Menu
حضارة

حرائق البصرة ومتاهات العراق

د. محمد السعيد إدريس

قلبت حرائق البصرة كل توازنات وحسابات المتنافسين على العراق والمتصارعين على السلطة داخله رأساً على عقب. نيران الحرائق التي التهمت القنصلية الإيرانية في المدينة وحرقت ودمرت قبلها مقار أحزاب وميليشيات ومقار حكومية ومنازل كبار المسؤولين بالمحافظة وكبار المتنفذين النفطيين، حملت رسائل مهمة تقول: «لا» لإيران وحلفائها، سواء كان من قاموا بهذه الحرائق من المحسوبين على أنصار الولايات المتحدة التي دخلت معركة «كسر عظم» مع إيران حول تشكيل «الكتلة البرلمانية الأكبر» التي ستُخوّل تشكيل الحكومة، أم أنهم متظاهرون غير محسوبين على أي قوة سياسية. ربما يكون الاحتمال الثاني، في حال تأكده، أي أن من قاموا بهذه الحرائق متظاهرون غير محسوبين على أي قوة سياسية، أكثر قوة ودلالة في معناه الشعبي الرافض لتغول النفوذ الإيراني في العراق وإصرار القادة الإيرانيين على فرض «علاقات استتباع» عراقية مع إيران، عبر الأحزاب والقيادات الموالية، وعبر الضغط بالموارد ومنها المياه التي كانت على رأس أسباب تفجر تظاهرات البصرة. 

لا يمكن مقارنة قذائف الهاون الثلاث التي أطلقت على المنطقة الخضراء حيث مقار الحكومة والبرلمان والسفارة الأمريكية، والتي لم تصب أحداً، لا يمكن مقارنتها بما حدث من حرائق في البصرة التي ركزت على مقار كبار المسؤولين المتهمين بالفساد ونهب أموال الشعب، ومقار الأحزاب الموالية لإيران وكلها أحزاب شيعية، فالواضح من هذه الحرائق استهداف إيران وكبار من يوالونها. لكن يبقى السؤال الأهم هو إلى أين ستؤدي هذه الحرائق بالعراق، هل هدفها هو فرض التحالفات القريبة من واشنطن وتمكينها من تشكيل الكتلة البرلمانية الأكبر على نحو ما يسعى إليه بجد المبعوث الأمريكي للعراق بريت ماكفورك الذي أثنى مايك بومبيو وزير الخارجية الأمريكي على جهوده تلك وقال «إن ماكفورك يقوم بعمل عظيم في العراق، وهو يمثلني ويمثل الرئيس»، أم أن التداعيات سوف تفوق أزمة تشكيل تلك الكتلة ومن ثم تشكيل الحكومة لتطال مستقبل العراق كله؟ أي هل ستبقى رسالة هذه الحرائق محصورة في النطاق الضيق للأزمة الحكومية أم أنها ستفرض حلولاً جذرية لأزمة السياسة والحكم في العراق؟

حتى الآن ما زال فهم الرسائل الحقيقية لتلك الحرائق غائباً: رسالة عودة العراق حراً بإرادة وطنية حرة، أي عودة العراق محرراً من التبعية لإيران ومن القيود الأمريكية المفروضة منذ الغزو والاحتلال الأمريكي للعراق، وعودة عراق المواطنة لا المحاصصة. فكبار المسؤولين يحصرون أزمة ما بعد الحرائق في شخص حيدر العبادي وحكومته وأجهزته الحكومية في محافظة البصرة، متجاهلين أن أزمة البصرة هي أزمة كل العراق.

تجلى هذا الفهم الضيق في جلسة البرلمان الاستثنائية التي عقدت مساء السبت الفائت (8-9-2018) حيث طالب، نواب يفترض أنهم على طرفي نقيض، باستقالة حكومة العبادي بعد تحميلها مسؤولية التقصير الموجود في محافظة البصرة والتستر على الفساد والفاسدين، وهو ما أدى إلى تفجر التظاهرات الاحتجاجية الغاضبة. فقد طالب نواب محسوبون على تكتل «سائرون» بزعامة مقتدى الصدر الذي يشارك تكتل العبادي (تكتل النصر) في كتلة «الإصلاح والإعمار» التي كان من المرجح اعتبارها الكتلة البرلمانية الأكبر المؤهلة لتشكيل الحكومة بإقالة حيدر العبادي، كما طالب نواب من كتلة «الفتح» بزعامة هادي العامري شريك نوري المالكي في التحالف المضاد بإقالة حكومة العبادي، وهذا ما شجع النائب أحمد الأسدي المتحدث باسم «الفتح» على القول: «سنعمل سريعاً على تشكيل الحكومة، خلال الساعات المقبلة، نحن «وسائرون» على خط واحد لتشكيل الحكومة الجديدة، ولبناء العراق، وواهم من يعتقد أننا متفرقون». 

هل يمكن أن يتحالف مقتدى الصدر مع هادي العامري رجل إيران القوي زعيم تكتل الفتح شريك نوري المالكي ألد أعداء الصدر، وأن يكون هذا على حساب حيدر العبادي حليف الصدر، وعلى حساب توحد كتلة «الإصلاح والإعمار» التي تجمع بين تكتل «سائرون» (مقتدى الصدر) و«النصر» (حيدر العبادي) و«الحكمة» (عمار الحكيم) و«الوطنية» (إياد علاّوي) و«تمدن» (فائق الشيخ) و«بيارق الخير» (خالد العبيدي)؟ وهل يمكن أن يقبل المبعوث الأمريكي للعراق بريت ماكفورك بهذا التحول، وهو الذي يعمل جاهداً على تماسك هذه الكتلة التي بلغت قوتها التصويتية 148نائباً، ويسعى جاهداً إلى ضم الأكراد إليها لتمتلك النصاب القانوني (نصف عدد أعضاء البرلمان البالغ عددهم 329 + 1)؟

واضح أن حرائق البصرة أربكت بقوة حسابات كل الأطراف، وأن موقف مقتدى الصدر من حيدر العبادي يربك كل التوقعات خاصة بعد ما أثاره في بيان له (8-9-2018) عن احتمال دخوله في مواجهة مع العبادي حول رئاسة الحكومة المقبلة، حيث دعا إلى «المضي على ما مضت به المرجعية من الإسراع بتشكيل الحكومة وفقاً لأسس جديدة، فالمجرب لا يجرب، وذلك بتوافق الكتل على ثلاثة أسماء وطنية وفق شروط وضوابط وطنية لرئاسة الوزراء»، وأوضح في البيان أنه «سيخول أحد الأسماء الثلاثة المرشحة تشكيل الحكومة دون محاصصة أو تدخل بعمله لتكون حكومة أمنية خدمية بعيدة عن التدخلات الطائفية والحزبية».

لم يجب مقتدى الصدر عن السؤال الأهم: هل سيرشح الأشخاص الثلاثة من خارج نصاب الكتلة النيابية الأكبر؟ هل سيفرضهم على البرلمان؟ وكيف سيحصلون على الشرعية دون تصويت يؤمن الأغلبية؟ وكيف سيكون هؤلاء الأشخاص متجردين من ولاءاتهم الحزبية وتدخلات الأحزاب إن أمكن تجريدهم من ولاءاتهم الطائفية؟ كيف ذلك وهم قادة ورموز الأحزاب؟