Menu
حضارة

السلطة الفلسطينية لا تزال تأمل انفراجة!

محمد الصياد

عرضنا في مقالنا السابق (ما عليكم سوى المقارنة)، مقارنة بين الفعل الأمريكي في خنق الشعب الفلسطيني حد تجويعه لدفعه للضغط على قيادته، للقبول بصفقة الاستسلام التي عرضتها عليها واشنطن، ورد الفعل اللفظي الرسمي الفلسطيني «القشيب والرشيق» على هذا الفعل، الذي تتداعى عدوانيته السافرة، من إعلان القدس عاصمة ل«إسرائيل»، إلى تجفيف ميزانية أونروا تمهيداً لتصفيتها، وصولاً إلى الإعلان الرسمي قريباً عن إلغاء حق العودة المنصوص عليه في قرار رقم 194، الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 11/12/ 1948، وليس انتهاء، ربما في مستقبل غير بعيد، بالإعلان رسمياً عن حق «إسرائيل» في ضم معظم أجزاء الضفة الغربية إليها.

وتستغل «إسرائيل» حالة الحصار الإعلامي والقضائي الذي يحيط بالرئيس الأمريكي، لانتزاع أكبر قدر ممكن من «الخوات» منه، على أمل تفادي انضمام «إيباك» وجوقتها إلى معسكر الحرب ضده، وآخر ما طلبته منه اعتراف الولايات المتحدة بشرعية اغتصابها لهضبة الجولان السورية.

ولو قارنا بين لغة الخطاب التي يستخدمها الفلسطينيون من عامة الشعب، مع لغة قيادات السلطة الوطنية الفلسطينية، فسنجد أنفسنا أمام حالة في غاية الغرابة والحيرة. فكيف يتمكن الفلسطينيون العاديون من التعبير عن مشاعر الشعب الفلسطيني وأحاسيسه وتطلعاته، ومواقفه من العدوان «الإسرائيلي» المتواصل عليه، وعلى حقوقه، وكيف ينتقون مفردات خطابهم ببساطة، بهدف إيقاع أكبر قدر من التأثير النفسي والمعنوي على العدو «الإسرائيلي» ومستوطنيه، وعلى العالم الخارجي الذي يتابع مسيرات العودة ووحشية الاحتلال في التعامل معها.

في المقارنة أيضاً، نجد خطاب السلطة الوطنية الفلسطينية مهزوزاً وغير واضح، وذلك في ضوء بعض العقوبات التي تفرضها السلطة الفلسطينية على قطاع غزة، والتي هددت حركة فتح قبل أيام بتغليظها، إذا لم يتم إشراكها في اتفاق التهدئة بين حماس و«إسرائيل»، الذي ترعى القاهرة مباحثاته التي ستشمل هذه المرة بحسب ما تناقلته الأنباء وقف تمويل غزة، بما في ذلك رواتب الموظفين المُقتطع منها أصلاً، ووزارتي الصحة والتعليم، ورواتب الشؤون الاجتماعية، ووقف عمل «سلطة النقد» في غزة، وهو ما يعني إقفال جميع البنوك والمصارف في القطاع؛ الأمر الذي سيشل الحركة التجارية كلياً، ويوقف الحوالات المالية من غزة وإليها، بما سيؤثر أيضاً في حركة الاستيراد، ووقف تحويل مخصصات الشؤون الاجتماعية التي تخدم أكثر من 80 ألف عائلة غزاوية، وتجميد التحويلات الطبية للمرضى والأدوية والمستلزمات للقطاع الصحي، وقطع الكهرباء، ووقف دفع ثمن مياه (ماكروت) «الإسرائيلية» الواردة إلى غزة؛ أي أن السلطة الوطنية الفلسطينية تمارس نفس سياسة العقوبات الأمريكية، وهذا أمر لا يستقيم مع قول الشاعر أبو الأسود الدؤلي: «لا تنه عن خلق وتأتي مثله..» (القصد ينصرف إلى انتقاد قيادات السلطة الفلسطينية لقرار الولايات المتحدة بإلغاء 230 مليون دولار، من المساعدات المخصصة للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، ووقف تمويل أونروا).

وبالعودة إلى أصل القضية، فإن الحقيقة التي يجب أن تتم الإضاءة عليها، وأن يتم التركيز عليها، في هذا الفصل من الصراع بين أمتنا وبين «إسرائيل» وحماتها، تتمثل في أن أمريكا هي المسؤولة الأولى عن أزمة وكارثة اللاجئين الفلسطينيين.

فلولا دعمها العسكري والاقتصادي والسياسي والدبلوماسي، اللامحدود ل«إسرائيل»، لما بقيت هذه المشكلة كل هذا الوقت (70 عاماً)، مثلما هي مسؤولة اليوم عن مشكلة اللاجئين التي ظهرت في العراق و ليبيا وسوريا، بعد أن قادت عملية تدمير اقتصاداتها وبناها التحتية.