Menu
حضارة

أن تكون جنوبياً

سيف دعنا

«إذا كان أتْباع التجارة الحرة لا يستطيعون فهم كيف يمكن لأمة أن تصبح ثرية على حساب أمة أخرى، فلا يجب أن نستغرب ذلك بتاتاً. فهؤلاء يرفضون حتى استيعاب (تَقَبُّلْ) كيف يمكن لطبقة أن تصبح غنية على حساب طبقة أخرى في بلد واحد» كارل ماركس: «بؤس الفلسفة» (1) 

«ليس هناك سوقان عالميان، أحدهما رأسمالي والآخر اشتراكي، بل هناك سوق عالمي واحد وهو سوق رأسمالي» (سمير أمين ـ «التراكم على الصعيد العالمي: نقد نظرية التخلف»

«قرأت ماركس للمرة الأولى حين كنت في العشرين من العمر. وبعدها أعدت قراءته كل عشرين عاماً في لحظات ترافقت مع تحولات كبرى في مسار التاريخ» كتب سمير أمين في الفصل الاول من «ثلاثة مقالات عن نظرية القيمة عند ماركس» (2). «قرأته في ١٩٥٠ في سياق صراع الشرق والغرب وفيما كانت صحوة الجنوب الأولى تتشكل، كما تَكَشَفَ عن ذلك في مؤتمر باندونغ عام ١٩٥٥. قرأته في ١٩٧٠ كمدير للمعهد الإفريقي للتنمية الاقتصادية والتخطيط في داكار، حيث أسست مشروعاً تدريبياً كان محوره نقاش أعمال ماركس من أجل المساهمة في «استكشاف» خيارات مستقبلية أكثر راديكالية أصبحت ممكنة بفعل استحواذ شعوب إفريقيا وآسيا على استقلالها. قرأته في ١٩٩٠ وكانت المشكلة التي يمكن لماركس أن يرشدنا فيها هي معرفة ما يمكن إنقاذه من سفينة الاشتراكية العالمية الغارقة في القرن العشرين. وقرأته في ٢٠١٠، مع انهيار النظام الرأسمالي الذي أعلن نفسه «نهاية التاريخ»، ففتحت أعمال ماركس (أمامنا) الاحتمالات لمسارات جديدة لم يتم اكتشاف نتائجها بعد» (ص:٩). يستنتج أمين في هذا القسم أن «ماركس كان يأتي دائماً (في كل مرحلة) لمساعدتنا بقوة لا تضاهى، ولكن عبر التوسع في النقد الاجتماعي الراديكالي الذي بدأه، وليس عبر تفسير (أو إعادة تفسير) نصوصه» (ص: ٩).
ربما تكون هذه القراءة المتميزة لماركس والماركسية هي التي جعلت من سمير أمين أحد أهم الماركسيين في زمننا، وأيضاً أحد أوائل وأهم منظري وفلاسفة الجنوب والعالمثالثية. قد يبدو سهلاً لمن يقرأ عبارة ماركس، من «بؤس الفلسفة» أعلاه، أن يستنتج، وبأثر رجعي الآن، أن ماركس كان في الحقيقة الفيلسوف والاقتصادي وعالم الاجتماع الجنوبي الأول، بقدر ما كان فيلسوف التاريخ والمجتمع الأهم على الإطلاق (أو، على الأقل، يمكن قراءته كذلك منذ منتصف القرن العشرين، ولهذا سأزعم أن أكثر الجنوبيين جذرية هم الماركسيون، وأكثر الماركسيين جذرية هم الجنوبيون). بكلمات أخرى، لَمْ، ولا يمكن لنا أن نكون جنوبيين حقيقيين ببرنامج خلاص ممكن النجاح إلا إذا رأينا العالم بأدوات نظرية ماركسية من خندقنا في الجنوب – وهو بالضبط ما فعله سمير أمين، كما سنرى. 
فحين كتب سمير أمين الشاب رسالة الدكتوراه (التبعات البنيوية للاندماج الدولي للاقتصادات ما قبل الرأسمالية: دراسة نظرية للآلية التي تنتج ما يسمى اقتصاديات متخلفة) في نهاية الخمسينيات، وشكلت لاحقاً الأساس لدراسته (وكتابه) الأهم على الإطلاق «التراكم على الصعيد العالمي: نقد نظرية التخلف» (3)، كان يؤسس لاختراق (paradigm shift) نوعي في العلوم الاجتماعية ربما يكون الأهم حينها، وربما يكون الأهم بعدها حتى يومنا هذا. فهذا الإنجاز سيكون له الأثر الكبير ليس فقط على فهمنا للعالم، ورؤيتنا له بطريقة جديدة ومختلفة وذات تبعات هائلة، بل وعلى فلسفة الثورة والتحرر والاستقلال في الجنوب أيضاً. فكل ما كتب لاحقاً من دراسات (مثل رباعية ايمانويل وولرشتاين الشهيرة «النظام العالمي الحديث»)، كانت مسكونة حقاً بشبح مساهمة امين التي أسست لنظرية «النظام العالمي» التي تحمل، رغم ذلك، اسم والرشتاين. وكل ما جرى ويجري منذ تلك المساهمة في حقل نظرية التبعية/النظام العالمي هو نقاش لا يخرج بمجمله عن الإطار العام الذي أسس له أمين، برغم احتدام الخلاف أحياناً في تفاصيل نظرية دقيقة لا يعرف إلا المتخصصون طبيعتها وتبعاتها (مثل خلاف آرغيري أيمانويل وتشارلز بتلهايم وغيرهم حول دور (أولوية) التكنولوجيا (العامل التقني) في تحديد مفهوم قوى الإنتاج في مقابل أهمية متغيرات ذاتية مثل التنظيم الاجتماعي وشكل الملكية – أقنعني الصديق علي القادري مؤخراً بإشكالية اصطفاف سمير أمين مع موقف بتلهايم (وصوابية موقف العبقري أنور عبدالملك) بسبب تبعاتها الأورومركزية من جهة وكونها أقرب بمنطقها للنظرية «النيوكلاسيكية» في الاقتصاد منها لنظرية التبعية أو النظام العالمي. وطبعاً، يبقى هذا الخلاف، وغيره، خلافاً منطقياً داخل المدرسة الواحدة، ربما يكون أحد أسبابه اختلاف الميول نحو الإمبريقية من جهة أو النظرية والتجريد من جهة أخرى بين أقطاب هذه النظرية (سأعود لهذا الموضوع تحديداً قريباً بالتفصيل للحديث أكثر عن أمين). 
لكن نظرية أمين، «التراكم على الصعيد العالمي»، التي قد تبدو سهلة (ومقبولة جداً) الآن، كانت في الحقيقة أكثر من مجرد اختراق تقليدي وثوري في العلوم الاجتماعية حينها. وليس ذلك فقط لما شكلته من تمرد على التيار العام والقوي في الأكاديميا والجامعات الغربية، والذي حمل حينها (ولا يزال يحمل) على كاهله أحد أعمدة الحرب الباردة (الأيديولوجيا) ومشروع الهيمنة (وينتقده أمين بجذرية في الكتاب لدرجة يبدو فيها منظر مدرسة التحديث الأهم، والت روستو، هاوياً في أحسن الأحوال، وتافهاً لدرجة كبيرة بالإجمال، برغم عدم إغفال أمين للدور الكبير لهذه النظرية (كأيديولوجيا) في الصراع بين الغرب والشرق، والصراع في وعلى مجتمعات الجنوب). بل لأنها اقترحت طريقة جديدة للنظر للعالم والعلاقات الدولية. فالعالم، عند أمين، كما هو في «التراكم على الصعيد العالمي» منظومة (system) كُلية تعتمد على ترابط وإنتاجية ونشاط كل أفراده، ولا يمكن لها أن تعمل بدون تكامل كل الأطراف، ولا يمكن فهم ما يحدث في جزء منها بدون علاقته بباقي الأجزاء. بهذا المعنى، لا يمكن فهم التراكم بحصره على المستوى الأوروبي، أو الغربي، فقط واستثناء الجنوب بحجة تميزه بتشكيلات ما قبل رأسمالية. هكذا، ولهذا، تأخذ فكرة «المركز والأطراف» معنى مختلفاً عما ساد قبلها، وهكذا، ولهذا، أيضاً، وربما أكثر أهمية، سقطت النظرة المركزية الأوروبية للعالم وسقطت معها نظرية «التخلف» المبنية أساساً على منطق نظرية التحديث. وكانت «الضحية» الأولى لهذه النظرة الجديدة للعالم. هكذا أصبح لدينا عالم جديد، أو هكذا أصبحنا نرى العالم بطريقة مختلفة – سيفرد أمين لاحقاً نصاً بالغ الأهمية وبذات العنوان، «المركزية الأوروبية»، يؤسس فيه لرؤية عالمية غير اورومركزية لتاريخ العالم يستحق القراءة (4)

لماذا ماركس؟
النظرية، مرة أخرى، تبدو بسيطة. فالمرء، يقول أمين: «لا يحتاج أن يكون متخصصاً في الاقتصاد حتى يعرف أن عالمنا يتألف من بلدان «نامية» وبلدان «متخلفة»، وأنه يتألف كذلك من بلدان تجاهر بكونها «اشتراكية» وأخرى ينبغي تسميتها باسمها «رأسمالية»، وأن الفريقين منخرطان، رغم التفاوت في الدرجة في شبكة عالمية من العلاقات التجارية والمالية وغيرها تحول بيننا وبين النظر لكل واحدة من هذه البلدان على حدة، أو بتجرد من هذه العلاقات، كما كان بالإمكان في ما مضى، بالنسبة إلى الإمبراطورية الرومانية والصين الإمبراطورية في ذلك العصر، واللتين كانتا تتجاهل الواحدة منهما الأخرى» (ص: ٢١). 
بهذا المعنى، كل المجتمعات منخرطة في المنظومة العالمية، وليس هناك مجموعة من المجتمعات المحكومة بنمط الإنتاج الرأسمالي ومجموعة أخرى محكومة بأنماط إنتاج ما قبل رأسمالية يتوجب تناولها بالتحليل بشكل منفرد. على العكس، فأمين يرفض هذه «الثنائية»، ويصر على أنه لا يمكن فهم التراكم وتدفق الفائض من المحيط للمركز إلا عبر العلاقات القائمة بين مختلف التشكيلات في سياق منظومة كلية واحدة يتوجب اعتمادها كوحدة تحليلية واحدة. هذا هو مجال نظرية التراكم على الصعيد العالمي. 

لكن، لماذا ماركس والماركسية؟ 
الجواب المختصر: ليس فقط أن الماركسية هي النظرية الوحيدة التي طرحت مشكلة التراكم على المستوى العالمي أصلاً، وكان جزءاً أساسياً من المشروع الماركسي، وبالتالي إمكانية فهم جوهر وطبيعة العالم المعاصر جدياً حقاً. وليس فقط أن الماركسية هي النظرية الوحيدة المؤهلة للقيام بهذه المهمة المعقدة لأسباب متعلقة بطبيعة النظرية وأدواتها. بل لأن هذا كان أصلاً مشروع ماركس منذ البداية، ومشروع من لحقه من ماركسيين على اختلافهم. وكل تطور في الماركسية كان ينتج تطوراً في فهم الرأسمالية عموماً والتراكم خصوصاً، ولأن كليات الاقتصاد والأكاديميات الغربية، أيضاً، امتنعت (ولا تزال) حتى عن مجرد طرح السؤال أصلاً، واكتفت «بوصف الوقائع» وقياس تدفق القيمة الظاهرة (كما هي الحال في التجارة الدولية)، مع إغفال كامل لجوهر قوانين التراكم على الصعيد العالمي التي تكشف التدفق غير المنظور أو غير المرئي للقيمة من المحيط إلى المركز. 
فبعد ماركس ومساهماته التاريخية، أسس لينين في كتابه عن الإمبريالية (١٩١٧) لنظرية التراكم على الصعيد العالمي كمسألة أساسية وجوهرية لإدراك وفهم العالم المعاصر، ووضع كذلك التحليل الأول لتحولات المنظومة في مركزها. لكن، ورغم أن لينين درس نشوء الاحتكارات، وهي إحدى القضايا الجوهرية لفهم العالم حينها، إلا أنه لم يدرس بصورة خاصة تشكيلات الأطراف (الجنوب). بعدها جاء بول باران في «الاقتصاد السياسي للنمو» (١٩٥٧) أولاً و«رأس المال الاحتكاري» (١٩٦٦) مع بول سويزي لاحقاً، ليتابعا بذلك التحليل اللينيني. لكنهما، وكما يشير أمين، «لم يدرسا تحولات الأطراف في علاقتها بتحولات المركز». هكذا وصل الأمر لأمين ليستأنف ما قام به لينين وباران وسويزي (وأيضاً روزا لوكسمبورغ) وغيرهم ولينجز هذا القسم المهم من نظرية التراكم. 
وهذه القضية بالذات ـ دراسة التحولات في الأطراف (دول الجنوب) في علاقتها بتحولات المركز (دول الشمال) ـ افترضت (احتاجت) إنجازاً نظرياً مهماً أسس له أمين في دراسته «التراكم على الصعيد العالمي» بتمييزه الضروري جداً بين نمط الإنتاج والتشكيلة الاجتماعية. وهو تمييز سينتشر لاحقاً لدى الماركسيين في أعقاب نشر قراءة لوي التوسير وإتيان باليبار لـ «قراءة رأس المال» عام ١٩٦٨. هذا التمييز يجعل ليس فقط من فكرة المنظومة العالمية الواحدة ممكنة كأداة تحليل، بل ينقض كل مبرر للبديل الآخر الذي يعمل ويصر على فصل الجنوب عن الشمال (والإصرار على «الثنائية») في التحليل والتوصيف والاستنتاج. 

أن تكون جنوبياً
في خلفية الخيار الجنوبي أو العالمثالثي استنتاج هام وضروري مفاده خطأ الرهان على التحولات الاجتماعية في الغرب لتغيير العالم أو تغيير المنظومة الدولية القائمة على النهب (والتدمير والخراب). وهذا الاستنتاج بالضرورة يدفع للبحث عن فاعل تاريخي أو عامل التغيير (agency) من خارج المركز الرأسمالي. وهؤلاء (الشماليون) لا يمكن لهم أن يروا العالم من خندق الجنوب لأنهم لم ولن يختبروا العالم كجنوبيين، وتعاطفهم وحده (وهو الممكن أحياناً فقط برأيي) لا ولن يُسْمِنْ ولا ولن يغني من جوع. لهذا، ربما على بعض العرب التوقف عن التصفيق لكل سياسي أو مرشح غربي وأميركي (حتى لو كان يشبهنا ومن أصول جنوبية) يرطن مرة واحدة بكلمة فلسطين، أو ينتقد «إسرائيل» بمحبة. هكذا خاب الظن الساذج للبعض (وسيظل يخيب) من أمثال الكسندريا اوكاسيو-كورتيز أو رشيدة طليب مرشحتي الحزب الديمقراطي، حتى لا نقول شيئاً عن خيبة الظن بأوباما لسواد بشرته فقط، وكأن هناك من يحلم بأن تحرير فلسطين قد يمر يوماً عبر هضبة الكابيتول. 
فالمركز الإمبريالي غير قادر لأسباب بنيوية (بسبب كونه مركز منظومة عالمية مؤسسة على النهب) حتى على إنتاج أطر الوعي الضرورية القادرة على اقتراح وتصور آليات لتحرير العالم وخلاص البشرية. فعامل النهب الإمبريالي (والإمبريالية كمنظومة شمولية وكليانية، كما يصفها جونا راسكين في «ميثولوجيا الإمبريالية») يحتجز ويعيق إمكانية تطور أي وعي تحرري في المركز كما يحتجز ويعيق إمكانية تطور أي فاعل تاريخي (وحامل لوعي تحرري) قادر على تحمل مسؤولية قيادة نقلة تاريخية كبرى تحتاجها البشرية من أجل الخلاص (اللافت أنه حتى أكثر المشاريع تقدمية في الشمال يتم تمويلها عبر نهب الجنوب). وكما يشير والرشتاين، فإن تمويل أهم مشروعين تاريخيين في الغرب (الديمقراطية الليبرالية ودولة الرفاه) لم يكن ممكناً بدون نهب الجنوب أصلاً (5)
لهذا، فحين يقرأ المرء أدبيات ثوار وفلاسفة الجنوب من فرانز فانون إلى أميلكار كابرال، سيرى أثر وأهمية إسقاط المركزية الأوروبية التي ساهم سمير أمين في التأسيس لها في «التراكم على الصعيد العالمي». ففي هذا العالم، جادل فرانز فانون مرة في «معذبو الأرض» أن «الدول النامية» هي قوة وأداة ووسيط، التغيير في العالم «وليس الطبقة الاجتماعية». والفكرة ذاتها صاغها كابرال بوضوح أكثر فيما يشبه الحوار مع البيان الشيوعي في «الثورة في غينيا» مجادلاً: «نحن متفقون أن التاريخ هو نتاج للصراع الطبقي، لكن نحن لدينا صراعنا الطبقي الخاص بنا في بلدنا. ففي اللحظة التي جاءت فيها الإمبريالية وجاء فيها الاستعمار، جعلتنا نترك تاريخنا وندخل في تاريخ آخر» (الثورة في غينيا، ص: ٦٨). كانت هذه الفكرة، أيضاً، أحد وجوه التمايز النظري بين الشيوعيين السوفيات، الذين قدموا وفضلوا بشكل لافت دول المنظومة الاشتراكية والأحزاب الشيوعية العالمية في رؤيتهم للعالم والتاريخ على حركات التحرر الوطني العالمثالثية، والصينيين الذين جادلوا في أن المبادرة الثورية لحركات التحرر الوطني في الجنوب تعادل في قيمتها التاريخية والإنسانية كل ما حصل في أوروبا منذ عصر النهضة، مشددين، لذلك، على أن «رياح الشرق تنتصر على رياح الغرب» (انظر أنور عبد الملك، «الجغرافيا السياسية وحركات التحرر الوطني: جدلية الإمبريالية»).
خلاص البشرية وتحرر الإنسانية من منظومة النهب الرأسمالية هي مهمة مجتمعات الجنوب أو الأطراف، إذن. ربما لهذا السبب راهن الراحلان أنور عبد الملك وسمير أمين مراراً على دور الصين (وعلى دور الجنوب عموماً) كفاعل تاريخي وحيد وممكن لخلاص البشرية. أكثر من ذلك، وكما يشير أنور عبد الملك، كلما ابتعدنا (كعرب) عن الجنوب (أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية) وكلما اقتربنا من الشمال (أميركا وأوروبا) كلما ازدادت قابليتنا للاستعمار الثقافي.

خاتمة: فك الارتباط
قراءة سمير أمين المستمرة، وفي ظروف تاريخية مختلفة ومتغيرة، لماركس والماركسية قادته في بداية التسعينات لاقتراح استراتيجية تنموية (أو شرط لنموذج تنموي) كإجابة عن بعض الأسئلة والهموم التي كانت، ولا تزال، تؤرق مثقفي الجنوب: هل يمكن لمجتمعات الجنوب القطع مع هذه المنظومة العالمية ومقاومة ضغوطها وتحقيق التنمية؟ هل يمكن كذلك مواجهة (إن لم نقل مجابهة) الغرب ونحن نشاطره منظومته الاقتصادية؟ هل هناك إمكانية حتى للمناورة في سياق هذه المنظومة؟ آخر الإجابات التي قدمها أمين هي استراتيجية تنموية، يشرحها إلى حد ما عنوان كتابه «فك الارتباط: نحو عالم متعدد المراكز» (6).
و«فك الارتباط» يستند أساساً إلى مسلمة مفادها أنه لا يمكن لدول الجنوب أن تحقق أي نوع من التنمية (أو حتى تحسين مستوى المعيشة) إذا استمرت باتباع (والخضوع) معايير ومقاييس ووصفات النظام الرأسمالي العالمي. والنماذج ماثلة أمامنا من الوطن العربي إلى أميركا اللاتينية. في الحقيقة، ومن أجل النجاح، العكس تماماً هو المفترض والمطلوب: أي إخضاع العلاقات مع الخارج لحاجات ومتطلبات الداخل – نظرية التبعية مبنية أساساً على فكرة تشكيل البنية الاقتصادية المحلية (عبر الاستعمار أولاً وعبر الهيمنة الإمبريالية لاحقاً) لتلبي حاجات الخارج الاستعماري أساساً، كما يجادل بول باران في «الاقتصاد السياسي للنمو». لهذا يرى أمين «فك الارتباط»، كشرط ضروري وأساسي لأي نموذج تنموي ممكن النجاح في الجنوب، تتضمن في ما تتضمن تبني استراتيجيات وقيم مختلفة عن الشمال.
ربما تختلف إمكانيات دول الجنوب عن بعضها، وربما تختلف قدرتها «التفاوضية» في مواجهة المنظومة الرأسمالية وإمكانية نجاح «فك الارتباط» النسبي، ولكن أمين يرى أنه في كل الأحوال يفترض أن يخضع جهاز الدولة في الجنوب لتحالف شعبي واسع لا يعطي الأولوية فقط لحاجات الداخل على حساب الخارج، بل وأيضاً اعتبار «فك الارتباط» كمرحلة انتقالية نحو الاشتراكية، أو بشكل أدق اعتبار الاشتراكية آلية لفك الارتباط. 
لا أعرف كم مرة ينبغي على المرء أن يقرأ سمير أمين، لكن تكفي قراءة واحدة فقط ليعرف القارئ حقاً «أي قلب توقف عن الخفقان».