Menu
حضارة

ماذا قالت وزارة الصحة؟

أطباء في غزة.. عقود عمل مُجحفة واستقالات بالجُملة

أنسام القطّاع

وقفة احتجاجيّة لأطباء من غزة (من الأرشيف)

غزة _ خاص بوابة الهدف

يشكو مئات الأطباء العاملين بالعقود في قطاع غزة من امتناع وزارة الصحة عن تثبيتهم؛ رغم مطالبتهم بإنهاء معاناتهم المستمرة منذ سنوات، عبر الوقفات الاحتجاجية والاعتراض السلمي، لكن كل محاولتهم باتت دون جدوى.

منذ مطلع العام 2015، وتحديدًا حين تبيّن فشلّ جهود تشكيل حكومة الوفاق الوطني، واشتداد الحصار الصهيوني على قطاع غزة، عقب عدوان 2014، شهد القطاع الصحي تفاقمًا في أزمة توظيف الكوادر البشرية بعقود دائمة، رغم الحاجة الماسة لهم في المستشفيات والمراكز الصحية، خاصّة في ظلّ الاعتداءات الصهيونية التي لا تتوقف على القطاع، فلجأت وزارة الصحة بغزة إلى توظيف أطبّاء على بند العقد الخاص، وهو ما اشتكى الموظّفون من انتهاكه حقوقهم العمالية كافة.

أخصائي الأطفال في مستشفى الدرّة الطبيب محمد حلس (31 عامًا) والذي يعمل بنظام العقد الخاص منذ أكثر من 3 سنوات، قال لبوابة الهدف "العقد الخاص لا يليق بطبيب درس على الأقل 7 سنوات".

وأضاف "وقعتُ العقد على أساس أن أتقاضى راتب 1850 شيكلًا، لكن ما أتقاضاه حاليًا 1200 شيكل فقط، وهذا كلّ 50 يوم تقريبًا، يتم خصم 170 شيكل منها للكهرباء بشكل تلقائي، إضافة إلى ترحيل 200 شيكل مستحقات و60 شيكل ضريبة".

وبهذا لا يزيد إجمالي ما يتقاضاه الطبيب حلّس عن 750 شيكلًا، وما يزيد المأساة هُنا، هو الآلية التي يتم تجديد عقودهم بها، والتي تتم كل 11 شهرًا بعقد توظيف جديد، وهذا كي لا يُطالب الأخير بالتثبيت، وفق ما ينصّ عليه قانون العمل الفلسطيني، وهو أحقيّة العامل بالتثبيت بعد مرور عام كامل على عمله في ذات الوظيفة.

الطبيب اعتبر أنّه وزملاءه "أطباء العقود"، يعملون بجهد مُضاعف قال "لا يوجد تأمين وظيفي، ونحن محرومون من الإجازات السنويّة والمرضية".

نظّم أطباء العقود في قطاع غزة وقفات احتجاجيّة أكثر من مرة، "لكن دون جدوى" وفق ما أوضحه الطبيب حلّس، الذي أضاف أنّهم "لا يُطالبون بزيادة كبيرة في الراتب، ونسعى للحصول على رقم وظيفي وتأمين صحي حتى نشعر بالأمان الوظيفي ولكي تُحسَب لنا سنوات الخبرة"، مؤكدًا أنّ مهنة الطب هي مهنة إنسانية ويجب على الحكومة توفير الحياة الكريمة للأطباء.

وطالت الشكاوى من التحقَ ببرنامج البورد الفلسطيني ما يسمى "العقد الصفري"، وهو اتفاق بين وزارة الصحة وخريجي كليات الطب، الراغبين بالتدرّب في مستشفيات الوزارة للحصول على "منحة البورد الفلسطيني"، ويُلزم العقد الأطباء بالدوام في مستشفياتها ويعتمد نظام "المكافآت" كل 50 يوم.

الطبيب أحمد المدهون (26عامًا)، بعد تخرجه من كلية الطب التحق ببرنامج البورد الفلسطيني بعد أن نجح بامتحان الامتياز الذي أعده المجلس الطبي في برنامج تدريب العظام، قال "دخلت في البرنامج منذ قرابة 8 شهور، وهو برنامج ظالم ومجحف بحق الأطباء وفيه استغلال كبير لطاقتهم ويمس بكرامتهم".

وتابع لبوابة الهدف "المناوبات تصل من 10 إلى 12 مناوبة في الشهر، ويُطلب منّا تغطية أقسام الطوارئ والعمليات أيضًا".

الطبيب المدهون يقضي الشهر مُتنقّلًا بين المشافي، وفق ما تقتضيه ضرورة العمل، وهو ما تذمّر منه، على اعتبار أن عقد العمل الجيّد لا يتضمّن هذه التنقّلات المُرهقة.

استشاري جراحة العمود الفقري والعظام الطبيب ضياء الخزندار تساءل خلال حديث لبوابة الهدف "إلى متى يعمل الأطباء بدون تحديد ساعات العمل وبالسخرة ضمن ما يسمى عقود صفرية".

وأوضح أن "مهنة الطب وعمل الأطباء يختلف عن جميع المهن الأخرى، فهم ليسوا موظفين تحكمهم ساعات عمل محددة، ولا عمّال ينالون أجرًا إضافيًا، وهم على اختلاف تخصصاتهم ودرجاتهم تحكمهم رسالة الطب الإنسانية وطبيعة العمل".

وقال "إن للكوادر الطبیة استحقاقات وحقوق علي الدولة، يجب أن ینالوا كاملةً غیر منقوصة وبإنسانیة وشفافیة واحترام وتقدیر".

بوابة الهدف توجهت إلى مدير دائرة شؤون الموظفين في وزارة الصحة بغزة، الطبيب محمود حماد، الذي أكّد بأنّه لم يتم التوظيف بعقد كامل لأي كادر بشري بمرافق الوزارة منذ مطلع 2015، فيما ظلّ التوظيف سارٍ بصورة طبيعية في الضفة، بما فيه ذلك لفئة الأطباء.

"لم يكن أمام الوزارة بغزة في ظل النقص الحاد في الأطباء إلا أن تعلن عن التوظيف على بند العقد الخاص" بحسب حمّاد، الذي أوضح أنّ "شروط الإعلان الخاصة بالعقد تنسجم مع شروط قانون الخدمة المدنية" مُلقيًا باللّوم على حكومة الوفاق بأنّها "تتحمل المسؤولية كونها تنصّلت من مهمّتها في توظيف الكوادر البشرية للقطاع الصحي بغزة الذي يعاني من نقص حاد في هذا الجانب".

وتابع حمّاد أنّ "متوسط عدد الكوادر البشرية التي يتم إحلالها (أي تُصبح شاغرة) وظيفيًا بسبب استقالة أو تقاعد أو وفاة بعض الأطباء، يصل إلى 120، ناهيك عن الاستقالات المفاجئة بسبب الوضع الاقتصادي والخصومات على الرواتب" لافتًا إلى أنه "منذ مطلع العام 2018 تقدّم للوزارة 116 طلبًا من أطباء".

هذا العدد من الاستقالات، في 8 شهور فقط، اعتبره حمّاد مُرتفع، عازيًا السبب إلى الأوضاع الاقتصاديّة المتردّية، سيّما وأن النسبة الأكبر من هذه الاستقالات كانت "إجازة بدون عودة".

وزارة الصحة بغزة، وعلى إثر العجز الحادّ في الأطباء، طالبت ديوان الموظفين بالإعلان عن وظائف أطباء، حتى لو كان بالحدّ الأدنى، لوقف الاستنزاف في مرافق الوزارة والنقص الحاد الذي تُعاني منه في جميع أقسام وزارة الصحة، سيّما أقسام العمليات والعناية المكثقة والعلاج الطبيعي وفق ما أوضحه مدير شؤون الموظفين.

وأقرّ حمّاد خلال حديثه لبوابة الهدف أن "أطباء العقد الخاص يتقاضون راتبًا لا يتجاوز 750 شيكلًا، تُصرَف لهم كل 50 يومًا"، وهذا بعد الخصومات التي تطال الراتب أساسي وقدره 1800 شيكلًا.

ورغم مئات الشكاوى التي تصل الجهات المعنيّة، بيّن حمّاد أنّه "لا حلّ آخر أمام وزارة الصحة" لتعويض النقص الحاد في الأطباء بغزة. مُختصرًا الحلّ لإنهاء معاناة هؤلاء الأطباء بمُطالبة حكومة الوفاق بتثبيتهم ودمجهم في سلم الرواتب الدائم.