Menu
حضارة

"التهدئة" بين الحاجة الفئوية والحاجة الوطنية

ابو علي حسن

ثمة أسئلة كامنة على سطح الجدل القائم على مبدأ "التهدئة" بيننا وبين الكيان الصهيوني...وهي بطبيعتها أسئلة إشكالية وصعبة الإجابة باليقين أو المطلق...لذلك كثيرا ما يجري تجاهلها في غمرة الحوارات والمفاوضات...ولا زال وسيبقى الجدل قائماً ولا ينقطع حول ضرورتها من عدمها...أو أهميتها للشعب الفلسطيني...وهل هي ممكنة بالواقع..؟؟ أم هي مجرد أوهام ونسج خيال...؟؟ هل هي حاجة موضوعية للشعب الفلسطيني..؟ تفرض على فصائله وقواه المسلحة انتهاج "موقفٍ تكتيكيٍّ" يفسح المجال لاستراحة المحارب...وخلق وضعٍ حياتيٍ مريح...ومطمئنٍ لشعب عانى ولا زال يعاني من ويلات الحرب والاحتلال والاعتداء والقتل والتدمير...وتقديم الشهداء شهيداً وراء شهيد...ولا يزال يسكب بلسماً ودموعاً على جرحاه ومعتقليه, أم أن التهدئة هي حاجة سياسية لفصيل بعينه لتأكيد سلطته وشرعيته فلسطينياً وإقليمياً ودولياً...ولنسج علاقات سياسية في إطار السلطة الفئوية...؟؟ أم هي حاجة سياسية لفصيل آخر بعينه انسجاماً مع سياساته ومنهجه المفاوض والرافض لخيار المقاومة..؟؟ أم هي رغبة لا تتعدى الحفاظ على الذات...؟؟ وهي رغبة لا يحترمها الاحتلال كثيراً...؟؟ أم هي قاسم مشترك لفصائل رأت المصلحة الوطنية العليا للشعب الفلسطيني تقتضي "التهدئة" وهل هي تهدئة من طرف واحد أم طرفين..؟؟ ولماذا من طرفين...؟؟

 اسئلة بعمق الأزمة, وهي مزيج من البلبلة والحيرة, وانعدام اليقين, بل إن أجوبتها تعكس جانباً كبيراً من تعبيرات الأزمة البنيوية والناشئة والكامنة منذ سنوات.

 وعودة إلى الوقائع على مدى سنوات من عمر التهدئات, لا نجد أن "اسرائيل" قد التزمت يوماً بالتهدئة...و لا نجد أن القتل قد توقف, أو أن الاعتقالات قد توقفت, أو أن مظاهر الحصار قد أزيلت, أم أن القتل والاعتقال والحصار لا يدخل في مفهوم التهدئة, وأن ما ينطبق على التهدئة هو فقط في عرف البعض, تبادل النيران على خطوط الهدنة مع غزة...!!

    وفي كل الأحوال فإن التهدئة هو اصطلاح فلسطيني مخفف سياسياً عن مفهوم الهدنة ولا يغير من معنى الهدنة كثيرا سوى أنها تشي بمحدودية الزمن.

    وعليه فنحن إما أن نكون أمام مواقف عبثية تتبنى التهدئة أو الهدنة دون أن تعرف آفاقها وأهدافها...وإما أن نكون أمام مقدمة لاستحقاقات أمنية وسياسية يلتزم بها الطرفين ولها صفتها القانونية والدولية, وأن من يخرقها يتحمل مسؤولية العقوبات والإجراءات الدولية والإقليمية ...وفي كلتا الحالتين فإن هذا النمط من التهدئة ليس في صالح الشعب الفلسطيني, ولا في صالح حقوقه الوطنية ومشروعية نضاله وكفاحه الطويل, ويبقى السؤال ملحاً...

هل الشعب الفلسطيني في قطاع غزة بحاجة إلى تهدئة..؟

    من نافل القول ان الشعب الفلسطيني في غزة يعيش أسوأ أحواله الحياتية, ولا بد من الاعتراف أن المعاناة اليومية لشعبنا في قطاع غزة قد فاقت كل احتمال, وكل الحدود, وأن الحصار قد أخذ من المواطنين ما هو أكثر من أرواحهم...الأمر الذي يقتضي أيضاً التحلي بالجرأة الثورية والشجاعة السياسية, والإعلان الصريح بأن الشعب الفلسطيني بحاجة إلى "استراحة محارب" أو تهدئة...!! ولكن أي تهدئة...وما الهدف منها..؟

     فهناك فرق بين تهدئة وتهدئة...تهدئة يراد منها حفظ الذات الفصائلية, تأخذ مشروعيتها من الاحتلال وتتوافق معه وبوساطات إقليمية ودولية, وتحت تهديد الحرب والتجويع والحصار وبغطاء فصائلي يمنح الفصيل بعينه والتهدئة معاً المشروعية الوطنية...وهذه التهدئة لن تكون إلا في صالح الكيان الصهيوني الذي يسعى إلى تطويع حملة المقاومة والكفاح...إن مثل هذه التهدئة لا يمكن القبول بها لأنها تعقد في سياق تسويات وتوافقات مع الكيان الصهيوني, ووعود وأوهام بتوفير حياة أفضل لأهل القطاع...فضلاً عن أن "اسرئيل" لن تلتزم بأي تهدئة تعقدها مع أي طرف فلسطيني سواء أكانت م.ت.ف أو فصيل بعينه, فالتهدئة – والهدنة...هي سياسة وسلاح استراتيجي تاريخياً لكسب الوقت وفرض التسويات والتطويع.

    وبين "تهدئة" تأتي بإعلان وطني داخلي وتوفير بيئة "لاستراحة المحارب" وراحة الناس, تهدئة خاضعة لاعتبارات مصلحة الشعب الفلسطيني فقط....والاعتبارات السياسية والإنسانية والحالة المعنوية والحياتية لشعبنا الذي يعاني ويكابد على مدار الساعة,... المطلوب تهدئة تعتمد على رؤية واضحة لما بعد التهدئة اقتصادياً واجتماعياً وكفاحياً...وكيفية إدارة المجتمع الفلسطيني بعقل إداري ومسؤول عن حياة الناس على كل المستويات...إن التهدئة المطلوبة هي تهدئة فلسطينية خالصة يحدد زمانها ومكانها وبداياتها ونهاياتها قيادة فلسطينية مسؤولة عن مصلحة شعبنا لا مصلحة الاحتلال...

   المطلوب عدم منح الاحتلال أية مكاسب سياسية...حتى يبقى باب الصراع مفتوحاً لشعبنا وعدم تكبيله باتفاقات كما أوسلو وباقي الهدن التاريخية مع الاحتلال...فما دام الاحتلال جاثم على أراضينا وقائم في كل مظهر من مظاهر الحصار والخناق...فليس ثمة هدنة أو تهدئة يجب أن تمنح له.

    ومن هنا فإن التهدئة أو الهدنة مع الاحتلال باتفاق موقّع تنتفي مشروعيتها كون الطرف الفلسطيني لا يملك جيشاً أو سلاحاً يماثل  الطرف "الاسرائيلي"... إنما الطرف الفلسطيني هو شعب معتدى عليه...ومن حقه الدفاع عن نفسه في كل ساعة ما دامت مظاهر الاحتلال قائمة في كل زاوية وقرية ومدينة في غزة والضفة.

   وتبقى التهدئة كمفهوم وممارسة هي رؤية سياسية...تخضع لكيفية إدارة المجتمع الفلسطيني وكيفية إدارة الصراع مع الاحتلال...وكيفية إنهاء الانقسام وتوطيد الوحدة الوطنية...فلا مجال لتهدئة بالمعنى السابق لا نعي مآلاتها أو تبعاتها وبدون إدارة حكم أو سلطة راشدة...ترى أين هي مصلحة المواطن...وأين هي محفزات عنصر الوحدة الوطنية...ومحفزات النضال الوطني.