Menu
حضارة

أنت حياة الشعب

بوابة الهدف

الحياة البشرية قصيرة بطبيعتها قياساً بمعظم الموجودات في هذا الكون، ولكن هناك ما يعطي لهذه الحياة قيمة خاصة تكمن في قدرة الإنسان على توسيع وتعميق أثر مروره البسيط القصير في عمر الكون، وهذا ما مثله الرموز الذين يخلدهم التاريخ، وتحفظهم ذاكرة الشعوب جيلًا بعد جيل.

حين أطلقت قوات الاحتلال الصهيوني صواريخها لتغتال الشهيد أبو علي مصطفى كانت تحاول قطع مسار التأثير العميق الذي كان يحاول الشهيد إحداثه في الصراع، ولكن الشهادة التي كانت الخاتمة الطبيعية لحياة هذا الرجل العظيم بمعناها المادي المباشر، كانت جسرًا لتوسيع دائرة تأثيره في وعي هذا الشعب، هذه النيران المعادية الحاقدة فتكت بالجسد فتخلدت الفكرة.

وليس أصدق من الشهيد -الذي كتب بالدمّ- حين قال "أنا مقتنع قناعة تامة، ودون مزايدة على أحد أنّ الصراع بيننا وبين العدو الصهيوني هو صراع مصيري تناحري ولا يمكن إزالته إلاّ إذا امتلكنا قوة وطاقة الفعل الوطني على الصعد السياسية والاجتماعية والاقتصادية والقتالية، ولابد أن نفكر تفكيراً أشمل، فالاستراتيجية- كما نراها- لا تنبني على ركيزة واحدة، بل على مرتكزات سياسية برنامجية سليمة، ومرتكزات اقتصادية متينة قادرة على إدامة الصراع، ومرتكزات مجتمعية تنظيمية جيدة، وعلى مرتكزات امتلاك الحق في مقاومة الاحتلال. من قال أنّ هناك شعباً في العالم يقع تحت الاحتلال، ويريد أنّ يعالج قضيته بتطييب الخواطر؟ هذا لا يحدث أبداً".

والقيمة المضافة في هذه الخاتمة البطولية لحياة الشهيد العظيم لم تكن في الموت بنيران العدو، بل في تأكيد اتصال الفكرة وصوابية المنهج وتجاوزه للأفراد باتجاه الانتصار للمجموع، فصواريخ الاحتلال لم تستهدف أبو علي مصطفى، إلا لأنه كان نِدّاً، وطالباً وقائداً نجيباً ومختلفاً، بحسب ما كتب د. فيصل دراج" وإذا كان الزمن، فلسطينياً كان أو عربياً، قد أنتج بشراً يرون القيادة في الطقوس والمرافقين والنبرة المتعجرفة والتعالي وتكاثر الألقاب الفارغة، فقد أراد أبو علي أن يكون المختلف، أي ذاك الذي يعيد إلى الكلمات معناها ودلالاتها، إذ القيادة سلوك وقدرة وشجاعة وبساطة. أراد أبو علي أن يكون ذلك المعلم النجيب الذي يبقى تلميذاً، وذلك القائد الذي يظل جندياً، وذلك التلميذ الأبدي البهيّ، الذي يستطيع أن يكون أستاذاً وقائداً أو معلماً، دون أن ينغلق، ودون أن يعتقد أن القيادة تطرد الحياة خارجاً."

ففي الوقت الذي راهن فيه العدو على موت الجبهة الشعبية الفصيل الوطني العروبي الأممي الذي قاده الشهيد، كان الرد الذي قدمته الجبهة على اغتيال أمينها العام تأكيداً على استمرار نبض الجبهة وتعاظمه، والأهم أنه برهن على ذلك التأثير الذي حفره الشهداء الأبطال في وعي هذا الشعب.

لا يمكن مراجعة استشهاد أبو علي مصطفى دون إدراك حجم التحدي المفروض على كل معاني الوجود الوطني الفلسطيني، ودون إدراك الواجبات المفروضة علينا، والنهوض بها متمثلين قيمَ الشهداء وسيرهم، فالحقوق لا تُهدى ولكن تنتزع، وعلى الأوطان ومصيرِها لا مكان للمساومة بل للمقاومة، وتبقى كلمات وأقوال الشهيد حاضرة ومستمرة طالما لم نتمثلّها أو الأدق ننصاع لصحتها "نحن نحتاج إلى مراجعة سياسية شاملة، تضمن استقراء كيفية فهم العدو، بموضوعية، وهذا يتطلب شجاعة في نقد الذات والمساءلة".