Menu
حضارة

أوسلو: تاريخ يميني عندما كان الجميع يتحدث عن السلام (3-4)

ترجمة وتحرير ومراجعة: أحمد مصطفى جابر و د. وسام الفقعاوي.

[مقدمة المحرر: فيما يلي الحلقة الثالثة من ترجمة نص طويل لحاجاي سيغال يستعرض فيه تاريخ اتفاق أوسلو من وجهة نظر اليمين الصهيوني، مستعرضا "كفاح " هذا اليمين، في مواجهة الاتفاق، الذي اعتبر على مثالبه وانحيازه السافر للاحتلال، تنازلا للفلسطينيين، وانهزاما أمامهم.

نشر النص كما سبق وذكرنا في صحيفة مكور ريشون اليمينية، التي لم تكن موجودة زمن أوسلو، بل ظهرت لاحقا كرد من اليمين الصهيوني على ما وصفه استئثار حكومة رابين ثم بيرس بوسائل الإعلام وعدم وجود وسائل إعلام تطرح وجهة نظر اليمين والاستيطان.

هذا النص الذي يكتبه يميني دموي متطرف وإرهابي استيطاني معروف، هو دليل دامغ على التزييف الصهيوني وخداع الفلسطينيين، أو بعضهم الذين صُوّر لهم أنهم "انتصروا" فعلا، وحققوا إنجازا، بينما الحقيقة الدامغة أن هذا الاتفاق وكما وصفه رابين "أكبر نصر للصهيونية"، إذ ببساطة اعترفت منظمة التحرير الفلسطينية بالكيان الصهيوني، مع ما في هذا من اعتراف بحقوق للمستوطنين الذين غزوا بلادنا وشردوا أهلنا ودمروا مدننا وهودوها، مقابل فتات ليس أهمه اعتراف تافه بالمنظمة كممثل منوط به التحدث باسم الفلسطينيين.

نقدم هذا النص مع تعليقاتنا عليه حيث كان ضروريا وقد وضعت التعليقات التحريرية بين قوسين [..]، وبالطبع يجب الانتباه إلى أن هذه إحدى القصص الصهيونية عن أوسلو، ولكنها تمثل اليمين بالذات، ولا تقل قصة اليسار الصهيوني كذبا وتزييفا، يبقى أننا كفلسطينيين للأسف ما زلنا بعيدين نسبيا عن تناول هذه التفاصيل وحقائقها، ولكن معرفة ما يقوله العدو، هي خطوة واحدة، وليس كل شيء، تجاه الفهم الأعمق لهذه السنوات.

الكاتب: حاجاي سيغال، رئيس تحرير مكور ريشون منذ 2014، إرهابي معروف، ولد لعضوين في الأرغون، وهو نفسه كان عضوا في الخلية الإرهابية المسماة "مترو الأنفاق" التي استهدفت رؤساء البلديات العرب عام 1976، عمل بعد سجنه مذيعا ورئيس تحرير الأخبار في القناة 7 قبل ترخيصها رسميا، ثم محررا في "نقطة" الاستيطانية، وكاتب عمود في معاريف، ويديعوت وله عدة كتب]

الفصل الرابع:

استقبل الجيش "الإسرائيلي"، الذراع التنفيذي الرئيسي لاتفاقات أوسلو، الأمر بعين الشك في البداية حيث لم يكن مطلعا على المفاوضات التي سبقت التوقيع، وكان مترددا في قبول الواقع الأمني ​​الجديد الذي يملى عليه من قبل القيادة السياسية، وكانت الاستجابة الأولية من نائب رئيس الأركان أمنون ليبكين شاحاك، تبدو وكأنها تحديا للحقيقة: "الوضع اليوم (الأقاليم) مريح بالنسبة لنا ونحن يمكن أن نصل إلى أي نقطة في الوقت المناسب، أي مكان لأننا لا ننسق (مع الفلسطينيين)، ونحن نسيطر على كل نقطة على الأرض، بعض من هذه الأمور سوف تتغير، و الإرهاب سيستمر، ومكافحة الإرهاب ستكون مهمة معقدة وصعبة "، أيضا رئيس الأركان أيهود باراك كان لديه تحفظات، سرية وعامة، لكن على طول الطريق، تحالف جيش الدفاع الإسرائيلي مع التعليمات.

اجتاح تفاؤل القيادة الإسرائيلية المجتمع الدولي الذي أعرب عن اعتقاده أن اتفاقيات أوسلو تنذر بنهاية المشروع الاستيطاني والإلغاء بأثر رجعي لاحتلال حرب الأيام الستة، وفي خريف عام 1994 حصد الثلاثة جائزة نوبل عرفات، ورابين، وبيرس، كانت النية أن يتم تكريم عرفات ورابين فقط ولكن بيرس فرض ضغوطا هائلة على لجنة الجائزة ليحصل على مجدها.

لقد أعاد المعيار الدولي المعطى لاتفاقيات أوسلو تفاؤل مؤيدي العملية، كان عيد ميلاد راق لحفل التوقيع على إعلان المبادئ في البيت الأبيض قبل عام، وتعويض عن ما لا يوصف من المعاناة النفسية على الطريق، واحتجاجات مستمرة من اليمين وسفك الدماء. وقد وقع اختطاف ناخشون فاكسمان والهجوم الرهيب على الحافلة رقم 5 في تل أبيب بالقرب من ساحة ديزنغوف خلال الاستعدادات النفسية والتنظيمية للجائزة، وغادر وفد كبير إلى النرويج، برفقة اثنين من المطربين، أوفرا هزاع ويهورام غاون، وقد جهز مؤلف الأغاني "ثيلما إليجون روز"، غاون بكلمات قصيدة خاصة بعنوان "أيام المغفرة والرحمة"، والتي تم غناؤها في الحفل: "السلام سيأتي إلينا.

[يوم 11 تشرين أول/ أكتوبر 1994، وردا على مجزرة الحرم الإبراهيمي الشريف التي نفذها الإرهابي باروخ غولدشتاين، نفذت خلية من كتائب الشهيد عز الدين القسام عملية اختطاف الرقيب الصهيوني نحشون مردخاي فاكسمان، بهدف تنفيذ عملية تبادل للأسرى، وقد تم التخطيط للعملية من قبل المهندس الشهيد يحيى عياش، ومحمد الضيف والمهندس سعد الدين العرابيد، وانتهت العملية يوم 14 من الشهر ذاته بعد اقتحام وحدات صهيونية خاصة لمخبأ خلية الأسر في قرية بير نبالا جنوب رام الله، ولكن عملية تحريره فشلت، وقتل فاكسمان إضافة إلى قائد الهجوم الصهيوني نير بوراز قائد وحدة السيرت متكال التي شنت الهجوم، وجندي آخر، وجرح 22 جنديا، واستشهد ثلاثة من مجاهدي القسام هم حسن تيسير النتشة من الخليل، وعبد الكريم ياسين بدر من القدس، وصلاح حسن جاد الله من غزة. أما عملية الحافلة رقم 5، فنفذها الاستشهادي صالح عبد الرحيم صوي نزال، يوم 19 تشرين ثاني، نوفمبر 1994، في ساحة ديزنغوف في تل أبيب، وكانت نوعا من الرد على اغتيال خلية فاكسمان حيث قال الاستشهادي في بيانه المصور " تحدث الحقير "رابين" والحقير "باراك" بأنه لم يكن لديهما أي خيار إلا قتل الخلية التي حافظت على حياة الجندي المخطوف "نحشون فاكسمان" وعدم تلبية مطالبنا الإنسانية بالإفراج عن جميع الأسرى والمعتقلين" وأسفرت العملية عن مقتل 22 مستوطنا وجرح 47 وخسائر مادية قدرت بملايين الشواقل - المحرر].

بحسب العرف المعتاد، يقف الحاصلون على نوبل للسلام على شرفة فندق كارل يوهان قرب البرلمان، ليلوحوا للحشود، ووقف رابين وبيريس وعرفات معا على الشرفة، مبتسمين من الأذن إلى الأذن، وأبقت الشرطة المتاعب بعيدا وعلى حافة الشارع فقط، كان هناك مجموعة صغيرة من المتظاهرين، وكان بينهم النرويجي البارز قورح كريستيانسن، أحد الأعضاء الخمسة في لجنة الجائزة، الذي أعلن غضبه على منح الجائزة لعرفات واستقال بصخب، في حادثة هي الأولى من نوعها، بعدها بأربع سنوات قال في مقابلة صحفية “أنا لست بطلا، لم أتمكن من النظر إلى المرآة أكثر إذا واصلت كوني عضوا في اللجنة التي تمنح جائزة لعرفات ".

في ذلك اليوم قطع بيريس الميدان ليتحدث مع المتظاهرين الذين جاؤوا من إسرائيل للاحتجاج، ولم يهرب بيرس بحراسة رجال الأمن، بل كان شجاعا وذهب للتحدث مع خصومه. رئيس وفد المتظاهرين، مئير اندور سلم على بيريس وقال له “سيسجل التاريخ أن الشعب اليهودي يعارض الحفل المذل، ويشهد ضحايا الإرهاب وأسرهم، الذين جاءوا إلى هنا ليقولوا لك: لا تدع الإرهاب يكافأ على أفعاله". رد بيريس على أم أحد قتلى العفولة: "ربما سقط قتلى منذ توقيع الاتفاق ولكن منظمة التحرير توقفت عن الإرهاب مشكلتنا اليوم مع حماس"، ورد والد لقتيل آخر "إذن عرفات لا يمثل الشعب الفلسطيني بأكمله، إنه يمثل منظمة التحرير الفلسطينية فقط؟" فقال بيريس "صحيح، لكن أولاً، كل الشعب الفلسطيني كان ضدنا، والآن جزء فقط".

وبعد شهر من نهاية المهرجان في الدول الاسكندنافية، قتلت عوفرا فيليكس برصاصة في الرأس قرب بيت إيل التي كان والداها من بين المجموعة الأولى من المستوطنين في الخليل، كانت سابقا قد شهدت ما حدث لوالدها مناحيم فيليكس، الذي تظاهر يوميا قبالة منزل الحاخام عوفاديا يوسف في القدس احتجاجا على دعم شاس لاتفاقات أوسلو وبقي هناك بشكل مستمر كل يوم، حتى تعرض لهجوم وضرب مبرح من قبل أتباع الحاخام يوسف وفي حفل أقيم بعد مقتلها بثلاثين يوم عقد في تقاطع يهودا والسامرة (الضفة الغربية) بمشاركة رئيس الوزراء السابق اسحق شامير، حث الأب الحاضرين على مواصلة احتجاجاتهم على عملية أوسلو ونقل الضفة الغربية لعرفات.

لم يكن نداء مناحيم فيلكس صرخة في الريح، فقد كان احتجاج اليمين ضد العملية قوياً بالفعل، واستغرق الأسبوع بعد أسبوع في تخطيط جغرافي واسع، كانت الاحتجاجات تتمركز في جميع أنحاء البلاد تقريبا، ومن وقت لآخر عقدت مسيرات كبيرة في القدس أو في تل أبيب، ونشأ معسكر خيام يميني في المنطقة الفارغة (بين الحين والآخر) بين الجامعة العبرية ومكتب رئيس الوزراء، وقالت اللافتات التي علقت هناك "ليس هذا هو السلام"، "لا تعطوهم البنادق"، "ليس لدى رابين أي تفويض". في أحد الأيام داهمت الشرطة المعسكر وصادرت لافتة ضخمة كتب فيها "الشعب اليهودي ضد حكومة الأقلية".

استاء رئيس الوزراء من ذلك الأسبوع: "لماذا فقط شبابهم يتظاهرون، أين شبابنا؟" فقط أعضاء في "مجلس السلام والأمن" من كبار ضباط الاحتياط، ومقاتلي الحروب السابقة قفوا إلى جانب مئات الالتماسات التي نشرت في الصحف ووسائل الإعلام والمقابلات التي عملت على إقناع الجمهور بأن منطق اتفاقات أوسلو قوي، ذهبوا من أستوديو إلى آخر ومن مدينة إلى أخرى للدفاع عن الاتفاق والإجابة على الأسئلة الصعبة.

في وثيقة أرشيفية بعنوان "مخطط لمحاضرة عن الاتفاقات الأمنية والسلام "، وجدت هذا الصيف وأعدت في عام 1994 تطرح أسئلة مثل "ماذا نفعل إذا بدأ الفلسطينيون إطلاق صواريخ الكاتيوشا، والإجابة: مثل هذا الفعل يشكل خرقا للعقد، وبالتالي يمكننا ممارسة حق الدفاع".

عبر رابين نفسه عن ثقته في عدم وجود صواريخ كاتيوشا على الإطلاق، وقال إن الكاتيوشا هي قصة رعب ليكودية مألوفة" و "بعد كل شيء، وعدونا بكاتيوشا من غزة منذ عام الآن، وخلال السنة الماضية كان قطاع غزة تحت سلطة السلطة الفلسطينية إلى حد كبير، ولم يكن هناك كاتيوشا ولن يكون هناك صواريخ كاتيوشا"، وأضاف " "السيد رئيس مجلس النواب، نحن مقتنعون بأننا نخدم الحاجات الحقيقية للشعب اليهودي، الذي نتوقعه مع المستقبل، أن المستقبل لا يصنع فقط من اللون الأسود والأحمر العسكري. أعتقد أن جميع أنبياء الغضب الذين يرون الدماء والرعب والكراهية والعجز وقلة التغيير لا يفهمون أن التاريخ يتصرف ليس فقط بموجب قانون التكرار، ولكن أيضًا بموجب قانون التجديد نفسه في غزة، هناك دعم قليل جداً لحماس، لقد كنت في غزة عدة مرات، فتحت الكثير من المطاعم والمقاهي وخرجت النساء إلى الشوارع، وشعرت بجو من الحرية والتفاؤل".

لكن، طغى استمرار موجة الهجمات على تفاؤل الحكومة: فقد قُتل 21 جنديًا ومدنيًا في تفجير مزدوج في بيت ليد، و قتل ثمانية جنود آخرين في هجوم بالحافلة قرب كفار داروم، و تسلل مفجر الحافلة رقم 20 في رامات غان وفجر نفسه وقتل ستة ركاب وأصيب 31، وزعم المتحدثون باسم الحكومة مرارًا أنه حتى قبل أوسلو سفك الدم، و نسوا أن أوسلو كانت تهدف إلى تحسين الوضع، وليس للحفاظ عليه، وقد دفعت الحكومة الإسرائيلية الأمنية ثمنا باهظاً، ولكن كلما مرت الأيام تبين تغير وجهة نظر الجمهور ووسائل الإعلام تجاه عرفات، الذي استمر في إثارة الكراهية والتحريض على العنف، لم يكن هناك شك في أن عرفات لم يكن يراقب الهجمات الإرهابية فقط، بل كان يشجعها أيضاً.

[الهجوم الاستشهادي المزدوج في بيت ليد يوم 22 كانون ثاني /يناير 1995: نفذها الاستشهاديان أنور سكر وصلاح شاكر من الجهاد الإسلامي، في حشد من الجنود الصهاينة أفي مفترق بيت ليد في نتانيا، قتل في العملية 19 جنديا صهيونيا وجرح 62 آخرين.

أما عملية كفار داروم فنفذها يوم 9 نيسان /أبريل المجاهد الاستشهادي خالد الخطيب من الجهاد الإسلامي، حيث صدم بسيارته المفخخة حافلة جنود صهاينة ضمن موكب كبير، وقتل 10 جنود وجرح 40 باعتراف الجيش الصهيوني. أما عملية الحافلة رقم 20 في رامات غان، يوم 24 تموز/يوليو 1995، نفذها الاستشهادي لبيب قاسم – المحرر]

ومع ذلك، قررت الحكومة الإسرائيلية المضي قدمًا إلى المرحلة التالية من عملية أوسلو - اتفاق أوسلو الثاني. وهدد حزب ميرتس برئاسة شولاميت ألوني ويوسي ساريد بالانسحاب من الائتلاف إذا توقفت العملية واستسلم رابين للضغط، وقال انه لن يصغي للرئيس عيزر وايزمان، الذي كان واحدا من الدعاة الأوائل في البلاد للتفاوض مع عرفات، ولكن بعد تفجير حافلة مدرسية قرب القدس نتح عنها (5 قتلى و107 جريح) دعا الحكومة إلى تجميد المحادثات مع الفلسطينيين.

وزاد اليمين من حدة المظاهرات ضد الحكومة، وأضرب اليمينيان أريئيل شارون من الليكود و رحبعام زئيفي من موليديت عن الطعام في حديقة الورود في القدس، وقطعت حركة زيو اريتزينيو برئاسة موشيه فيغلين والحاخام بيني أيلون، عشرات الطرق والتقاطعات لمدة ساعة تقريبا، وقامت وزيرة الاتصالات شولاميت ألوني، التي تعتبر حتى يومنا هذا رائدة الحقوق المدنية في إسرائيل، بحجب بث سفينة القناة 7، بينما كانت راسية في ميناء أسدود للتجديدات. بالطبع، كان السبب الرسمي في هذه الخطوة قانونيًا - حيث لم تكن القناة السابعة تحمل رخصة البث - ولكن حتى مؤيدي الحكومة وجدوا صعوبة في تصديقها. وكتب المعلق القانوني موشيه نيجبي "من المفترض أن تبدي حكومة ديمقراطية أقصى درجات ضبط النفس تجاه وسائل الإعلام المعارضة". من ناحية أخرى، أوضح شاريت، كاتب عمود كبير في صحيفة هآرتس، أن "القناة السابعة لم تعد وسيلة للتواصل مع وجهات نظر سياسية مختلفة".

بعد أيام قليلة تم استئناف البث، كانت محطة البث التي كانت تتأرجح على الأمواج هي المنفذ الإعلامي الوحيد الذي نفذ جدول أعمال منظم ضد التوقيع على اتفاقية أوسلو الثانية. في البرنامج الأسبوعي المحصن جدا لأدير زيك، تم الهجوم على هذا الاتفاق، ووصف زيك “سيكورت" الحكومة بأنها "عائق"،   لكن الحكومة، بتشجيع من وسائل الإعلام، لم تتوقف، واكتشفت خلال شهر آذار/ مارس 1994 بأن رئيس الوزراء رابين ظهر في طبعات ويوميات الأسبوع 17 مرة أكثر من زعيم المعارضة نتانياهو، 35 دقيقة و 20 ثانية، مقابل دقيقتين و 4 ثوان. حيث قلق إعلام الحكومة من تراجع شعبية رابين وحاول التعتيم على نتنياهو كخليفة محتمل.

الفصل الخامس:

في بداية شهر تشرين أول/أكتوبر، و نهاية أيلول/ سبتمبر 1995، أقيم احتفال مرة أخرى في البيت الأبيض، وتم إطلاق اتفاقية أوسلو 2 وأوضح رابين أمام الكنيست: "لا يمكننا الاستمرار في القتل ولكن يمكننا محاولة وقف دوامة سفك الدماء، و يمكن أيضا إعطاء فرصة للسلام، قررت هذه الحكومة إعطاء فرصة للسلام ".

هذه المرة تم تمرير الاتفاقية في الكنيست بصعوبة بالغة، حيث انضم شاس إلى المعارضين، فضلا عن اثنين من حزب العمل من أعضاء الكنيست، إيمانويل زيسمان وافيغدور كهلاني،  لم يعبروا إلى الجانب الآخر بسبب فوائد سياسية، بل تخلوا عن الحزب بسبب خيبة أمل من طريقة تطبيق اتفاق أوسلو الأول، وخوفا من أن الحكومة تعتزم التخلي عن القدس الشرقية من ناحية أخرى، بالمقابل عبر إلى الجهة الأخرى أليكس جولدفارب وجونين سيجف مقابل منافع سياسية حيث أصبح سيجف وزيرا وتمت رشوة جولدفارب بمنصب نائب وزير وسيارة ميتسوبيشي، وأصبح رمزا للفساد السياسي، ووصمة عار كبيرة على نوعية الديمقراطية التي استندت إليها الموافقة على عملية أوسلو.

هاجم وايزمان مرة أخرى وقال "59 معارضا ضد 61 من المؤيدين – وهذه هي الأغلبية؟ لو لم يحصل جولد فارب على ميتسوبيشي، فإن الاتفاق كان سيرفض".

كما كثف اليمين هجماته الكلامية على الحكومة، ولم يختر الكلمات، ومصطلح "الخائن" تم لصقه مراراً وتكراراً برئيس الوزراء. في المسيرة في ساحة "صهيون"، هتف الكثير من الجمهور "بالدم والنار، سنطرد رابين". رفع المتظاهر الشاب أفيشاي رفيف ملصقًا صغيرًا لرابين في زي SS ولفت الكثير من اهتمام وسائل الإعلام، لم يكن أحد يعرف أنه عميل في جهاز الأمن العام.

أغضب الخطاب القاسي في المظاهرات اليمينية اليسار، لكن الأهم من ذلك كله كان يعاني من انعدام توازن القوى في الساحات، كان لدى اليمين سيطرة تامة على الشارع وعلى الملصقات على السيارات والبرامج الإذاعية مع المستمعين، وكتب ناحوم بارنياع مقالا في صحيفة يديعوت أحرونوت، قبل ثلاثة أسابيع من اغتيال رابين. ووصف رئيس الوزراء بأنه جنرال بدون جنود، وأضاف إن "الجو في الشارع مهم في صناديق الاقتراع"، وفي محاولة لتحقيق التوازن نظم عمدة تل أبيب السابق شلومو لاهات مسيرة حاشدة لدعم السلام، في الإعلانات الضخمة في الصحف، لم يظهر سوى المطربين الذين شاركوا في الحدث، وليس السياسيين. "تعال وغن معنا في مسيرة السلام - بمشاركة أفضل الفنانين"، كما قال الإعلان، تم تعبئة جهاز حزب العمل بأكمله في المجالس البلدية والعمالية من أجل النقل المجاني إلى الساحة.

سألت شلومو لاهات في مقابلة على القناة السابعة قبل يومين من المسيرة: "ماذا نتمنى لك؟" وقال "سننجح وستأتي عشرات الآلاف". تمنيت له النجاح،  و ليلة السبت ذهبت إلى ساحة ملوك إسرائيل  في تل أبيب لمعرفة ما إذا كان عشرات الآلاف قد وصلوا، في رأيي، كان هناك ما لا يقل عن عشرات الآلاف، بدأ العدد من 5000 وانتهى بـ خمسين ألفا  كما يبدو، في النهاية، قاموا بغناء "شير لاشالوم" باللغتين العبرية والعربية، وتفرقوا إلى منازلهم،  أنا وزميلي كوبي سيلا أيضا تفرقنا معهم، وعلى  مشارف جوش دان سمعنا في الراديو أن شخصا ما أطلق النار على رابين.

القاتل، يغئال أمير، أخبر المحققين أنه يريد إيقاف اتفاقات أوسلو، في الواقع لم يوقفها، بل حثها على التقدم،  أحد الآثار الجانبية للحادث المروع في الميدان كان بتر الاحتجاجات اليمينية ضد الاتفاقات،  توقفت بالكامل تقريبا في الأشهر التي تلت ذلك وقد تم اتهام اليمين بأكمله بقتل رئيس الوزراء، وقد وقع في حالة دفاعية وخفض رأسه طوال فصل الشتاء، لم يعد هناك معارضة حقيقية لعملية أوسلو"، السلام انتقاما لدمه"، هكذا أصبح شعار  محبي رابين، ألصقوه على سياراتهم  وفورا بعد مضى أسبوع من الحداد بدأ تنفيذ أوسلو 2 وتسليم نابلس ورام الله وبيت لحم وغيرها من مدن يهودا والسامرة،  أعطيت واحدة  تلو الآخرى للسلطة الفلسطينية، تم رفض الانسحاب من الخليل فقط بسبب تعقيدها الفريد.

لفترة من الوقت، كانت جبهة الإرهاب هادئة أيضًا، قرر رئيس الوزراء الجديد، شمعون بيريز، الاستفادة من الصمت و التعاطف مع الحكومة اليسارية المتجددة بعد اغتيال رابين، بتقديم موعد الانتخابات لمدة ستة أشهر وتوقعت الاستطلاعات انتصارا ساحقا لليكود،  ولكن انتصر العمل وقال بيريز للأمة "الاتفاق مع الفلسطينيين تم تسويته بشكل مناسب". "من فعل ذلك سرا أو متلعثما عرف في قلبه أن هذه هي الخطة السياسية الوحيدة التي كانت حقيقية وعملية وأنها يمكن أن تحقق الأمن والسلام".

بعد أسبوعين من خطاب النصر،  في تفجير انتحاري على حافلة رقم 18 في القدس، قتل 26 راكبًا [نفذها الاستشهادي القسامي مجدي محمد أبو وردة من مخيم الفوار جنوب الخليل،  يوم 25 شباط/فبراير 1996] وبعد أسبوع آخر، انفجر إرهابي آخر على نفس الخط، مما أسفر عن مقتل 19 شخصًا. وفي اليوم التالي، قُتل 13 إسرائيلياً آخر عندما فجر إرهابي نفسه عند ممر للمشاة بالقرب من مركز ديزنغوف في تل.

مع انجراف الرأي العام مرة أخرى إلى اليمين تعمق تعزيز التنسيق مع عرفات، وفي وقت لاحق علمت أن يوم 21 كانون أول/ ديسمبر عام 1995، وهو بعد شهر ونصف الشهر من قدوم رئيس السلطة الفلسطينية إلى تل أبيب لمواساة أرملة اسحق رابين، اجتمع ممثلو عرفات مع مسؤولي حماس في القاهرة واتفقوا على أن حماس ستكون قادرة على استئناف الهجمات الإرهابية، طالما يتم تطبيقها بدون أن تتمكن إسرائيل من إلقاء المسؤولية على السلطة الفلسطينية، على سبيل المثال، إذا قامت حماس بتنفيذها خارج حدود السلطة الفلسطينية، وممثل السلطة الفلسطينية في هذه الاتصالات كان سليم زعنون، رئيس المجلس الوطني الفلسطيني والمقرب من ياسر عرفات ، و ممثل حماس كان خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي.

عرف الجمهور الإسرائيلي عن هذا الاتفاق بعد بضعة أشهر فقط، لكنه خمّن وجوده، واصلت أسهم أوسلو الهبوط، بينما ارتفعت أسهم بنيامين نتنياهو، و تتضمن الوثيقة الرسمية لعام 1996 لوزارة الخارجية نسخة من مقابلة تلفزيونية مع رئيس الوزراء شمعون بيريس يوم القتل الجماعي في مركز ديزنغوف،  قيل له فيها "شاهدنا كيف كنت أمس عندما قمت بزيارة موقع الهجوم في القدس، وهذا ما حدث في المساء، عندما تلقيت نبأ الهجوم الذي وقع في تل أبيب لا نرى الحزن عليك أنت لا تتحرك، كيف يمكنك البقاء على قيد الحياة؟

في محاولة يائسة لإنقاذ بيريس من الانتخابات الخاسرة، نظم الرئيس كلينتون مؤتمراً دولياً للسلام على حافة شبه جزيرة سيناء، استجاب كل زعماء العالم المهم تقريبا وجميع القادة العرب له، وقفوا في حديقة واسعة في فندق موفينبيك شرم الشيخ لتقديم الدعم المعنوي لبيريس، بدا بيريس وكلينتون سعيدين، وراح عرفات يمشي متبخترا مثل الطاووس الفخور.

على الرغم من قمة شرم الشيخ، فإن صدمة الحافلة التي تم تفجيرها في الخط 18 قربت أخيراً موعد الانتخابات، و حملت حملة نتنياهو الحكيمة تحذيرًا من أن "بيريس سيقسم القدس"، ولكن أيضًا التزامًا بعدم انتهاك اتفاقات أوسلو إذا فاز الليكود بالانتخابات،  على اليمين، افترضوا أن هذا كان تعهداً غير مجد للأغراض المضللة للناخبين المترددين، خصوصاً بعد أن وعد نتنياهو بأنه لن ينقل الخليل لأيدي الفلسطينيين بأي حال من الأحوال.

اليمين واليسار، تقاسما الفرح والحزن، لأن عملية أوسلو انتهت. لطالما فكر بيني بيغين في هذه العملية بـ "دجاج كسول يركض في الفناء ورأسه إلى أسفل".

لكن نتنياهو جاد، لم تمت دجاجة اوسلو بهذه السرعة، في غضون أسابيع، التقى رئيس الوزراء اليميني الجديد مع ياسر عرفات، ربما لم يكن لديه خيار، فقد ورطت اتفاقيات أوسلو ليس فقط الموقعين عليها، ولكن أيضا ورثتهم وورثتهم، كان من الصعب جدا إلغاءها بعد أن شارك العديد من العناصر الدولية في إنشائها،  البيت الأبيض، قصر الإليزية، 10 داونينغ ستريت والكرملين،  قادة لم يكن ليقبلوا إعلانًا إسرائيليًا بإبعاد عرفات من رام الله إلى تونس، كانت الأعداد المتزايدة من الضحايا على الجانب الإسرائيلي ومجموعة من الأدلة حول تورط "رجال الشرطة" في الهجمات الإرهابية الفلسطينية تحت عيون العالم ليست سببا كافيا لخرق اتفاق وقعه ثلاثة توجوا بجائزة نوبل للسلام حيث أصبحت عملية أوسلو رمزا من الرموز تحت رعايتها جرت موجة ضخمة من سرقة السيارات،  وبالتأكيد كانت هناك أسباب لذلك.

في عام 1997، سُرقت 000 43 سيارة في إسرائيل، مقارنة بـ 000 21 سيارة في عام 1992، أي العام الذي سبق العملية، و معظم السيارات المسروقة شقت طريقها إلى منطقة الحكم الذاتي،  وقد بيع بعضها بأرخص الأسعار في الضفة الغربية وقطاع غزة، حتى أن أكثرها رقياً نقل إلى كبار مسؤولي السلطة الفلسطينية، وعندما كان ضابط أو نائب مدير يريد سيارة ميتسوبيشي أو لاند روفر، لخدمته. كانت عصابات عرفات تذهب إلى حقول الصيد في رامات أفيف، كريات جات، أو حيفا، في غضون أيام قليلة، يكون لدى الضابط أو نائب المدير العام سيارة جديدة، وكان مدى تورط السلطة في سرقة السيارات كبيرا جدا،  وقد برهن صديق سابق لي، شلومو لاهات، على ذلك عندما استخدم صداقته مع أحمد الطيبي لاسترداد سيارة فولفو كانت قد سرقت منه أثناء وقوفه في موقف سيارات في تل أبيب، ولم يشعر بالحرج، للعمل لاستعادة السيارة،  رداً على سؤال تلفزيوني مثير حول هذه المسألة، انفجر الطيبي بضحكة وأجاب: "ما الذي لا تفعله مع الأصدقاء؟" كانت اتفاقيات أوسلو، من منظور فلسطيني، صفقة سيارات رائعة.

من أول لقاء له مع نتنياهو، كان عرفات غاضبًا، كان يخشى من أن رئيس الوزراء الجديد كان يستعد لتشديد مواقف إسرائيل بروح شعاره: "سيعطون، سيقبلون، لن يعطوا، لن يقبلوا"، وقرر إظهار القوة، الحجة الزائفة التي اختارها هي قرار نتنياهو بشأن نفق الجدار الغربي في القدس وهو قرار لا علاقة له باتفاقات أوسلو، وبالتأكيد لم ينتهكها.