرة"، تجري بين الفصائل من جهة، و مصر و"إسرائيل" من جهة أخرى، ويجد أصحاب هذا النهج القدرة على تبريره بالأوضاع المزرية اقتصاديًا واجتماعيًا التي وصل لها قطاع غزة، والحصار المضروب عليه منذ إحدى عشر عامًا، واستعصاء المصالحة، وصولاً لتبريره بضرورة قطف "إنجازات المقاومة ومسيرات العودة وكسر الحصار".. الخ، فما أشبه اليوم بالبارحة، عندما بررت القيادة المتنفذه في المنظمة ولوجها في نهج التسوية بقطف ثمار انتفاضة شعبنا عام 1987، لكنها بعد ربع قرن لم تجنِ سوى الوهم.

إن تجدد هذا المسار، لا يعني سوى أن المشروع الصهيوني، وبعد مرور مائة عام على إنشاؤه مستمر في إعادة صياغة وتكييف بناه وأدواته واستراتيجياته، بما يحفظ له من ناحية منجزاته المحققة، ومن ناحية أخرى تأمين شروط الاندفاع لتحقيق مزيدًا من الأهداف، هذا الأمر يفرض في الجوهر ضرورة حفظ المشروع المعادي على ركائزه الأيديولوجية والثقافية والسياسية وتطويرها باستمرار، والتي تمثلت مؤخرًا في إقرار قانون "قومية إسرائيل"، لتشكل قوة دفع مستمرة ومتجددة لحشد المزيد من الطاقات والإمكانات والتحالفات، من أجل مزيد من العدوان والهيمنة والتوسع.

فمن أوسلو إلى الهدنة، مسيرة الوهم تتجدد من طرفنا، لتصب في مصلحة المشروع المعادي، الذي لن تخبو استمرار ممانعته ومقاومته ومواجهته، مهما طال أو قصر عمر الاتفاقات معه، فالصراع ذو الطبيعة التاريخية، وبوصفه اشتباكًا تاريخيًا جذريًا وشاملاً بين الأمة العربية وعلى نحو أخص الشعب الفلسطيني، وبين المشروع الإمبريالي – الصهيوني.. لا يمكن أن تسكّنه أو تلغيه أو تطفئ جذوته كل مسارات التسوية واستحقاقاتها.