Menu
حضارة

توماس موريسون يسلط الضوء على مشكلة ميشيل فوكو مع العلم.

«فيل فوكو»: هل هناك معرفة متحررة من السلطة؟

ميشيل-فوكو-

موقع إضاءات

اشتهر الفيلسوف الفرنسي الألمعي ميشيل فوكو (1926-1984) بتحليله التاريخي للعنف والجنسانية والجنون، بقدر شهرته بمقولاته المل غزة حول طبيعة السلطة والمعرفة والحقيقة. وغرضي من هذا المقال اختبار مقولاته حول السلطة والمعرفة والحقيقة، وبخاصة تلك المتعلقة بالمعرفة العلمية.

يعتقد فوكو، كونه فيلسوفًا بنيويًا، أن المفتاح لفهم وضع المعرفة العلمية هو فهم البنى المفاهيمية الكامنة في أسسها. تدفع البنى المفاهيمية إلى السطح مجالات المعرفة وتنظمها، عبر تصنيف الأشياء والبحث في كيفية وجودها وكيفية معرفتنا بها وحديثنا عنها. فاللذة الجنسية والحمل مثلًا ظلا موضوعين للمناقشة بين الكتّاب عبر التاريخ، لكن ليس بوصفهما «جنسانية Sexuality». والأخيرة لم تكن مما يُنعت به الأفراد ولا خصيصة يتصف بها شخص ما حتى القرن التاسع عشر.

ولم تكن لتظهر دراسة الجنسانية البشرية من دون منظومة مفاهيمية (مثل ثنائيات «طبيعي»/«مرضي« أو «معترف»/«متلقي الاعتراف»)، والممارسات الاجتماعية التي تدور في فلكها (مثل طب القرن التاسع عشر وطقوس التوبة الكاثوليكية). ولفظة «الخطاب» عند فوكو هي عَلَم على البنى المفاهيمية التي ظهرت لتنظيم مجال ما من مجالات المعرفة، ومن ثم فهناك خطابات بيولوجية أو كيميائية أو أنثروبولوجية وما إلى ذلك.

ويجادل فوكو بأن الخطاب العلمي ليس نتاج دراسة موضوعية لظاهرة ما، كما يحب أنصار الواقعية العلمية (ومعظم العلماء منهم) أن يعتقدوا، وإنما هو بالأحرى نتاج منظومات من علاقات القوة تناضل لخلق مجالات معرفية داخل مجتمع ما.

فوكو، السلطة والمعرفة، ص118

من دواعي الأسف أن الإبهام يكتنف معظم ما قاله فوكو عن إمكانية المعرفة العلمية الموضوعية. هل الحقيقة موصولة دائمًا بالخطاب؟ أمن الحق أنه ليس ممكنًا الإمساك بحقيقة موضوعية إذا كانت الظواهر التي ندرسها والخطوات التي نتبعها لبناء معرفتنا عنها كلها نواتج تاريخية للسلطة؟ تلك المشكلة هي الفيل الرابض في غرفة فوكو، يدور معه حيث دار من كتاب إلى آخر.

ما أريد طرحه هو أن فوكو لم يكن، وما كان ممكنًا أن يكون، نصيرًا مطلقًا للنسبية، وإنما هو نصير لها فقط فيما يتصل بالتنظير العلمي وما نستمده منه من معرفة، وفي هذا الصدد يتعين أن نفهم نظريته عن السلطة وعلاقتها بالمعرفة العلمية، وكذلك بعض الجوانب الأساسية لطبيعة التنظير العلمي والمفاهيم العلمية عامةً.

أنماط السلطة

لم يكن فوكو أول فيلسوف يتأمل العلاقة بين السلطة السياسية والعلم؛ إذ سبقه على سبيل المثال كارل ماركس (1818-1883) بطرح نظريته عن كيفية تسلط السلطة على معتقداتنا تبعًا لفهمه الخاص للأيديولوجيا. وتشرح تلك النظرية العلاقة بين السلطة والمعرفة بوصفها علاقة تدخل من قوة خارجية غير شرعية تحمل المجتمع على اعتناق معتقدات خاطئة. وفي حالة كهذه يغدو العلم الموضوعي ممكنًا، ولا يقتضي سوى تحرير أنفسنا من هذه السلطة غير الشرعية وترك الطبيعة تتحدث عن نفسها.

وفي سبيل توضيح الفكرة؛ نذهب إلى الأيديولوجيا الماركسية الجديدة ذاتها، ومثالها الكلاسيكي المتجسد في «الليسنكوية» التي سادت الاتحاد السوفييتي بين عقدي الثلاثينات والستينات. فلما يقرب من ثلاثين عامًا، اعتنق العلماء السوفييت نظرية «تروفيم ليسنكو» حول وراثة الصفات البيولوجية المكتسبة، وهي التي لاءمت الرؤية الماركسية للتاريخ، وإن تصادمت مع نظريات «مندل» في علم الوراثة، وهي الُمعتمدة لدى الغرب.

كانت عقوبة نفي أو نقد «الليسنكوية» تصل إلى الإعدام، مثلما جرى لعالم النبات والوراثة «نيكولاي فافيلوف» عام 1941. وقد استخدم معهد علم الوراثة السوفييتي سلطاته لطمس حقائق علم الوراثة الجينية من خلال محو كل ما يمت للمعرفة العلمية بصلة. كان هذا مثالًا نموذجيًا للأيديولوجيا إذ تنقضّ على المعرفة بالقوة الغاشمة.

والمعرفة، إذ تهيمن عليها الأيديولوجيا بهذه الطريقة، تغدو معتمدة على فهم معين للسلطة. ويتتبع فوكو فهم السلطة هذا وصولًا إلى عهد إحياء القانون الروماني في أوروبا القرن الثاني عشر، ويسميه «المفهوم القضائي للسلطة» (السلطة والمعرفة، 1980، ص 83). والمثال النموذجي للسلطة وفقًا لهذه الرؤية هو سيادة الملك وحقه في الحكم؛ أي فرض إرادته على الآخرين.

 

والسلطة ها هنا حق كامن فيما يشبه العقد القانوني: إن دافع الملك عن مصالح رعاياه يغدو له الحق في الحكم (قارن ذلك مع النظريات السياسية لـتوماس هوبز وجون لوك وجان جاك روسو). أما حين تنتهك السلطة هذا العقد الاجتماعي، تغدو جائرة ومفروضة علينا، وتاليًا غير شرعية. وذلك هو جور الأيديولوجيا على المعرفة عند ماركس أيضًا: طمس قهري للمعرفة العلمية على يد سلطة غير شرعية.

يجادل فوكو بأنه كي تلعب السلطة دورًا في ممارسة العلم، على الطريقة التي طرحها ماركس، يتعين تصور تلك السلطة من المنظور القضائي/السيادي، لكنه وجد هذا المفهوم قاصرًا عن شرح السلطة وتأثيراتها؛ إذ السلطة في المجتمعات الحديثة لا تنشد حق الحكم، وإنما اشتغالها يكون بالنضال والتفاوض.

لا يرى فوكو السلطة بوصفها فرضًا للمعتقدات باستخدام قوة خارجية، كما تفرض الدولة (عِلْمها) الخاص مثلًا، وإنما بوصفها أشبه بسائل يسري عبر الجسد الاجتماعي كله. ثمة تجلٍّ للسلطة في مستويات المجتمع كافة؛ من الظواهر السياسية الكبرى مثل صياغة الدستور، نزولًا حتى العلاقات الشخصية بين الأفراد، مثل العلاقة بين الأب وأبنائه أو بين الطبيب والمريض.

يسمي فوكو هذه النظرية «تكتيكات الهيمنة» (السلطة والمعرفة، ص 92)، والسلطة إذ ذاك هي تعبير عن إرادة الهيمنة، والهيمنة تأتي من التحكم حتى في الخيارات والبدائل؛ أي أنك تتحكم في مسرح الحرب مثلًا حين تكون قادرًا على فرض الحدود ومسارات التقدم والتراجع على العدو، وحصر وتوجيه جميع الخيارات والتحركات المتاحة له ثم تركه يصنع قراره. وهذه الحاجة إلى التحكم حتى في الخيارات هي ما يجعل تغلغل السلطة محتومًا حتى في أدق مستويات الحياة الفردية.

صناعة الخطابات في العلم والجنسانية

عند ربط هذا المفهوم للسلطة بممارسة العلم، نخرج بفهم واضح لطبيعة المعرفة العلمية لدى فوكو الذي يجادل بأن السلطة تلعب دورًا رئيسيًا في العلم من خلال صناعة الخطابات.

لنتذكر أن الخطاب هو مجموعة من المفاهيم المتصلة، بطرق معينة، بمفاهيم أخرى؛ فيمكن أن تتخذ العلاقة بين المفاهيم شكل ثنائيات ضدية (مثل ثنائية طبيعي/مرضي)، أو علاقات أكثر تعقيدًا مثل العلاقة بين المفاهيم الأربعة الأساسية لدراسة اللغة في أوروبا القرن الثامن عشر: الاقتراح والنطق والتعيين والاشتقاق (انظر تاريخ الجنسانية، 1976، ص65 – الكلمات والأشياء، 1966، ص127).

يؤسس الخطاب تصنيفات الموضوعات، وطريقة وجودها، وأساليب التحقق منها والحكم على مزاعمها، بغرض البت فيما يشكل معرفة وحقيقة من هذه الموضوعات. لكن الخطاب عند فوكو، بخلاف الأيديولوجيا عند ماركس، لا يطوي الحقيقة تحت عباءته؛ إذ العلم ليس مجرد عملية بسيطة لاكتشاف الطبيعة، وإنما الخطاب، بالأحرى، يؤطر العلم من داخله. ومن نافلة القول إن المعرفة العلمية هي نتاج عمل العلماء في المختبرات أو خارجها، لا نتاج عمل منظري السلطة ودعاتها، لكن المعرفة العلمية قد تخضع لتنظيم وتوجيه الخطاب السائد في المجتمع في عصر معين، والخطاب بدوره يُصنع كأثر من آثار السلطة.

فوكو، تاريخ الجنسانية، المجلد الأول، ص63

ولتوضيح الفكرة، دعونا نذهب إلى المفهوم العلمي للجنسانية؛ فإذا قبلت المفهوم القضائي للسلطة ربما كان بوسعك فهم معرفتنا العلمية عن الجنسانية كإماطة تدريجية للثام عن الجانب المقموع من الحقيقة. يمكن القول إن المحرمات الاجتماعية (التابوهات) والقوانين قد شوهت وقمعت معرفتنا عن الجنسانية، تاركة أنشطتنا الجنسية مهمشة ومشوشة ومطمورة، لكن بمجرد تحرير أنفسنا من تلك المحرمات والقوانين يغدو بوسعنا كشف الحقيقة الموضوعية عن الجنسانية.

يبرهن فوكو على أن قصة ظهور علم الجنسانية لا تطابق سجلات التاريخ؛ فمصطلح «جنسانية» نفسه لم يظهر قبل القرن التاسع عشر، وهذا يعني أنه حتى ذلك التاريخ لم تكن الجنسانية موجودة، لا في خبرتنا عن ذواتنا ولا في عقول العلماء ولا في العالم ذاته. لم يكن المفهوم العلمي موجودًا ببساطة.

إن مجال الجنسانية البشرية برمته لم يظهر إلى أن نجحت العلوم الطبية الغربية حديثة النشأة للقرن التاسع عشر في تهذيب طقوس الاعتراف الكاثوليكية – التي أبطلتها البروتستانتية – وإخضاعها لأحكام الخطاب العلمي (تاريخ الجنسانية، ص 63). ولم يحدث قبل هذا التاريخ اعتماد الجنسانية كطريقة لتصنيف الأفراد، أو التعاطي مع شخص ما تبعًا لهويته، أو النظر إلى «المثليين» و«المغايرين» و«المنحرفين» بوصفهم مجرد أنواع من البشر أو بوصفهم انقطاعات أو اتصالات في مجال المعرفة.

الأكثر من ذلك أن آليات السلطة في ذلك العصر أنتجت ووظفت خطاب الجنسانية هذا، لا في سبيل المعرفة، وإنما لمد السيطرة على الأفراد عبر خلق المعرفة، أو كما يقول فوكو: «نحن خاضعون لإنتاج الحقيقة من طرف السلطة، وليس بوسعنا ممارسة السلطة إلا عبر إنتاج الحقيقة» (السلطة والمعرفة، ص93).

وقد يخطر للمرء أنه حتى إن كانت المعرفة عن شيء ما (مثل الجنسانية البشرية) لا بد نابعة من خطاب خلقته منظومات قضائية/سيادية للسلطة، تظل هنالك حقائق موضوعية عن هذه الأشياء يمكن للعلم دراستها بموضوعية. وربما كان المجتمع البورجوازي في القرن التاسع عشر قد أنتج خطابًا معينًا عن الجسد، لا يزال يؤثر في تفكيرنا حتى اليوم، لكننا في نهاية المطاف نستطيع أن نتخلص من هذا الخطاب ونصل إلى الحقيقة.

لكن فوكو يجادل بأن السلطة تشكل المعرفة من الداخل؛ فالأمر لا يتعلق باستبعاد مفاهيم خاطئة لاستخلاص المعرفة الموضوعية حول السلوك الجنسي البشري، وإنما كل ما نقوله عن ذواتنا كأفراد وطبيعتنا ككائنات بشرية هو دائمًا نتاج منظومة سلطة ما، ومربط الفرس هنا هو النضال باستمرار ضد منظومات السلطة تلك من أجل صناعة خطابات جديدة.

إن الموضوع الواقع في نطاق خبرتي والذي أسميه «أنا»، والآخرين الذين أسميهم «بشرًا»، عبارة عن طائفة من الخبرات أو الانطباعات المتناثرة عبر المكان والزمان (كما علّمنا إمبريقيو القرن الثامن عشر)، ومقطوع بأنها أشياء متماثلة أو حتى نفس الشيء، ومصدر هذا القطع عملية عقلية تحدث خارج التجربة نفسها، وهي الخطاب.

إن الحقيقة بشأن الجنسانية البشرية أو أي مفهوم معقد آخر يشتمل على خطاب لا يمكن أن تكون ببساطة وضع قوائم بالانطباعات المباشرة، إذ من شأن هذا أن يكون مفككًا وباعثًا على الملل. وبالأحرى، فإن كيفية فهمنا للجنسانية البشرية تأتي من دمج هذه الانطباعات بطريقة منهجية معينة يحددها الخطاب. وهذا جانب أساسي من التنظير العلمي؛ فلفهم دور السلطة في المعرفة العلمية نحتاج إلى فهم التنظير العلمي وطبيعة المفهوم العلمي.

الملاحظة ليست علمًا

لا تمنحنا الملاحظة المباشرة أكثر بكثير مما تمنحنا الانطباعات الحسية. لا شك أن الملاحظة والانطباع الحسي هما أساس العلم الإمبريقي، لكن جوهر التنظير العلمي يشمل التفسير والتنبؤ (أو التلاعب)، ومجرد وصف التجربة لا يمكن أن يمنحنا أيًا من هذه الأشياء. أما أي أجزاء التجربة ندرس في علم معين، مثل الفيزياء أو الكيمياء، وما نعتبرها ظواهر جديرة بالدراسة وحدودها وخصائصها الأساسية وكيفية وجودها وما إلى ذلك، فأمور تحددها أفكار خارج التجربة. هناك مفهوم «العلاقة» الذي يقبله العلماء ويتجلى في عملهم من خلال خلق واستخدام مفاهيم علمية معينة.

فعلى سبيل المثال:

تحديد النوع. قبل تأسيس علم التصنيف الحديث على يد كارلوس لينيوس، كتب الأخير أنه كان يحتاج في البداية «معرفة كاملة عن كل شيء ذي صلة بالموضوع» (نظام الطبيعة، 1735). ولكن ما هو النوع؟ لا يوجد أي جزء من تجربة يمكن أن يُطلق عليه اسم «النوع»، وإنما هو بالأحرى مفهوم نظري ابتكره العلماء لجمع وتفسير تجارب متنوعة بطريقة منهجية.

سؤال آخر:

ما الذي يحدد شروط العضوية في نوع معين من النبات؟ هل هو شكل أوراق أو جذع النبات أم المعرفة التاريخية به أم قدرة زوج من هذا النوع على إنتاج ذرية خصبة؟ عرّف لينيوس النوع من منظور التناسل، بخلاف علماء نبات وحيوان آخرين قبل القرن الثامن عشر عرّفوا النوع بالرجوع إلى المعرفة التاريخية والأساطير، مثلما فعل كلود ديوريه في كتابه «التاريخ البديع للنباتات» (1605)، وهو ما حملهم على دراسة أنواع من الحيوانات النباتية مثل نبات حمل الطرطير.

ولربما نتساءل:

ما هي الدراسة النباتية؟ أي أجزاء من التجربة ذات صلة بالظواهر النباتية؟ المعرفة السماعية؟ السداة؟ الأمشاج؟ ما الذي تغير في الدراسات النباتية قبل القرن الثامن عشر وإبانه واليوم؟ لم يكن ما تغير هو إماطة اللثام تدريجيًا عن الجزء النباتي من الحقيقة، ما تغير هو التصورات بشأن ما يتصل بدستور المفاهيم والنظريات النباتية.

إن المفتاح لفهم نسبية فوكو هو ذلك الفارق الدقيق بين الخبرة المباشرة والعلم بوصفه منهجة نظرية؛ فنحن نبدأ بمجموعة من الانطباعات الحسية المبعثرة وغير المنتظمة، تصحبها شهادات من الآخرين وفتاوى من السلطات، مثل النصوص الدينية. وفقط من خلال تركيب بناء من هذه الخبرات المتفرقة نستطيع الحكم بأن التجربة (أ) والتجربة (ب) تدوران حول الموضوع ذاته، ولكن ليس التجربة (ج)، تمامًا مثل شجرة البتولا.

الخبرات نفسها ببساطة عبارة عن نقاط منظمة هندسيًا من الألوان والنكهات والأصوات، إلخ. ونحن لا نستخلص حقيقة أن الأشياء، موضوعات الملاحظة، مطابقة أو مشابهة بما يكفي لموضوع آخر من خلال الملاحظة بحد ذاتها، وإنما التشابه المناسب بين ملاحظتين أو أكثر هو أمر محكوم بالخطاب المستخدم، والذي يخبرنا بأي الأشياء ذي صلة بالموضوع، وما هو الموضوع أصلًا، وكيف نختبر حكمنا عليه. وعلى سبيل المثال فليس ثمة شيء اسمه «الثروة» أو «الجنسانية» أو «الجريمة» واقع تحت ملاحظتنا، وإنما تتحدد ملامح العالم أو الأفراد هذه من خلال الطرق التي بها ننظم ونمنهج الخبرة.

لنأخذ مثالًا آخر من العلوم الطبيعية: الكهرباء. لقد اختلف علماء القرن الثامن عشر حول ما اعتبروها ظواهر كهربية؛ هل هي تجاذب واحتكاك ولكن ليس تنافرًا؟ هل هي تجاذب وتنافر؟ هل هي توصيل كهربي دون تجاذب أو تنافر؟ (انظر: بنية الثورات العلمية، توماس كون، 1962، ص 14).

وفقط في أواخر القرن التاسع عشر، وعلى يد جيمس كليرك ماكسويل، عُدت الكهرباء والمغناطيسية متشابهتين أكثر منهما مختلفتين، وعُدتا تاليًا قوة واحدة في الطبيعة: الكهرومغناطيسية. لقد كانت هناك منذ زمن بعيد أمثلة مسجلة لتأثيرات الكهرباء على المعادن الممغنطة مثل حجر المغناطيس، لكن استخلاص فكرة أن هذه الظواهر كانت جزءًا من نفس القوة استلزم طريقة جديدة لمنهجة التجربة.

إن الجوهر الأساسي للعلم هو المضي إلى ما وراء التجربة. وإذا لم تكن التجربة نفسها تخبرنا كيف ننظم تجربة، فما الذي يخبرنا؟ وهذا هو أصل مفهوم الخطاب عند فوكو: إذا لم تكن التجربة تخبرنا كيف يتعين علينا منهجتها نظريًا، فلابد أن هنالك شيئًا آخر يخبرنا.

هل يمكن أن تكون ثمة حقيقة؟

إن حقيقة كون التنظير العلمي والمفاهيم العلمية تتجاوز التجربة موضوع الملاحظة هي حقيقة كامنة في قلب جوهر العلم؛ ومن ثم يمكن أن ندرك الآن مدى حاجتنا الماسة إلى شيء ينظم بحثنا. وهذا الشيء بالنسبة لدعاة الواقعية العلمية هو المزايا أو المبادئ النظرية البديهية أو الحدسية. أما بالنسبة لفوكو، فهذا الشيء عبارة عن خطاب صنعته تكتيكات الهيمنة (السلطة) داخل المجتمع، ومن ثم يرى «فوكو» أن المعرفة العلمية المستندة إلى المنهجة النظرية مرتبطة حُكمًا بالسلطة.

هل يعني ذلك أن «فوكو» يغدو بالضرورة نصيرًا للنسبية حين يتعلق الأمر بالمعرفة والحقيقة، معتقدًا أن قضية ما تصبح حقيقة فقط تبعًا لمعتقدات شخص ما، وأنه ما من حقيقة موضوعية مطلقة؟ سأختم بطرح ثلاثة أسئلة.

أولًا: كيف سنأخذ أعمال «فوكو» بعين الاعتبار على ضوء هذه النسبية المحتملة؟ ألا يقدم تأريخه هو ذاته لتاريخ النضالات التي شكلت مجالاتنا العلمية مزاعم يمكن اعتبارها حقائق موضوعية، ومنها مثلًا أن الجمعية العامة انعقدت في فرنسا عام 1575 لمناقشة إلغاء العمل بالوحدات المحاسبية (الكلمات والأشياء، ص 185)، أو أن فلانًا وعلانًا نشروا كتبهم في العام كذا؟ لا يمكن أن يكون «فوكو» نسبيًا فيما يتعلق بصحة أو خطأ هذا النوع من العبارات.

ثانيًا: هل تتعارض نظرية الخطاب والمعرفة العلمية تلك مع إمكانية وجود تصنيفات موضوعية في الطبيعة (بعض الفلاسفة يسمونها «تصنيفات طبيعية»)؟ ألا يمكن أن تظل للحقيقة اتصالات وانقطاعات؟ حين نقول إن العلماء يستندون إلى خطابات صنعتها السلطة لمنهجة التجربة وخلق العلم، فإننا لا نقصد أن السلطة تشكل الحقيقة ذاتها، وإنما تشكل «العلم» فقط. والحجة لا ترقى إلى أن تكون نسبية في هذا الصدد.

ربما لا يزال ممكنًا وجود تصنيفات موضوعية في الطبيعة، حتى وإن كنا لا نستطيع البحث فيها وفهمها بمعزل عن تأثيرات السلطة. وأيًا كان الأمر، فالعلم ليس مجرد وضع قائمة بالبيانات القابلة للملاحظة في ملخص عملاق نسميه «كتاب العالم»، وإنما جوهر العلم بالأحرى هو المنهجة النظرية، فالمنهجة تنتج كلًا من الفهم والتنبؤ (ومن ثم القدرة على التلاعب) من خلال محاولة الاقتراب أكثر من الأنماط الفعلية أو القوانين في الطبيعة، دون النظر لكيفية تشكل إدراكنا البشري.

وأخيرًا: هل تسمح لنا أطروحات فوكو باستنتاج أن أي حقيقة يمكن أن تكون وهمًا (أو العكس) إن نحن غيرنا الخطاب الذي نستند إليه في الجزم بها؟ أو لنطرح السؤال بطريقة أخرى: هل ثمة حقائق لا يمكن لأي خطاب دحضها؟ هل يعمل الخطاب داخل حدود منطقية معينة غير قابلة للتعديل، يحددها مثلًا قانون التناقض والقوانين المنطقية المشابهة؟

كما حاولت أن أبين؛ فإن فوكو لم يترك لنا سببًا يحملنا على الاعتقاد أنه من أنصار النسبية فيما يخص المعرفة، بل إنه منحنا بعض الأسباب تحملنا على الاعتقاد أنه لا يمكن أن يكون من أنصار النسبية حتى لو كان ذلك مبتغاه. ومع ذلك، فإن فوكو نصير للنسبية، إلى حد ما، فيما يخص النظريات العلمية وما نستخلصه منها من معرفة.