على مدار الساعة
أخبار » آراء

روايات النساء حول هزيمة 1967: درس المكاشفة

21 تشرين أول / يونيو 2015

إلى أي حد يستطيع المرء احتمال الهزيمة؟ وإذا كان لدى الإنسان قدرة عالية على الاحتمال، والمقاومة والاستمرار؛ فماذا عن تكرارها؟ إلى أي مدى يستطيع الإنسان تحمل الهزيمة تلو الهزيمة؟ هل تقضي عليه؟ أم يتحمل مرارتها، ويدرس أسبابها، في محاولة جادة لتحقيق النصر في الجولات القادمة؟

ماذا حدث العام 1967؟ لماذا حدث؟ وكيف حدث؟ وما هو أثر العدوان الإسرائيلي، والهزيمة العربية على وعي الشعب العربي والفلسطيني بشكل عام، وعلى وعي النساء الفلسطينيات بشكل خاص؟ ما هي دروس الهزيمة؟

شكَّل عدوان العام 1967، على الضفة الغربية لنهر الأردن، وقطاع غزة، وعلى سيناء والجولان، صدمة عنيفة للشعب العربي بشكل عام، والفلسطيني بشكل خاص.

عبَّر العديد من النساء، ممن قدَّمن شهاداتهن عن عدوان العام 1967، إلى المركز الفلسطيني للأبحاث والتوثيق، عن إحساسهن بالحزن العميق، والمرارة الشديدة، على أثر احتلال ما تبقى من أرض فلسطين، واحتلال الجولان وسيناء، حتى أن "سميرة عزام"، القاصة الفلسطينية المتميزة، التي شاركت في العمل السياسي المنظَّم، قبل العام 1967؛ لم تحتمل الهزيمة بتاتاً، وكانت نهايتها مأساوية، كما جاء عبر شهادة صديقتها، ورفيقتها: د. "بيان نويهض الحوت":

"بذكر بعد 67 سميرة، إجت لعندي ع البيت تبكي، وتقولّي: راحت القدس. قلت لها: أنا كمان بنت القدس، وأنا شاعرة معك، رَوقي أكتر، فتلفنت لشفيق (شفيق الحوت)، قلتلّه: تعال ع البيت، "سميرة" عايزتك ضروري. فقعد معاها وحاكاها وروَّقها شوي. بعد هذا الكلام بحوالي شهرين، كانت رايحة بالسيارة على عمّان. ويمكن ناسية تاخد الدوا معها، قضاء الله وقدره، فتوفت على الطريق. سميرة من الناس اللي ما احتملوا إطلاقاً، ولا حدا احتمل هزيمة الـ 67، كانت هزيمة جداً صعبة، لا تُنسى".

وتعزو د. بيان سبب الإحساس بالمرارة، والفجيعة، إلى أنها وغيرها من أبناء الشعب الفلسطيني والعربي؛ توقعوا النصر، في حال حصول حرب مع إسرائيل، ولم يتوقَّعوا الهزيمة مطلقاً: "أنا بالـ 67 ما باغفر لحالي، كيف تصورت إنه قيام الحرب معناه النصر؟! بس بافتكر كانت كافية درس الـ 67 ودرس الـ 48. بعدها صار نوع من تحليل، وعي أكتر".

وتبيِّن شهادة "ميسر السعدي"، التي كانت تقيم في جنين، أنها قد توقعت النصر أيضاً، وفوجئت بالهزيمة. كانت تعمل كممرِّضة، في الخطوط الأمامية، في مخيم جنين، وتتحدث عن استعدادها، وزملائها، لإسعاف الجرحى، في حال حدوث معركة:

"فكّرنا إنه جيش عربي اللي داخل، كنا فرحانين إنه هاي بدها تصير المعركة وترجع فلسطين. كان معانا شاب أول حياته، فكَّر إنه هاي المعركة حاسمة رح تكون، ورح ترجع فلسطين، كان يقول:

شمس العروبةِ إذا أردتِ المغيب فغيبي                     فإننا سنصنعُ شمساً لا تغيب

هلأ الموظفين إحنا ضلينا عشان إذا صارت فيه معركة؛ نسعف الجرحى".

تتحدَّث "عبلة أبو علبة"، من قلقيلية، عن هذا اليوم، الذي يستقر في ذاكرتها، وكأنه حدث اليوم. تروي عن الانهيار العصبي الذي أصابها، إثر تهجيرها، وإحساسها بفقدان الأمان:

"أذكره تماماً كما لو كان البارحة. كنت أقدِّم امتحانات التوجيهي، وفجأة شاهدت المدرِّسات مرتبكات جداً. لم يكن يخطر في بالنا أبداً أن يحدث ما حدث. كانت لديّ مثل كل الصبايا في جيلي أحلام صغيرة، كنت موعودة أن أذهب إلى الجامعة في بعثة دراسية، وكنت أحلم أنّي أصير دكتورة في الجامعة، وكان أحلام صغيرة كثيرة، لكن كل هذا تبدّد في اليوم السابع.

أذكر ملامح الرعب في وجوه المدرِّسات المراقبات على الامتحان، كيف طلبن منّا أن نعود إلى بيوتنا فوراً، لأن اليهود احتلوا البلد. لا أذكر كيف عدنا إلى البيت! وجدت أمي في حالة فزع شديد تنتظرنا، وحملتنا جميعاً بناتها. أخي الوحيد لم يكن موجودا في قلقيلية، وذهبت بنا إلى بيت كبير جداً، لأنه كانت الإذاعة الإسرائيلية طلبت من أهل البلد أن يغادروا وإلاّ قُصِفوا وماتوا في بيوتهم. اختبأنا تلك الليلة ونحن نسمع الأخبار من الراديو، والقصف فوق رؤوسنا. وفي الصباح الباكر طلب منّا الإسرائيليون أن نغادر البلدة، فـ ذهبنا وغادرنا. وما زلتُ أذكر الرجال الذين يحملون أمهاتهم العاجزات، أو أباءهم أو أطفالهم، والنساء بولولوا وهمّه تاركين كل شي. وعندما وصلنا عزّون؛ شاهدت قسما من الحرس الوطني، يرمون بالأسلحة لأنه لم يعد فيها ذخائر، وينزعون ثيابهم، وأصبحوا مدنيين مثلنا، بمعنى آخر لم تعد هناك مقاومة. وما زلتُ أسمع من إذاعة صوت العرب نفس الجملة "وقد أسقطنا 81 طائرة"، هذه الجملة بقيت تتردد على امتداد يوم كامل، يعني الـ 81 طائرة ما صاروا 82، والناس لم تكن تدري إلى أين تذهب! ولولا أنه كان الفصل صيف (لم نستطع التحمل)! في حزيران نمنا ليالي تحت الشجر، وجدنا أنفسنا فقدنا تقريباً كل شي، البيت، عالمنا الصغير الآمن، وأصبحنا في العراء فجأة! وبقينا نمشي إلى أن وصلنا إلى نابلس. وقبل أن نصل؛ بقيت أبكي يوما كاملا. شعرت إنه فقدت العالم الآمن الذي كنت فيه، باختصار".

يتبيَّن من خلال شهادات النساء، حجم الفجيعة التي أحسَّت بها النساء الفلسطينيات، إثر هزيمة 67؛ انكسرت أوهامهن بقرب تحرير النصر، وانكسرت صورة الجيوش العربية القوية، القادرة على قهر إسرائيل، وأحسَّت كل واحدة منهن أن الهزيمة هي هزيمتها؛ الأمر الذي حفَّز النساء على الدعوة لدراسة ما حدث، من أجل تشخيص أسباب الهزيمة، ودراسة أسباب النصر، الذي لا يمكن تحقيقه دون تفكير استراتيجي قادر على رؤية الشجرة ورؤية الغابة في الوقت ذاته.

ضمن شهادتها؛ أكَّدت "زهيرة كمال"؛ ضرورة استلهام دروس الهزيمة، للانطلاق قدماً:

"لازم أسميها هزيمة، أما أن أسمّيها مرَّة نكبة ومرَّة نكسة، وكأنه أنا لست مسؤولة؛ ما مناخد العبرة. لازم نحطّها بصياغتها الفعلية، هي هزائم أصابتنا في العالم العربي، نتيجة عدم الاستعداد المسبق، وعدم الرؤيا المستقبلية، وما بغيِّرها، إلاّ إذا إحنا بدينا نغيّر مفرداتنا، ونحطّها في سياقها الصحيح، يعني نعترف بهزائمنا، عشان نقدر نواجهها، ونمشي للمستقبل".

نقلاً عن: الأيام

رأي الكاتب لا يُعبّر بالضرورة عن رأي "البوابة".

د. فيحاء عبد الهادي

مقالات أخرى للكاتب
انشر عبر