Menu
حضارة

مهرجان الفيلم القصير يحتفي بفلسطين ويمنح «إزرقاق» جائزة التحكيم

أربعة أعمال تميزت بإنسانية وشاعرية ودلت على وحشية الاحتلال

بيروت

الهدف - بيروت

عشرات الأفلام القصيرة من لبنان، سوريا، فلسطين، مصر، تونس، المغرب، الجزائر وغيرها من الدول العربية، عُرضت في مهرجان الفيلم العربي القصير في دورته الـ12 بتنظيم من «نادي لكل الناس». فعالية ثقافية احتفت بالمخرج المصري المميز داوود عبد السيد، وبأفلام فلسطين. فلسطين فرضت أربعة من أفلامها نظراً لتميزها. لكل منها نكهته الإنسانية والوطنية المؤثرة. دلّ بعضها على اهتمام المخرجين الشباب بمعاناة شعبهم المحتل وبقضايا إنسانية مرهفة. فيلم «إزرقاق» من فلسطين فاز بجائزة لجنة التحكيم الأولى. فيلم لماري مرعي نال تصفيقاً حاراً من المشاهدين. تميز بإخراج رفيع المستوى. عالج حكاية معقدة. الأم وابنها يخفيان موت أحدهم من العائلة. دفنت الجثة قريباً من الحدود الفاصلة بين الضفة وأراضي الـ1948. في السياق الدرامي التالي يصلنا بأن المقتول كان يرتكب فعل تعذيب طويل الأمد بحق الام. وقرر الابن وضع حد لهذه التراجيديا. وعندما قررت الأم إماطة اللثام عن تلك الجريمة والعودة بالجثة إلى الضفة، تُقتل برصاص المحتل. الغموض بقي يلف هوية المقتول هل هو الأب؟ أم هو الابن؟ لا جواب. أما القاتل فتبين أنه الابن. دراما عائلية وصلتنا بهدوء وحزن وتركت سيل اسئلة. هل على المرأة أن تدفع ثمن العنف العائلي؟ وأن تموت برصاص المحتل؟ أو أن يُقتل أبناؤها أو يسجنون؟ 
من فلسطين أيضاً «
Apart» لسامي شحادة «52» دقيقة، وفيه بطل القصة يوثق حكايته أمام الكاميرا. هو محمد قطاطي، شاب يعزف الأوكورديون. غادر غزة سنة 1995 لدراسة الموسيقى في الضفة الغربية. ومنذ حينها والمشكلات الإنسانية الناتجة عن الاحتلال تزداد. تراكمت المسافات مع عائلته. يروي قطاطي حياته المقطعة الأوصال بشاعرية مطلقة، كما موسيقاه. تعمّد شحادة تصوير بطل فيلمه يسير «الهوينة» أمام المستوطنات المزروعة في أراضي الضفة الغربية. يُطرق هذا الشاب نظره في الأرض ليصحو من الكابوس الذي هو فيه سائلاً: «معقول أهلي ما شافوش ولادي»؟ ولأن قطاطي عضو في فرقة موسيقية ناشطة في الضفة الغربية، وضع في موقف صعب للغاية خلال عدوان 2012 على غزة. كان على فرقته الموسيقية أن تحيي حفلاً. وعليه حسم أمره. حزن. تردد. نفّس بعضا من احتقانه بتأليف مقطوعة موسيقية وأهداها للفتاة التي فقدت كامل عائلتها على شاطئ غزة بغارة صهيونية. موسيقى الكلارينت الحنونة رافقت نهاية الفيلم العاطفي الإنساني، بعزف من أيهم. فيلم تميز بإحساس مرهف للغاية. يعتبر مخرجه الشاب المولود والمقيم في القدس سامي شحادة نفسه «محظوظاً لأني أعيش في بقعة من الأرض غنية جداً بالقضايا التي تصلح لتكون فيلماً ذا طابع إنساني. القصص كثيرة الأهم مدى حضورها في ذهن وإحساس من ينقلها، ومدى ارتباطه بها، ليتمكن من إيصالها بأصدق وأجمل طريقة ممكنة».
يقول أن «فرقة «عالرصيف» تحيي الكثير من الحفلات في الضفة. معظم أعضائها من رام الله وحده محمد قطاطي من غزة. فرقة لها الكثير من الشعبية في الضفة الغربية. الموسيقى موجودة في حياة الفلسطيني وبشكل كبير، ومنذ ما قبل الانتفاضة الأولى سنة 1987. كان حينها للموسيقى دور في التعبير عن المرحلة التي يمر بها الشعب الفلسطيني. وهذه الموسيقى الهادفة رافقت كذلك الانتفاضة الثانية. رغم المعاناة تحتل الموسيقى موقعاً في حياة الشعب الفلسطيني. في فلسطين عشرات الفرق التي تقدم الموسيقى البديلة. بعضها ليس لهدف سياسي وطني. الموسيقى الأكثر انتشاراً هي الشعبية التي ترافق الافراح».
يقول شحادة إن فيلمه «يحمل قضية يجب أن يعرفها الرأي العام العالمي. عُرض في أدنبرة، الدنمارك، دبي، القاهرة وبيروت. ونعد لعرضه في الولايات المتحدة، كندا، المكسيك وغيرها. فكل من شاهد الفيلم تأثر بسيرة محمد وتعاطف معه. رغبت بأن يرى العالم مدى بشاعة عدونا، وبأن يعرف بأن كل فلسطيني يعيش تحت الاحتلال هو عرضة لسلوك المحتل الجائر وبدون حدود». ويرى شحادة في عوامل نجاح فيلمه «أن بطله محمد قطاطي شخصية محببة جداً. لديه كاريزما تخطف القلوب. كما أنه كشاب نجح في تقديم وجه مختلف عن الصورة النمطية للفلسطيني». وفي مشروعه المقبل «وثائقي طويل يروي حكاية شاب حُكم عليه بالسجن مدى الحياة وكان بعمر الـ19 سنة. أفرج عنه بعد 35 سنة في صفقة تبادل شاليط بشرط عدم مغادرة مدينة رام الله. رجل أمضى أكثر من نصف عمره مسجوناً كيف له العودة للحياة؟ هذا السؤال الذي سيطرحه الفيلم».
في احتفالية الفيلم الفلسطيني كان لفيلم «أنا أزرق» لمحمد نور الدين، وقعه الإنساني كذلك. فالمخرج الشاب غادر مخيم اليرموك إلى بيروت، إنما المخيم لم يغادره. بقي حلمه الدائم ذاك الحصار الذي يتعرض له المخيم. في شريطه المكثف جداً سأل نفسه هل هو كابوس أم حلم؟ هل هي حقيقة أم واقع؟ خصوصاً أن صوت بيانو صديقه أيهم كان يصله ويغطي على صوت القصف الذي يداهم المخيم في كل لحظة. تكمن جمالية «أنا أزرق» دمجه بين الحرب والموسيقى. هو وثائقي تعشش الشاعرية في كافة جنباته. فمشهد «أيهم» يعزف البيانو على سطح يحيطه دمار قاتل، بليغ للغاية. فيلم يحمل حنين الفلسطيني لمخيم اليرموك، وتالياً لفلسطين. مفارقته أن محمد نور الدين الشاب الموسيقي تواصل مع أصدقائه عبر سكايب، وهم من أنجزوا تصوير ما يرغبه. والمفارقة الأخرى استشهاد رفيق له ساهم بتصوير جزء من الفيلم قبل مشاهدته. 
«إنتفاض» فيلم لديما دبس من تسع دقائق فقط. كانت كافية لتظهر عنصرية وتعالي الصهاينة على كل عربي فلسطيني يفكر في زيارة أرضه السليبة مسلحاً بجنسية أجنبية، حتى إن كانت أمريكية. الصهاينة يعرفون العرب يكشفون هويتهم حتى إن كانت اسماءهم قد تبدلت. هي الكراهية تسري من خلال اللون، السمات، وإن خذلتهم تلك، ربما تدلهم قراءة العيون بأنهم يواجهون من سلبوا أملاكهم قبل ستة عقود ويزيد. هو التحدي الدائم للفلسطيني داخل وطنة، وفي الشتات.

زهرة مرعي