Menu
حضارة

المرأة الفلسطينية وحركة الترجمة

د. سهام أبو العمرين

لم تكن المرأة الفلسطينية مغيبة عن المشهد الثقافي والترجمي منذ باكورة النهضة، ولكن يلاحظ  قلة مشاركة المرأة في هذه المرحلة المبكرة مقارنة بالمترجمين الرجال وهذا الأمر يرجع للشأن الثقافي والاجتماعي العام الذي مارس قيودًا حدّت من مشاركة المرأة الفاعلة في المجال المعرفي، فضلا عن انعزالية المرأة وعدم نيلها قدرًا من التعليم يؤهلها للمشاركة في صناعة الثقافة.

ويمكن أن نتتبع إسهامات المرأة الفلسطينية في الحقل الترجمي زمنيًّا من خلال رصد مشاركاتها عبر ثلاث مراحل على النحو الآتي:

أولًا- مرحلة الريادة/ مرحلة ما قبل النكبة:

وهى مرحلة بناء النهضة في المجال الأدبي والثقافي، والتي يمكن تحديدها زمنيًّا من أواخر القرن التاسع عشر حتى قبيل عام 1948، وقد ظهرت في هذه المرحلة المبكرة أوائل القرن العشرين ثلاث مترجمات كان لهن دور كبير في مسيرة الترجمة الفلسطينية وقد سرن جنبًا إلى جنب بجانب المترجمين الرجال حتى ذاع صيتهن، لما بذلنه من جهود حثيثة خدمت حركة الترجمة، وهن: كلثوم نصر عودة التي عرفت بكلثوم فاسيليفا، وأسمى طوبي، وعنبرة سلام الخالدي، وثلاثتهن من الناصرة.

درست  كلثوم نصر عودة فاسيليفا (1892- 1965) في المدرسة المسكوبية، وتخرجت من المدرسة الروسية للبنات في بيت جالا 1908، تتلمذت على يد الأستاذين خليل السكاكيني وخليل بيدس ، في عام 1924 التقت كلثوم عودة في لينيغراد المستشرق الروسي إغناطيوس كراتشكوفسكي"، الذي كان على معرفة بها وبزوجها "إيفان فاسيليف" منذ عام 1910 في فلسطين، ودعاها لتدرس مادة اللغة العربية بكلية اللغات الشرقية الحية في لينينغراد([1])، وقد حصلت على لقب "بروفيسورة" عام 1928، بعد أن وضعت أطروحة حول اللهجات العربية. عملت بمعهد الفلسفة واللغة والتاريخ في لينينغراد عام 1933، ثم انتقلت للعمل بمعهد الاستشراق بموسكو 1934، ثم أسند لها العديد من المهام في معهد العلاقات الدولية، ثم أصبحت أستاذة للغة العربية بكلية اللغات الشرقية بمدينة سانت بطرسبرغ حتى عام 1941، وتركت بصمات واضحة على علم الاستشرق السوفيتي([2])، وقد أسهمت بشكل خاص في دراسة اللهجات الفلسطينية والتقاليد العربية من وجهة نظر سوسيولوجية، تراوح عملها بين تأليف وجمع وترجمة ودراسات، ولها مساهمات في تاريخ الأدب العربي، ولغة المسرح، والأدب المقارن.

قامت بالترجمة من اللغة الروسية وإليها، ترجمت للغة العربية عن الروسية كتاب "أغناطيوس كراتشوفسكي"، "حياة الشيخ محمد بن عياد الطنطاوي"([3]) (منشور عام 1929)، كذلك ترجمت للمؤلف ذاته كتاب "حضارة العرب في الأندلس: دراسات في تاريخ الأدب العربي" وقد نشره المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب، بالقاهرة، عام 1964، كما ترجمت للغة الروسية كتاب "الأرض واليد والماء" لمؤلفه العراقي "ذي النون أيوب"([4]).

كما انتخبت كلثوم عودة بعض الحكايات الموضوعة على لسان الحيوانات، ومقاطع من مذكرات التنويري "قاسم أمين" (1865- 1908) أعدتها لطلابها بالسنة الأولى بجامعة لينينغراد، وتحتوي مجموعة من الكلمات العربية مترجمة إلى اللغة الروسية ومرتبة حسب أحرف الهجاء، وقد صدرت هذه "المنتخبات الأولية" عام 1926 في لينينغراد، ثم أصدرت بعد سنتين منتخبات مخصصة للأدب العربي، وهي المنتخبات العصرية لدروس الآداب العربية (1880-1925)، وما يميز هذه المنتخبات أنها تناولت لأول مرة بالدرس العلمي أكثر من أربعين مُؤَلفًا من النثر الفني والأدب الصحافي للرعيل الأول من الأدباء العرب البارزين، منهم أديب اسحق، وجورجي زيدان، وأمين الريحاني، وجبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة، ومحمود تيمور، وغيرهم.

ثم أصدر معهد الاستشراق بلينينغراد كتاب "تعليم اللغة العربية" لكلثوم عودة، ضمّن فيه بعض المقاطع  التي ترجمتها لمؤلفات الأديب أمين الريحاني([5]) في وصف الحياة الاجتماعية في الجزيرة العربية، وألحقت في طبعات تالية بعض أجزاء من أعمال مؤلفين مختلفين كطه حسين، وتوفيق الحكيم، وإبراهيم المازني، وتميزت هذه المنتخبات بثراء مادتها الأدبية.

تقلدت عدة أوسمة منها وسام الصداقة بين الشعوب، وهو أرفع وسام تمنحه السلطات السوفيتية لشخصيات ترسخ العلاقات مع الشعوب الأخرى، كما منحت وسام الشرف تقديرًا لجهودها في ميدان التقارب العربي الروسي، وأحرزت الميدالية الذهبية مرتين على جهودها في مسابقة لأحسن ما كتب في السيرة الشخصية، كما منح اسمها وسام القدس للثقافة والفنون، من منظمة التحرير الفلسطينية عام1990([6]).

كما تعد أسمى طوبي (1905-1983) من المترجمات اللائي تركن بصمة واضحة في تاريخ الترجمة الفلسطينية، ولدت في الناصرة، وتلقت تعليمها في مدرسة التبشير الإنجليزية بمدينة الناصرة، وأتقنت اللغتين الإنجليزية واليونانية إلى جانب اللغة العربية؛ فقد درست القرآن الكريم لتتمكن من إتقان الكتابة باللغة العربية. وكان لنشأتها في بيئة أدبية أثرًا في ملكتها الثقافية، فبدأت الكتابة، شعراً ونثراً، وهي في الرابعة عشرة من عمرها، وأخذت تنشر نتاجها الأدبي في جريدة “فلسطين” قبل نكبة 1948م، كانت عضوة فاعلة في اتحاد المرأة في مدينة عكا من عام 1928 إلى عام 1948، كما كانت عضوة في جمعية الشابات المسيحيات، وتولت رئاسة جمعية الشابات الأرثوذكسيات، وقد عملت بالإذاعة، كما عملت بتحرير الصفحة النسائية بجريدة  فلسطين قبل عام 1948، فضلا على أنها تولت  رئاسة الاتحاد النسائي العربي في عكا أواخر الانتداب البريطاني على فلسطين. منحت وسام قسطنطين الأكبر اللبناني سنة 1973، كما منح اسمها وسام القدس للثقافة والفنون من منظمة التحرير الفلسطينية سنة 1990([7]).

ترجمت عن الإنجليزية رواية "الابن الضال" أو "على مذبح التضحية" من تأليف الكاتب الإنجليزي هول كير (1946)، و"الدنيا حكايات"، و" في الطريق معه" (1960)([8]).

وتأتي عنبرة سلام الخالدي (1908- 1986) لتكون ثالث الثلاثة في مرحلة الريادة التي كان لها دور كبير في الترجمة عن اللغة الإنجليزية، ولدت ببيروت، وتتلمذت على يد عبد الله بستاني وجوليا طعمة دمشقية ([9]).

 شاركت في خدمة الملاجئ والمصانع التي أقامتها الدولة العثمانية لرعاية الفقراء. وقد أسست عام 1914 م مع رفيقاتها جمعية "يقظة الفتاة العربية" وهي أول جمعية للفتيات المسلمات في العالم العربي، حيث كانت تقوم بالأعمال الخيرية بجانب إنشاء مدارس جديدة وإقامة حفلات شعرية وندوات ثقافية بالإضافة إلى ترأسها للنادي الاجتماعي للفتيات المسلمات، كما شاركت في تأسيس جمعية النهضة النسائية، سافرت إلى انجلترا ودرست اللغة الإنجليزية والآداب عام 1925([10]).

بذلت عنبرة الخالدي جهدًا كبيرًا لترجمة إلياذة هوميروس عن الإنجليزية، وكتب لها المقدمة الدكتور طه حسين، وصدرت في طبعتين، الطبعة الأولى أصدرتها دار المعارف بالقاهرة، عام 1947، والطبعة الثانية صدرت ببيروت عام 1974، كما ترجمت عنبرة الأوديسة لعام 1947، ثم طبعت طبعة ثانية ببيروت عام 1986، ثم ترجمت الإنيادة  لفيرجيل  1975 ثم طبعت طبعة ثانية عام 1978([11]).

ثانيا: مرحلة ما بعد النكبة وملامح التبلور:

هي مرحلة الشتات، فبعد نكبة 1948 تبدلت الأوضاع، وتشتت الكثير من الفلسطينيين في الأقطار العربية وفي بلدان أخرى من العالم، ويلاحظ أن الترجمة في هذه المرحلة، في معظمها، قد توجه لترجمة العلوم الإنسانية ولا سيما السياسية، فظهر اسم خيري حماد  وعمر الديراوي، كما ظهرت الترجمات في مجال التربية والاجتماع والفلسفة والحقوق، وفي المجال الأدبي والنقدي ظهرت ترجمات عدة لجبرا إبراهيم جبرا وإحسان عباس ومحمد يوسف نجم([12]). كما تجدر الإشارة إلى أنه منذ منتصف الستينيات بدأت حركة الترجمة عن اللغة العبرية في التبلور والظهور ثم تنامى الاهتمام الترجمي وتعددت موضاعاته فقد كادت تشمل شتى مناحي المعرفة من اقتصاد وعلم اجتماع وطب ورياضة وفن وعلوم عسكرية ودراسات أيديولوجية وتربوية، كما رافق ذلك تعدد مراكز النشر ابتداء من بيروت والقاهرة إلى دمشق وبغداد عمان، وقد ساهم القطاع العام مع الخاص في البلدان العربية بمهمة نشر المترجمات الفلسطينية، كما ظهرت دور نشر ذات طابع فلسطيني سواء من ناحية الإدارة والإشراف، أومن ناحية الاهتمام بالترجمات الخاصة بفلسطين وقضيتها، مثل مؤسسة الدراسات الفلسطينية 1963، ومركز الأبحاث التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية 1965، والمؤسسة العربية للدراسات والنشر 1969، ودار القدس، ودار الجليل، ودار الكرمل، ودار العودة، وغيرها([13]).

 ومع هذا التنامي ظلت مشكلة عدم خضوع العمل الترجمي الفلسطيني للتخطيط والتنظيم من قبل جهة مسئولة مشرفة، أو تنظيم مؤسسي يشرف على هذه الترجمات ويديرها، فهي جهود فردية، ولم تحدث أية فرصة لترتيبها وتنظيمها فضلا عن غياب التنسيق بين المترجمين والمترجمات في الداخل الفلسطيني أو في بلدان الشتات.

وقد وضع "حسام الخطيب" عدة مؤشرات عامة لحركة الترجمة الفلسطينية توضح ملامح تبلور الترجمة ولا سيما بعد ستينيات القرن العشرين في النقاط التالية([14]):

  • غزارة الإنتاج ورسوخ تقليد الاهتمام بالترجمة.
  • الارتباط بحركة الترجمة العربية وغياب أي تنظيم مشترك ذي طابع فلسطيني.
  • التنوع اللغوي إلى جانب التركيز على اللغة الإنجليزية.
  • التنوع المعرفي.
  • إسهام العلماء وأهل الاختصاص في أعمال الترجمة.
  • التخصص النسبي والإقبال على احتراف الترجمة.
  • الترجمة بالاتجاه المعاكس والتأليف باللغات الأجنبية.
  • الاهتمام بالتأليف اللغوي المعجمي.

وقد برزت في هذه الفترة عدة مترجمات تركن بصمات واضحة في العمل الترجمي ولا سيما الترجمة الأدبية، منهن سميرة عزام، ويسرة صلاح، سلمى الخضراء الجيوسي، وسلافة حجاوي.

تعد الكاتبة سميرة عزام 1927-1967 من الجيل الثاني؛ حيث أسهمت في الترجمة من اللغة الإنجليزية للعربية، ولدت بعكا وتلقت دراستها الابتدائية بالمدرسة الحكومية بعكا، ثم مدرسة الراهبات بحيفا، عملت بالتدريس في مدرسة الروم الأرذوثكس من العام 1943 حتى 1945، ثم أصبحت مديرة للمدرسة، درست اللغة الإنجليزية دراسة ذاتية حتى أتقنتها وتابعت دراستها لها بالمراسلة، وتوزعت نشاطاتها بين الإذاعة والترجمة وكتابة القصة والصحافة، وبعد النكبة انتقلت عائلتها إلى لبنان ثم العراق؛ حيث عملت بالتدريس عامين، ثم رحلت إلى بيروت، وهناك بدأت تكتب وتترجم. بدأت سميرة عزام ترجماتها عام 1950 بكتاب "عشر قصص" لـ "سومسرت موم" ثم أكملت مسيرتها في الترجمة بعد تفرغها للعمل في مؤسسة "فرانكلين الأمريكية" للترجمة والنشر، وجميع ترجماتها كانت عن الإنجليزية، وهي على النحو التالي([15]):

  • سمرست موم، 10 قصص 1950.
  • برنارد شو، كانديدا، 1955.
  • بيريل بك، جناح النساء، 1956.
  • ببيريل بك، ريح الشرق وريح الغرب، 1958.
  • سنكلير لويس، أمريكي في أوربا، 1960(ترجمة مشتركة مع مروان الجابري).

ماري فرانك، لوراني فرانك، كيف تساعد أبناءك في المدرسة، 1960 (ترجمة مشتركة مع صبيحة عكاش فارس).

  • مختارات من قصص توماس وولف، 1960.
  • راي ب ويست، القصة القصيرة في أمريكا، 1961.
  • رانفورت روث، القصة الأمريكية القصيرة، 1962.
  • جون شتاينبك، حين فقدنا الرضا، 1962.
  •  كورنيلوس هيربسبرج ، رائد الثقافة العامة، 1963.
  • اديث وارتون، عصر البراءة، 1963.
  • أليس إيزابيل هيزلتن، حكايات الأبطال،1963.
  • وليم كفمان، فن التليفزيون، 1964.

يلاحظ  غلبة الترجمة الأدبية على أعمال "سميرة عزام" المترجمة، فضلا عن الثراء الكمي إذا ما قورن إنتاجها بأعمال قريناتها من المترجمات.

كما تمثل يسرة صلاح (1923- 1993) تحولاً كبيرًا في الحياة العلمية والثقافية بفلسطين و الأردن أواسط القرن العشرين، تخرجت يسرة في مدرسة الفرندز برام الله، وسارعت للالتحاق بكلية البنات ببيروت وتخرجت منها عام 1946، وفي أوائل الستينيات عملت يسرة مدرسة للغة الانجليزية في كلية النجاح الوطنية، وظلت علـى ذلك أربع سنوات، وبلـغ من اتقانها الإنجليزيـة أن عهـدت إليها وزارة التربيـة والتعليـم بتأليـف مقررات اللغة الإنجليزية لطلبـة المدارس في الضفتيـن، هي ومحمد العنـاني الأستاذ في الجامـعة الأردنيـة بالاشتراك مع Standard Allen وتوجهت لهذا الغـرض إلى لنـدن عام 1967، ولها عدة ترجمات من اللغة الإنجليزية وإليها، على النحو التالي([16]):

  1. مجموعة قصصية نشرتها جمعيـة الدراسـات العربيـة في القدس سنـة 1984.
  2. مذكرات موشيه شاريت لليفيا روكاخ، وقد نشر عام 1984 وخصص ريعه لطلبة جامعة النجاح الوطنية
  3. عدة قصائد لفدوى طوقان، ترجمتها للإنجليزية تحت اسم   Daily nightmaresوقد نشرت بنيويورك عام 1988.

كما شاركت سلمى الخضراء الجيوسي (1928) الناقدة والمحاضرة بجامعة ميتشغان في مجال الترجمة من اللغة الإنجليزية للعربية منذ حقبة الستينيات وتدور إسهاماتها حول الحقل الأدبي والنقدي، على النحو التالي([17]):

  • رالف بارتون بري، إنسانية الإنسان،1960.
  • لورانس داريل، جوستين، 1961.
  • لويس بوجان، الشعر، 1961.
  • إيرسكن كالدويل، هكذا خلقت جيني، 1961.
  • لوريس داريل، بالتازار، 1962.
  • ريتشارد تشيس،  والت وينمان، 1960.
  • أرشيلد مكليش، الشعر والتجربة، 1963.

كما أسهمت كذلك سلافة حجاوي (مواليد نابلس 1934) بعدة ترجمات من اللغة الإنجليزية، وقد نالت درجة البكالوريوس في الأدب الإنجليزي من جامعة بغداد عام 1956، وعملت سنوات طويلة في العراق مترجمة، ثم باحثة في مركز الدراسات الفلسطينية، ثم محاضرة في كلية العلوم السياسية بعد حصولها على درجة الماجستير في العلوم السياسية عام 1983.

توزعت الترجمة عند سلافة حجاوي على مجالات مختلفة، منها الأدب والنقد والسياسة، على النحو التالي([18]):

  • لوركا قيثارة غرناطة (شعر، ومسرحية، ورسوم)، (ترجمة بالاشتراك مع كاظم جواد)، 1957.
  • سي. م. باورا، الترجمة الخلاقة، 1982.
  • كاترين ستيمبسون، ما هو النقد؟، 1989.
  •  كازومي بوموتو، الأصدقاء، 2009.
  •  غابرييل بيتربرغ،  المفاهيم الصهيونية للعودة، أساطير وسياسات ودراسات إسرائيلية، رام الله، المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية، مدار،  2009.

وقد ترجمت للإنجليزية عددًا من القصائد لأوائل شعراء المقاومة الفلسطينية داخل الأرض المحتلة عام 1968.

ثالثًا- مرحلة ما بعد الثمانينات:

تعد فترة الثمانينيات مرحلة خصبة في الترجمة النسائية، فقد تشعبت وتنامت المجهودات وانتظمت في اتجاهين، اتجاه ينقل من اللغة الإنجليزية بشكل محوري ومكثف للعربية، وإن لم تخضع هذه الترجمات للتنظيم أو الرعاية المؤسسية فمعظم الإنتاج جهود فردية لمترجِمات يعشن غالبًا بالدول الغربية، واتجاه معاكس ينقل ويترجم روائع الأدب العربي القديم والحديث للغة الإنجليزية، وقد تمثل ذلك في المشروع الضخم الذي أدارته "سلمى الخضراء الجيوسى" المعروف بمشروع بروتا، ولكن تجدر الإشارة أن الترجمة المعاكسة بدأت مبكرًا قبل مشروع بروتا" على يد مجموعة من الفلسطينيين الذين كانت لهم إسهامات في نقل إرثهم الفكري والتراثي للعالم الغربي بدءًا بإسهامات روحي الخالدي (1864-1913) رائد الأدب العربي المقارن، ثم تتابع نشاط الفلسطينيين بعد ذلك في بريطانيا وألمانيا وروسيا بإسهامات بندلي الجوزي (1871-1942) ، وكلثوم عودة، ونجيب عازوري (ت 1916)، ولذلك يمكن القول أن الترجمة المعاكسة لم تظهر متأخرة، وبهذا الشأن يقول حسام الخطيب: "يخطئ من يظن أن النشاط الفلسطيني في هذا المجال مقصور على مرحلة دون مرحلة، أو من يسارع إلى تفسير هذا النشاط الواسع بأنه نتاج تجربة الشتات التي تلت النكبتين الأولى 1948 والثانية 1967. إنه نشاط قديم برز مع حركة النهضة العربية وارتبط دائمًا بالمعركة المستمرة من أجل الدفاع عن الوجود العربي في فلسطين قوميًّا وحضاريًّا وسياسيًّا وبشريًّا"([19]).

وبالتالي يمكن أن نعدد أسماء من المترجِمات الفلسطينيات اللائي أسهمن في هذا الاتجاه الترجمي من العربية للغات الأخرى كإسهامات خارج مشروع "بروتا"، مثل "كلثوم عودة" في تجربتها لنقل بعص النصوص العربية كما مر بنا للروسية، وكذلك "أسمى طوبي" التي نقلت "أشعار سجناء أنصار" للإنجليزية عام 1989، ومساهمة "سلافة حجاوي" بترجمتي "شعر المقاومة داخل الأرض المحتلة" 1989، و"مجموعة قصائد الأرض المحتلة"1970 للإنجليزية([20]).

 مشروع بروتا والترجمة المعاكسة:

أسست الأستاذة الدكتورة سلمى الخضراء الجيوسي مشروعًا ثقافيّا ثريًّا كان له بالغ الأثر في إثراء حركة الترجمة المعاكسة من اللغة العربية إلى اللغة الإنجليزية، وهو مشروع بروتا (PROTA) والكلمة اختصار لـ Project of Translation from Arabic أي   مشروع الترجمة من اللغة العربية، الذي قامت من خلاله بتقديم  ببليوغرافية لسير وأعمال عدد غير قليل من الأدباء العرب، وعُنى بترجمة مختارات من الأدب العربي قديمه وحديثه  وتقديمه إلى العالم الأنجلوسكسوني لإثبات أن للأمة العربية تراثًا حضاريًّا من الإبداع؛ فقد هالها مقدار التجاهل والإهمال الذي يلقاه الأدب والثقافة العربية في العالم، وهذا ما أهلها للحصول على عدة جوائز منها وسام منظمة التحرير الفلسطينية عام 1990، والجائزة التكريمية التي يقدمها اتحاد المرأة الفلسطينية في أمريكا عام 1991، ووسام القدس 1999، ووسام المجلس الوطني للثقافة، الكويت ( 2002 )، وجائزة جمعية الخريجين العرب الأمريكيين 1996.

لقد واجهت الجيوسي عدة صعوبات وتحديات لاستمرار مشروع بروتا، منها أنها لم تجد التمويل اللازم من قبل المؤسسات الثقافية العربية، التي تعاملت مع مشروعها بمبدأ المساومات والوعود المؤجلة، فضلا عن عدم التقدير أو الاكتراث بمجهوداتها في خدمة الثقافة العربية، وعلى الرغم من ذلك واصلت الجيوسي مشوارها واستقطبت لهذا المشروع كبار المبدعين والباحثين منهم الأستاذ الدكتور ارنست ميكاروس رئيس قسم دراسات الشرق الأوسط بجامعة ميتشغان، الذي أسس مع الجيوسي مشروع بروتا، وكذلك الدكتور صالح جواد الطعمة رئيس قسم دراسات الشرق الأوسط يومئذ بجامعة أنديانا. كما استطاعت أن تستقطب دار نشر جامعة كولومبيا Columbia University Press، التي تعد من أكبر دور النشر  الأمريكية  بنيويورك؛ حيث تبنت نشر معظم أعمال المؤسسة.

لم تكتف الجيوسي بمهمة الإدارة والإشراف على الأعمال المترجمة بل اشتركت في عملية الترجمة، كما كتبت المقدمات الوافية المطولة لكل عمل مترجم للغة الإنجليزية للتعريف به، وجدير بالذكر أن هذا المشروع قد أسهمت فيه الكثير من المترجِمات الفلسطينيات اللائي عملن بترجمة العديد من أعمال هذا المشروع؛ مثل "لينة الجيوسي"، و"مي الجيوسي"، و"ليلى خالد"، و"ناعومي شهاب ناي"، وغيرهن ([21]).

وقد بلغ مجموع ما حققته بروتا من نشر الأعمال المترجمة ما يزيد عن ثلاثين عملا، توزعت هذه الأعمال على النحو التالي([22]):

أولا- المختارات:

- الشعر العربي الحديث  Modern Arabic poetry

ضم 93 شاعرًا، منشورات دار جامعة كولومبيا، نيويورك، 1987.

- مختارات أدب الجزيرة العربية Literature of Modern Arabia

ضمت المختارات 95 شاعرًا وقاصًا، نشرته كيغان بول عام 1988، ثم جامعة تكساس عام 1990 و1994، وجامعة كولومبيا 1988.

- مختارات من الأدب الفلسطيني الحديث

Anthology of Modern Palestinian Literature

ضمت 103 شاعرًا وقاصًا، نشرته جامعة كولومبيا، نيويورك، 1992،1993،1994.

- القصص العربي الحديث  Modern Arabic Fiction

ضمت 104 قاصًا، 2004.

- المسرحية العربية الحديثة Modern Arabic Drama

ضمت اثنتي عشرة مسرحية كبيرة، نشرت بالاشتراك مع روجر آلن، ودار جامعة أنديانا،1995.

- المسرحيات العربية القصيرة Arabic Short Plays 2003.

- القصة العربية الكلاسيكية  

The Classical Arabic Story, an Anthology،2009.

- مختارات من الأدب السعودي الحديث

Beyond the dunes: an anthology of modern Saudi literature،2010.

ثانيًا- مؤلفات الحضارة الإسلامية:

* تراث المسلمين في إسبانيا The Legacy of Muslim Spain

كتاب وقع في جزأين ضم ثمان وأربعين دراسة مختصة عن جميع مناحي الحضارة الإسلامية بالأندلس، كتبه اثنان وأربعون أستاذًا مختصًا في أمريكا وأوروبا والعالم العربي، وقد صدر عن دار بريل بهولندا، عام 1992، في الذكرى الخامسة لنهاية الحكم الإسلامي في الأندلس، ثم أعيدت طباعته عدة مرات آخرها عام 1994.
* المدينة في العالم الإسلامي The City in the Islamic world
* كتاب حقوق الإنسان في النصوص العربية Human Rights in Arabic Thought ، 2009.

ثالثاً- مؤلفات لبعض الكتاب والشعراء منها:
-  المتشائل، لإميل حبيبي  The Secret Life of Saeed the Pessoptimist2002
-  أغاني الحياة، لأبي القاسم الشابي Songs of life
-  الصبار، لسحر خليفة Wild Thorns
-  الحرب في بر مصر، ليوسف العقيد War in the land of Egypt
-  سقيفة الصفا، لحمزة بوقري The Sheltered Quarter.

  •   براري الحمى، لإبراهيم نصر الله Prairies of fever 1993.
  • ما تبقى لكم، لغسان كنفاني     . 1990 All thats left to you
    -  مروحة السيوف، لمحمد الماغوط The fan of swords1991.
  • الرهينة، لزيد مطيع دماج The hostage  1993.
  • بحيرة وراء الريح، ليحي يخلف  Wind beyond the lake 1999.
  • نزيف الحجر، لإبراهيم الكوني  The Bleeding of the stone 2002  .
  • رابعاً- السيرة الشعبية:
    - سيف بن ذي يزن Sayf ben Dhi Yazan

ترجمتها وأعدتها  لينة الجيوسي، وصدرت عن دار جامعة أنديانا عام 1996.

**الخاتمة**

تمثل الترجمة النسائية الفلسطينية مادة ثرية للدراسة البحثية، فهي تعكس مدى مشاركة المرأة في إنتاج الثقافة وصناعتها منذ عهد مبكر، عبر فعل الترجمة التي مثلت نقطة ارتكاز هامة للتواصل مع الثقافات المختلفة، فجاءت مشاركة المرأة جنبًا إلى جنب مع الرجل منذ بداية القرن العشرين؛  لتفي بالدور الهام الذي  لعبته المرأة في صناعة النهضة، وإن كانت مشاركاتها في حقل الترجمة لا تضاهي كمًا إنتاج المترجمين الرجال، ويرجع ذلك- ولا سيما في مرحلة الريادة- إلى القيود التي كانت مفروضة على المرأة، وعدم حصولها على قدر من التعليم والتثقيف يؤهلها للمشاركة الإبداعية والفكرية،  فقد ظلت فترات طويلة محتجبة وراء الجدران، ولكن مع الدور التنويري لرواد النهضة خرجت المرأة من شرنقتها التي ضُربت حولها عقودًا طوالأ؛ لتشارك في كافة المجالات ومن ضمنها حقل الترجمة،  فظهرت أسماء مترجِمات كان لهن الحضور الفاعل في الحقل الترجمي في عهده الأول، ولا سيما "كلثوم عودة"، و"أسمى طوبي"، "وعنبرة سلام الخالدي"، ثم توالت المشاركات بتغير البنية الفكرية والاجتماعية للمجتمع الفلسطيني فظهرت نساء متخصصات في الترجمة، وتعددت ترجماتهن للغات مختلفة، وأصبح حضور المرأة أمرًا بارزًا لا يمكن تغافله أو تجاوزه، ولا سيما مع إسهامات "سلمى الخضراء الجيوسي" التي أسست مشروع "بروتا"؛ حيث كان انطلاقة  رائدة من امرأة حريصة على نقل روائع التراث العربي للثقافة الغربية فعززت بذلك المشاركة الفاعلة في الترجمة المعاكسة، وقد ترك هذا المشروع بصماته الواضحة في الترجمة العربية بشكل مشرف.

خرجت الدراسة بمجموعة من النتائج يمكن حصرها في النقاط التالية:

*شاركت المرأة في الحقل الترجمي منذ بواكير النهضة بفلسطين جنبًا إلى جنب مع الرجل، عندما تسنى لها فرص التعليم والعمل، ومعظمهن مناضلات وناشطات في العمل المجتمعي والسياسي والفكري.

*معظم المترجِمات الفلسطينيات كان لهن بجانب العمل في مجال الترجمة نشاطات فكرية أخرى كالتأليف والإبداع الشعري والنثري، والعمل كذلك في مجال الصحافة والإذاعة.

*معظم الترجمات النسائية لفها الإهمال البحثي، مع ضياع جزء كبير منها، فضلا عن عدم توفرها في المكتبات ولا سيما ترجمات الرائدات فالموجود منها محدود.

*تبعثر الجهود الفردية وغياب العمل المؤسسي المنظم والمشترك، وافتقاد قنوات التواصل بين المترجمين الفلسطينيين، فالترجمة كانت ولا تزال عدا لمشروع "بروتا" عملاً فرديًّا ودون رعاية مؤسسية.

*تصدرت اللغة الإنجليزية اللغات التي نقلت للعربية  روائع آدابها ولا سيما بعد النكبة ثم تضاعفت الترجمات باللغة الإنجليزية بعد ذلك، في حين ندرت الترجمة عن الروسية بعد "كلثوم عودة"، فضلا عن ندرة الترجمة عن اللغات الأخرى كالألمانية والفرنسية والإسبانية، فقد حافظت اللغة الإنجليزية على الصدارة منذ منتصف القرن العشرين.

*ساهم مشروع " بروتا" في تنشيط حركة الترجمة المعاكسة للإنجليزية، وظهور أسماء نسائية عدة ارتبطت بهذا المشروع بجانب "سلمى الخضراء الجيوسي" مثل "لينه الجيوسي" و"مي الجيوسي" و"ليلى خالد"، و"ناعومي شهاب ناي".

*أغلب الأعمال المترجمة التي قامت بها المرأة الفلسطينية تركزت حول الأدب؛ الشعر والقصص والنقد، وإن لم تخلُ من ترجمات تتصل بحقل السياسة والأعمال الفكرية الأخرى، ولعل بروز ميدان الأدب في الترجمة قد برز لأن معظمهن كاتبات ومبدعات في المقام الأول، وثانيا لنشاط مشروع "بروتا" الذي تركز حول نقل روائع التراث الإبداعي الأدبي للغة الإنجليزية.


 ([1]) انظر: مضيه، سعيد، رواد التنوير في فلسطين، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، ط (1)، 2008، ص 321.

 ([2]) انظر: المرجع السابق، ص 325.

 ([3]) مؤرخ ومفكر مصري ولد عام 1810، وتوفي عام 1861، تتلمذ على يديه عددًا كبيرًا من المستشرقين، أتقن عدة لغات مثل الروسية والفرنسية والإنجليزية، وله عدة مؤلفات باللغات الأجنبية، منها على سبيل التمثيل كتاب "أحسن النخب في معرفة لسان العرب " كتب باللغة الفرنسية، وقواعد اللغة العربية مكتوب باللغة الروسية وغيرها كثير.

 ([4]) أديب وقاص عراقي ولد بالموصل 1908، تخرج من دار المعلمين العالية، وعمل بتدريس الرياضيات والعلوم الطبيعية بالمدارس الثانوية.

 ([5])مفكرٌ وأديبٌ، وروائي ومؤرخ ورحالة، ورسام كاريكاتير لبناني، يعدُّ من أكابر دعاة الإصلاح الاجتماعي وعمالقة الفكر في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين في الوطن العربي، ولد عام 1876، وتوفي عام 1940.

 ([6]) انظر: أبو نضال، نزيه، القلقيلي، عبد الفتاح، الكاشف "معجم كتاب وأدباء فلسطين" ط (1)، ج (3)، ص 477،478.

 ([7])انظر: المرجع السابق، ج (1)، ص189

 ([8])انظر: المرجع السابق، ج (1)، ص190

 ([9])- عبد الله بستاني،  روائي ومترجم لبناني ولد عام 1854، وتوفي عام 1930، أتقن اللغة الفرنسية والإنجليزية وتتلمذ على يديه عددا من أشهر  العلماء الأعلام الذين برعوا في اللغة العربية وقواعدها وقواعد الإنشاء والتأليف منهم شكيب أرسلان وإسعاف النشاشيبي وبشارة  الخوري.

     - جوليا طعمة دمشقية أديبة وصحفية وخطيبة ورائدة النهضة النسائية في لبنان ولدت عام 1882 في بلدة المختارة قضاء الشوف، وتوفيت عام 1954، كان منزلها في لبنان منتدى لكبار الأدباء والشعراء.

 ([10])انظر: المرجع السابق، ج (3)، ص 326.

 ([11])انظر: المرجع السابق،  ج(3)، ص 1997.

 ([12]) انظر: المرجع السابق، ص 33:44.

 ([13]) انظر: المرجع السابق، ص 54.

 ([14])الخطيب، حسام، حركة الترجمة الفلسطينية، مرجع سابق، ص103.

 ([15]) انظر: الكاشف (ح-ش)، ص418، 419.

 ([16]) انظر: موسوعة علماء فلسطين وأعيانها، الجزء الثاني، إصدارات جامعة النجاح الوطنية، (د.ت)، ص 179:183.

 ([17]) انظر: الكاشف (ح-ش)  ج (2).

 ([18]) انظر، الكاشف (ح-ش)  ج (2).

 ([19]) الخطيب، حسام، حركة الترجمة الفلسطينية، مرجع سابق، ص64

 ([20]) انظر: ببليوجرافيا ترجمة المرأة الفلسطينية التي ذيلت بنهاية البحث.

 ([21]) انظر: ببليوغرافيا الترجمة النسائية الفلسطينية المزيلة بالبحث.

 ([22]) انظر المراجع التالية:

  •  أبو نضال، نزيه، القلقيلي، عبد الفتاح، الكاشف "معجم كتاب وأدباء فلسطين"، 5 أجزاء.
  • شاهين، أحمد عمر، موسوعة كتاب فلسطين في القرن العشرين، المركز القومي للدراسات والتوثيق، غزة- فلسطين، ج(1)، ط(2)، 2005، ص 350،351.
  • الجيوسي، سلمى الخضراء  ويكبيديا الرابط التالي: https://en.wikipedia.org/w/index.php?title=Salma_Jayyusi&action=edit§ion=2.
  • وأيضًا: الحازمي، منصور، شاعرة..كاتبة..أكاديمية، منشور على الرابط التالي:   http://www.al-jazirah.com/culture/2012/02022012/speuss13.htm