Menu
حضارة

الوطن مُلك الأجيال لا يملك أيٌ منها التنازل عنه أو عن جزءٍ منه

شحادة موسى يكتب لـ "الهدف"..أوسلو والتدمير الذاتي

شحادة موسى

Israeli-Prime-Minister-Benjamin-Netanyahu-shakes-hands-with-Jordans-King-Hussein-Palestinian-leader-Yasser-Arafat-and-US-President-Bill-Clinton-at-a-signing-ceremony-on-an-interim-agreement-Wye.jpg

خاص بوابة الهدف

فلسطين الهويَّة والكيان

يقول المؤرخ (إيلان بابيه) إنَّ وقائع التاريخ تؤكد أنَّ فلسطين أصبحت منذ ثلاثة آلاف سنة كيانًا ثقافيًا وإثنيًا متميزًا ومستمرًا في التاريخ؛ ولا يغيُّر من هذه الحقيقة أنّ فلسطين خضعت لغزاة من الخارج ومن بينهم الإسرائيليون الذين حكموها لنحو (77) سنة (1000 – 923 ق. م).

وعندما خضعت فلسطين للاحتلال البريطاني بعد الحرب العالميَّة الأولى، كان الكيان الفلسطيني قد أصبح مجتمعًا متطورًا في مناحي الحياة المختلفة التي تميِّز المجتمعات الحديثة. وقد أُعلنت فلسطين آنذاك كيانًا سياسيًا بحدود جغرافيِّة رُسِّمت بحدود الانتداب البريطاني على فلسطين، وأصبحت تُعرف بالحدود الانتدابية، وبمساحة تبلغ نحو (27) ألف كيلو متر مربع.

بهذا الوطن تغنَّى الشعراء، ونُظمت الأناشيد؛ وفي سبيل والحفاظ على هويته العربية أشعل أبناؤه الانتفاضات والثورات، على امتداد سنوات الانتداب البريطاني الذي عمل على تنفيذ وعد بلفور بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.

لقد جرى تدمير هذا الكيان على يد الغزاة الصهاينة في العام 1948 الذي أصبح يُعرف بعام النكبة. فقد استولى الصهاينة على معظم أراضي فلسطين (78%) وطردوا أهلها لأن الصهاينة، بحسب قادتهم، كانوا يريدون الأرض ولا يريدون عبيدًا. وبذلك، فقدَ شعب فلسطين القاعدة الماديَّة لكيانه، وانهارت بِنْيتة الاجتماعيّة، وتفكّكت الروابط الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة التي كانت تربط بين أبنائه الذين تحوَّلوا إلى لاجئين مشتَّتين في دول الجوار وفي ما تبقى من فلسطين.

يعد سنوات من الضياع، وفي أواخر الخمسينيّات بدأت أصوات فلسطينية ترتفع مطالبةً بإيجاد كيانٍ فلسطيني يعبِّر عن القضيّة الفلسطينية ويتولَّى تعبئة الفلسطينيين وإعدادهم لمعركة العودة.

وفي عام 1964 قرّر مؤتمر القمة العربية الأول (القاهرة، يناير 1964) تكليف أحمد الشقيري ممثل فلسطين لدى جامعة الدول العربية، الاتصال بالفلسطينيين والدول العربية وتقديم تصوّر لإنشاء كيان يتحدث باسم الشعب الفلسطيني. وقد تُوِّج نشاط الشقيري بانعقاد المؤتمر الفلسطيني الأول ( القدس ، أيار/مايو 1964) الذي أعلن إنشاءَ منظمة التحرير الفلسطينية تحت شعارالكيان.

منظمة التحرير – الكيان الجديد

ابتهجت الجماهير الفلسطينية، واللاجئون منهم على وجه الخصوص بقيام المنظمة، والتفُّوا حولها بحماسة وإخلاص. فقد رأوا فيها إحياءً للكيان الذي انهار في عام النكبة، وتجديدًا للروابط الاجتماعيّة التي تفكَّكت وضعفت بظروف التشتُّت واللجوء. واستوعبت مؤسسات المنظمة واجهزتها أعدادًا كبيرة من الفلسطينيين في أماكن وجودهم، وأصبحت المرجعيّة الوطنيّة والسياسيّة التي تمثِّلهم قبل أن تُعلن الدول العربية اعترافها بالمنظمة الممثِّل الشرعيَّ الوحيد للشعب الفلسطيني.

كان للعمليّات العسكريّة التي نفَّذها الفدائيون ضد الغزاة الصهاينة تأثير عميق في الفلسطينيين،ففجَّرت الطاقات الثوريّة الكامنة عندهم، وأحْيَت،مع الأنشطة والبرامج الثقافيّة والفنيّة، الروح الجمعيّة لديهم، وبعثت فيهم الأمل في العودة واسترجاع الوطن الذي ضاع.

ولذا، سوف يُصاب الفلسطينيون بصدمة وخيبة أمل كبيرة عندما تفاجئُهم المنظمة وتقول بعظْمَة لسانها إنّ هذا الوطن ليس لهم بل هو حقٌ للغزاة الذين طردوهم منه.

أوسلو: انقلاب على الذات

يمكن إجمال ما انطوى عليه اتفاق أوسلو ونتائجه بأنه كان ارتدادًا على كلِّ ما بَنتْه الحركة الوطنية الفلسطينية في إطار منظمة التحرير والمقاومة المسلحة، وهدمًا لما أقامته من مؤسسات ومن هيئات اجتماعيّة وثقافيّة، وتطاولًا على التراث الشعبيِّ والهويّة الوطنيّة، وقمعًا لطموحات الأجيال القادمة في التحرير والعودة، كما يظهر في مجالات كثيرة، منها:

الكيان

إنّ اللحظة التي جرى فيها التوقيع الرسمي لاتفاق أوسلو، هي اللحظة التي كَتبتْ فيها منظمة التحرير إنهاءَ ذاتها، وتدميرَ ما كانت تُجسِّده، وما أنشأته من أجهزة ومؤسسات، ويأتي في مقدمة النتائج الخطرة التي انطوى عليها الاتفاق، تفتيت البنية الاجتماعية – السياسية أو الكيان المعبَّر عنه بالمنظمة. فقد أعاد الاتفاق هذه الوضعيّة الكيانيّة الى البداية، أي الى ما تعرَّضت له بسبب النكبة واللجوء،وحوَّل الشعبَ الواحد الى "وضعيِّة" الشعوب: شعب السلطة (في الضفة والقطاع)، وشعب ال 48، أي ما يسمِّيه بعضهم فلسطينيي إسرائيل، وشعب اللجوءِ والشتات.

وبذلك كان الاتفاق نقطة فاصلة في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، وفي مصير فلسطين والفلسطينيين. فلأوَّل مرَّة يتجرَّأ فريق فلسطيني، وباسم المنظمّة الممثِّلة للشعب الفلسطيني، الاعتراف بإسرائيل والتنازل عن (78%) من مساحة الوطن الفلسطيني، وليس صحيحًا على الإطلاق أنّ الاتفاق كان بفعل الاضطرار الناجم عن ظروف خارجية، مثل اجتياح العراق للكويت وتبعاته، وانهيار الاتحاد السوفياتي وتداعياته.

فلقد أوضح هاني الحسن، أحد قادة حركة فتح القريبين من ياسر عرفات ، في محاضرته الشهيرة في لندن سنة 1989 أنّ ذلك، أي التوَّجُه للاعتراف بإسرائيل، كان قبل ذلك بسنوات كثيرة. قال الحسن: "إنني من موقعي في مركز صُنع السياسة الفلسطينية أقول بأن الذين يكوِّنون قادة التيَّار الرئيسي في منظمة التحرير الفلسطينية، كانوا مُنْشغلين في العشرين سنة الماضية في صراع حياة أو موت لتحضير الأرضيِّة من جانبنا للوصول الى حلٍّ وسط مع إسرائيل؛ منذ عام 1968، بدأ ياسرعرفات وأولئك الذين كانوا زملاؤه الأساسيِّين في "فتح" يستجيبون للواقعيِّة، أي الحاجة إلى حلٍّ سياسيٍّ إنساني لنزاعنا مع إسرائيل".

وهكذا يتضح أنّ اتفاق أوسلو كان ذلك"الحلُّ الوسط".

وينبغي الانتباه الى أنَّ الاتفاق تركَّز على تنظيم الترتيبات السياسية للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة؛ وهذه الأمور تأتي عادةً في النهاية في الاتفاقيات المماثلة، أي بعد الانتهاء من الاتفاق على القضايا الأساسيّة. والحقيقة أنَّ الاتفاق لم يكن في جوهره غير ذلك؛ فلا شيء عن حق العودة ، أو تقرير المصير، أو الأرض الفلسطينية التي ستُقامُ عليها السلطة الفلسطينية.

منظمة التحرير الفلسطينية

لقد حلَّت السلطة الفلسطينية التي أُنشئت بموجب الاتفاق، مكان منظمة التحرير؛ وظهر ذلك جليًّا في تركيز اهتمام السلطة على مؤسسات السلطة وأجهزتها على حساب مؤسسات المنظمة التي أخذت في التراجع والتلاشي ولم يعد لها من دورٍ تؤدِّيه، وأصبحت السلطة عمليًا هي المرجعية الفلسطينية. وممّا يُعزِّز هذا الوضع احتفاظ

رئيس السلطة بمنصب رئيس المنظمة، علمًا أنَّ دوره ومكانته يأتي من صفته رئيسَ السلطة.

ويشير هذا الوضع، من جهة أخرى، الى عدم جدوى ما تطرحها للفصائل الفلسطينية عن إحياء منظمة التحرير؛ ففي ظلِّ الدور الذي تمارسه السلطة لن يكون للمنظمة دورٌ فاعلٌ ومستقل.

 

اللاجئون

جاء الاتفاق كطعنةٍ قاتلة للاجئين الفلسطينيين. لقد كان وجود اللاجئين السببَ المباشر لإنشاء منظمة التحرير؛ وكان اللاجئون وقودَ العمل الفدائي، وخزّانَ التضحيات الهائلة التي بذلوها تحت راية المنظمة. وفجأة وجدوا أنفسهم بدون مرجعيَّة، بل إنّ المنظمة جعلتهم في اتفاق أوسلو مادةً للتفاوض، مع ميلٍ مُضمَر للتنازل أيضًا عن حق العودة، خصوصًا أنَّ رئيس السلطة والمنظمة وعرّاب أوسلو، يكرِّر أنَّ عودة اللاجئين تعني تدمير إسرائيل، وأنه شخصيًا لا يريد العودة الى مسقط رأسه.

وللتذكير؛ فإنّ القضية الفلسطينية في جوهرها هي هؤلاء اللاجئون وأرضهم التي طُردوا منها في عام النكبة، وهؤلاء اللاجئون هم نصف الشعب الفلسطيني إذ يبلغ عددهم بحسب سجلّات الأونروا نحو ستة ملايين نسمة، ويؤلِّف المقيمون منهم في الضفة الغربية وقطاع غزة(42%) من السكان فيهما.

لا شك في أنَّ اللاجئين فقدوا باتفاق أوسلو المرجعيَّة التي تُمثِّلهم، وولَّد ذلك عندهم شعورًا بالضياع والخوف من الحاضر والمستقبل؛ إلَّا أنَّ الروح الثورية عندهم، كما هي عند شعبنا عامة لا تخبو، وخزّان التضحيات لاينضب. وفي قطاع غزة حيث اللاجئون نحو (70%) من سكانه، تؤكد المقاومة الأسطورية وتجليَّاتها الأخيرة في مسيرات العودة تمسُّكَ هذا الشعب بحقه في العودة وفي النضال المستمر حتى ينتزع هذا الحق.

الدولة

يزعم أصحاب أوسلو أنَّ الاتفاق يتضمّن إقامة دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة. ويقع بعض الكتّاب والمثقفين في خطأٍ جسيم عندما يردِّدون ذلك وكأنه حقيقة مسلَّمٌ بها.

من المعروف أنَّ الدولة بالتعريف هي أرض وشعب يُقيمُ عليها، وحكومة تمارس السيادة على الإقليم. واتفاق أوسلو يخلو من أيِّ ذكر لأرض فلسطينية، أو سيادة فلسطينية عليها. وأقصى ما قبلت به إسرائيل هو أنْ تكون الأراضي التي تُقام فيها السلطة الفلسطينية أراضٍ متنازعٍ عليها، والسلطة فيها حكمٌ ذاتي، أي على السكان فقط. أمّا الشعب؛ فقد قبلت إسرائيل بوجود شعبٍ فلسطيني ولكن ليس بوجود أُمَّة فلسطينية؛ فالشعب بالمفهوم السياسي هو الأُمّة (nation) التي قامت عليها الدولة الحديثة.

ومما يجدر ذكره في هذا المقام، أنَّ شمعون بيريز الذي وقَّع الاتفاق عن الجانب الإسرائيلي،يقول إنَّ الفلسطينيين طالبوا في مفاوضات أوسلو بسلطة وطنيِّة (national) ولكن قلنا لا، بل سلطة فلسطينية. وفي هذا تأكيد لمسألة الدولة الأمَّة، ورؤية إسرائيل بعدم انطباقها على الفلسطينيين.

ويقول أبو علاء، رئيس الوفد الفلسطيني المفاوض في أوسلو، في روايته عن المفاوضات، إنَّ السيادة هي لمن يمارسها على الأرض.

والسؤال هو هل بمقدور الفلسطينيين إقامة دولة على أرض يسيطر عليها الطرف الآخر ما لم يعترف بها أرضًا فلسطينية؟

التدمير الممنهج

إنَّ الحديث عن اتفاق أوسلو لا ينفصل عن أصحابه. فليس الاتفاق وما نتج عنه إلّا من صُنع من خطَّط له ووقَّعه ويواصل الالتزام به، ويعمل على تنفيذ ما يتعدّى الاتفاق نفسه.

لقد أُشير آنفًا إلى إبراز النتائج السلبيِّة للاتفاق وهي: تفتيت الكيان الفلسطيني الموَّحد، وغياب المرجِعيَّة التمثيليَّة، وضياع اللاجئين وفلسطينيِّي الخارج.

غير أنَّ أصحاب أوسلو لم يقفوا عند هذا الحد؛ وإنما استمروا، مُمَثَّلين برئاسة السلطة والمتنفِّذين فيها، في عملية تدمير متعددة الأبعاد تطال فلسطين بكلِّيَّتها، ماضيًا وحاضرًا. ويظهر في مواقفهم وفي خطابهم السياسي والإعلامي، توجُّهٌ لإيجاد ثقافةٍ جديدة ووعيٍ جديد نقيضٍ لما استقرَّ في ذاكرة الأجيال الفلسطينية ووجدانها. ففي خطابهم أصبحت فلسطين باسمها وكيانها هي الضفة الغربية وقطاع غزة، والقضية الفلسطينية هي احتلال هاتين المنطقتين، والشعب الفلسطيني هم المقيمون فيهما؛ أمّا فلسطينيّو ال 48 فهم رعايا دولة إسرائيل، واللاجئون "قضية" تُحلُّ بالاتفاق مع إسرائيل.

ويتضمن الخطاب تشويه التاريخ الفلسطيني؛ فلا يلتزم بالسرديَّة الفلسطينية أمام السرديَّة الصهيونية التي تشمل أسماءَ الأماكن والأحداث التاريخية ومواقعها، ومن هذه ما يَشغلُ مكانة خاصة من التقدير والاحترام في الذاكرة الفلسطينية الجمعيَّة.

وينتهج أصحاب أوسلو نهجًا يؤدي إلى إقفال المستقبل أمام الفلسطينيين، وذلك بتعمُّد الإساءَة للمقاومة فكرًا وممارسةً، وتجريم ما يسمّونه العنف. ويصرُّون على الإمساك بما بقي من منظمة التحرير، ونزع فاعليَّتها، فيفقد الفلسطينيون ما يحتاجون إليه من مرجعيَّة جامعة وكيانيَّة واحدة؛ وهم بذلك يضعون الشعب الفلسطيني في مأزق جديد يصعب الخروج منه.

وبعد؛ فإنّ الواقع يُشير الى استمرار الحالة التي تكوَّنت بفعل اتفاق أوسلو. فأصحاب الاتفاق يرون فيه، وفي السلطة التي نشأت بموجبه إنجازهم التاريخي، ويواصلون مساعيهم لجعل القوى والشخصيات الفلسطينية تُسلِّم بصحة موقفهم، وتسير على نهجهم. والفصائل الفلسطينية في المقابل، وخوفًا ممّا يمكن أنْ ينزلق اليه الخلاف والانقسام، تسعى لإقناع رئيس السلطة والمتنفذين فيها بتغيير نهجهم والانعطاف نحو مسيرة جديدة.وهكذا يظل ذلك السؤال المحيِّر، إلى أين سيمضي بنا أوسلو؟