Menu
حضارة

بقلم / يائير هيرشفيلد

أوسلو: أمل أم يأس؟

أوسلو.jpg

ترجمة وتحرير ومراجعة: أحمد مصطفى جابر و د. وسام الفقعاوي.

[يصدر مطلع العام القادم كتاب (إسرائيل والشرق الأوسط بعد أوسلو: الأمل أو اليأس ) ليائير هيرشفيلد الأكاديمي الصهيوني، الذي كان مع زميله رون بونداك (متوفى) قد بدآ تلك المحادثات السرية غير الرسمية مع مسؤولين من منظمة التحرير الفلسطينية في العاصمة النرويجية أوسلو، وهي مباحثات أسفرت عن توقيع إعلان المبادئ الشهير.

في هذا المقال المنشور في مجلة فاثوم FATHOM الذي تنشر الهدف ترجمة خاصة له في ملف مرور 25 عاما على توقيع تلك الاتفاقية، يناقش هيرشفيلد الحجة المركزية لكتابه ويحدد الركائز الخمسة "لعملية سلام" ناجحة في المستقبل كما يراها مهندس الاتفاق.

وفي هذا النص الذي يكتبه رجل ما زال مخلصا لرؤية أوسلو، أو "مخلصا للسلام مع الفلسطينيين وبحل الدولتين". يتناول هيرشفيلد عناصر التقدم نحو السلام والعناصر التي يجب أخذها بعين الاعتبار، وضرورة بناء تحالف استراتيجي دائم ومطور مع الولايات المتحدة، ويفترض أنه يجب على الكيان إقامة حوار استراتيجي مع أوربا يستند إلى التزام أوربا بأمن الكيان وحل الدولتين، ويدعو إلى تعزيز التحالف مع الدول العربية "المعتدلة" التي لا تمانع في التحالف مع إسرائيل، ولكنه يعترف أن هذه الدول تفتقد للشرعية العامة ولا تستطيع الضغط على الفلسطينيين، أو المضي قدما دون موافقتهم، محذرا من ما زعم أنه مساعي إيران و تركيا لتحريض الفلسطينيين على رفض التفاوض واستغلال القضية الفلسطينية. يناقش أيضا الانقسام الداخلي الصهيوني ومواقف المستوطنين من فكرة الدولة الفلسطينية، ويقترح مسارا يقوم أيضا على ما جاء فعليا في ملاحق أوسلو.

لعل ما يميز هيرشفيلد هو نظرته الأكاديمية وأنه ما يزال يرى أن أوسلو كانت حلا صحيحا وهو ينتمي إلى قلة من الصهاينة الذين سواء على اليمين وخصوصا على اليسار يعتنقون هذه الفكرة- المحرر]

مقدمة

كان مصدر إلهامي لكتابة "إسرائيل والشرق الأوسط بعد أوسلو: الأمل أو اليأس" واقتراح استراتيجية إسرائيلية شاملة لمواجهة التحديات التي تواجهها هو محادثاتي مع حفيدتي ابنة الـ19 عاما بعد فوز بنيامين نتنياهو برئاسة الحكومة عام 2015، فقد كانت حفيدتي "نعمة" قلقة لأن غياب عملية السلام يعني أن إسرائيل ستصبح معزولة بشكل متزايد، وأعربت عن اعتقادها أنه في حين أن شبابي جاء في مرحلة ما بعد الحرب في فيينا، وبعد الانتصار على ألمانيا النازية وحرب "الاستقلال"، وكانت مرحلة مليئة بالأمل فإن شبابها الذي تعيشه كئيب نوعا ما من فشل عملية السلام والانتفاضة الثانية، والحروب في غزة ولبنان، وشعرت أن جيلها لا يعرف إلى أين الذهاب أو كيفية الوصول إلى هناك.

نشأت جدتها جوديث في بيتار - هي حركة شبابية صهيونية تأسست في عام 1923 في ريفا بلاتفيا بواسطة فلاديمير جابوتنسكي - وجدها لأمها تسفي يعرّف سياسيا بأنه مع حزب البيت اليهودي، كانت محادثاتنا تهدف لمحاولة خلق أرضية مشتركة بين ما سمعته في منزلين مختلفين. فكرت في توضيح أن جيل أجدادها تأثر بشكل حاسم بالمحرقة، لذلك كان علينا أن نخلق القدرة على الدفاع عن أنفسنا ضد أي تهديد. والثاني هو "كن إنسانًا" و أخبرت نعمة أن جميع أجدادها الأربعة ملتزمون بالإجماع بهذه المبادئ الأساسية.

أولا: نحو موقف استراتيجي أقوى:

بعد مرور خمسة وعشرين عامًا على اتفاقية أوسلو التي لَعبّتُ دوراً في التفاوض عليها، ومع جيل نعمة الذي يبحث عن تجاه سياسي، أعتقد أن هذين المبدأين يمكن أن يستمرا في المساعدة على توجيه إسرائيل نحو موقف استراتيجي أقوى. ومن الناحية العملية أعتقد أنه يمكن ترجمتها إلى خمسة عناصر، بشكل طفيف: ترقية واستقرار تحالف إسرائيل مع الولايات المتحدة على أساس الحزبين على المدى الطويل. ومنع المزيد من التدهور بين إسرائيل وأوروبا، وتحقيق الاستقرار وتحسين العلاقة المتقلبة بين إسرائيل وجيراننا العرب، والتغلب على الانقسام الداخلي داخل إسرائيل، وتطوير شراكة فعّالة مع الشعب الفلسطيني، سيكون الأمر صعبًا، لكن هناك العديد من العناصر - التي تم تأسيسها لأول مرة خلال اتفاقيات أوسلو - والتي يمكن أن تساعد في توجيه صناع القرار.

يكمن وراء هذه العناصر الفهم بأن أمن إسرائيل لا يبنى فقط على قوة قواتنا المسلحة، ولكن على تحالفات مستقرة وعاملة مع الولايات المتحدة وأوروبا والعلاقات مع جيراننا، وكذلك على الحفاظ على المعايير الأخلاقية العالية. من الناحية العملية، يعني هذا أيضًا عدم احتلال شعب آخر، بل البحث - مع الفلسطينيين - عن مخرج من المستنقع الحالي، شعرت نعمة وأنا أيضاً أن هذه العناصر يمكن أن تكون معززة ذاتياً: تحالف مطور ومستقر مع الولايات المتحدة وأوروبا يعزز أمن إسرائيل. عندما تكون أكثر أمنا يمكن لإسرائيل أن تسمح لنفسها ببناء علاقة أخلاقية وكريمة مع الشعب الفلسطيني ومع جيراننا العرب، إن إسرائيل التي تلتزم الأسس الأخلاقية العليا في نزاع معقد تعزز علاقتنا مع الولايات المتحدة وأوروبا وقوى أخرى، وتمكن من التواصل الإنساني مع جيراننا.

العلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة:

تحتاج إسرائيل إلى تفاهم استراتيجي كامل مع الولايات المتحدة مدعوم من الجمهوريين والديموقراطيين، فالرابطة بين البلدين قوية، وهناك قدر كبير من التعاون بين جميع المستويات تقريبا من الوكالات الحكومية من كلا الجانبين، وتنفذ الاتحادات اليهودية أكثر الأعمال قيمة مع إسرائيل ولمصلحتها، مع ذلك، فإن الانقسام الداخلي المتنامي داخل الولايات المتحدة يخلق مخاطر خطيرة لإسرائيل، من كلا الجانبين. على سبيل المثال، في أعقاب لقاء مع تجمع جمهوري يميني - الذي أعرب فيه جميعهم عن مشاعر قوية تجاه إسرائيل - قال لي محرر يهودي عن المحافظين الأمريكيين: '' يائير، لا تثق بهؤلاء الناس، أنا كبرت معهم، إنهم يحبون إسرائيل طالما أنكم تصنعون الحرب مع العرب والمسلمين، ولكن ليس أكثر من دقيقة“. وفي الجانب الديمقراطي، فإن الكراهية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب وسياساته كبيرة جداً، لدرجة أن السياسيين اليساريين هم الذين حرضوا الفلسطينيين على رفض مواقف القيادة الأمريكية، يقبلون و ما هو مطلوب هو حوار استراتيجي ثنائي جاد.

في الماضي، تفاوضت كل حكومة إسرائيلية تقريباً على مذكرة تفاهم إستراتيجية مع الولايات المتحدة، لكن هذا لم يكن لأكثر من عقد من الزمان، يجب التفاوض حول مذكرة التفاهم هذه لتكون دائمة ويجب التوصل إليه مع الجمهوريين والديمقراطيين.

علاقة إسرائيل بأوروبا:

العلاقات بين إسرائيل وأوروبا هي أكثر تعقيدا بكثير، وهناك فرصة أنه إذا أصبح جيريمي كوربن رئيس الوزراء البريطاني فإن ظاهرته يمكن أن تنتشر في جميع أنحاء أوروبا، ويبدو أن الاتحاد الأوروبي حريص أكثر من اللازم على التعامل مع إيران، على الرغم من تدخلها الإقليمي، والحشد العسكري، والخطاب العدواني ضد إسرائيل، وفي نفس الوقت هناك أساس قوي للتعاون، وأكد خطاب أنجيلا ميركل أمام الكنيست 2008 التزامها بأمن إسرائيل، والعديد من القيم المشتركة بين ألمانيا وإسرائيل (وبالتبعية بين أوروبا وإسرائيل). وأكدت ميركل أن "كل واحد منا الألمان والإسرائيليين على حد سواء، وجميع شعوب هذا العالم، نعيش فترة تغيير جذري و يتم طرح النظام العالمي من جديد، وهناك فرصا كبيرة و مخاطر كبيرة... نحن بحاجة إلى النظر فيما وراء الحدود الوطنية لخلق وعي عالمي مشترك للتحديات الرئيسية التي تواجه عالمنا - مثل ضمان الرخاء وتوزعه بصورة عادلة، وحماية مناخنا، ومحاربة التهديدات الجديدة التي تطرح من الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل"، وختمت بالتنبيه على الكنيست أن "ألمانيا هي أقوى المدافعين عن رؤية دولتين في حدود آمنة وسلام، للشعب اليهودي في إسرائيل والفلسطينيين في فلسطين".

توفر هذه الأفكار أساسًا صلبًا لإجراء حوار استراتيجي مكثف وشامل بين إسرائيل وأوروبا، وهناك العديد من المصالح المشتركة الجوهرية وبدون حوار استراتيجي جاد سوف يخسر كلا الطرفين، على الرغم من أن إسرائيل سوف تكون الخاسر الأكبر.

علاقات إسرائيل مع العالم العربي:

إن تفاهمات استراتيجية طويلة الأمد مع العالم العربي والإسلامي هي حيوية لإسرائيل، وهناك اليوم فرصة للوصول إلى مثل هذه التفاهمات، فالقيادة السياسية في مصر والأردن والمملكة العربية السعودية، وكذلك في دولة الإمارات العربية المتحدة والبحرين وغيرها، يمدون يد العون لنا وهم يحتاجون إلى تسوية مع إسرائيل، ولكن تحالفا مستقرا لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن اتفاق مع الفلسطينيين، مرة واحدة، حيث لا توجد شرعية عامة في هذه الدول لإقامة علاقات وثيقة مع إسرائيل دون اتفاق إسرائيلي فلسطيني. لا يمكن لهذه الدول تجاهل القضية الفلسطينية، ولا فرض حل عليهم، يمكنهم المساعدة عندما يطلب الإسرائيليون والفلسطينيون معا دعمهم.

إن التحالف الإيراني السوري مع حزب الله والميليشيات الشيعية الأخرى (وإلى حد معين حماس) أيضا يهدد الدول العربية السنية، ويساعدنا على بناء الأمن والعلاقات الاقتصادية معها ويفتح فرصة مهمة لبناء علاقة أكثر استقرارًا، لكن هناك خطر قد تفوته إسرائيل من هذه الفرصة هو تجاهل تركيا، على الرغم من كونها لاعبا مهما في الشرق الأوسط، وعدم شملّها في تحالف سني محتمل يمكن أن تقيمه إسرائيل، لا يعتبر أمرا إيجابيا.

خلال المفاوضات الرسمية على تجديد العلاقات الدبلوماسية، عام 2015 طُلب مني من قبل مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، إقامة حوار على مسار ثان لاستكشاف إذا كان الرئيس التركي رجب أردوغان ينوي بعد الاتفاق تحسين العلاقات مع إسرائيل، وبعد مناقشات استمرت أكثر من عام، توصلت إلى أن العلاقات من المرجح أن تتدهور وأوصيت بقطع المحادثات.

تريد الدول العربية التي تسعى إلى التحالف مع إسرائيل تحسين العلاقات الإسرائيلية الفلسطينية في حين أن الدول الأخرى، مثل إيران وتركيا، ستحاول التحريض على العداء بين إسرائيل والفلسطينيين، أو حتى تدريب ودفع ثمن الأعمال الإرهابية، واستخدام القضية الفلسطينية لخدمة تطلعاتهم الإقليمية، وبالتالي يتعين على إسرائيل أن تعمل على الدوام باستراتيجية من خلال تغيير التحالفات، ولكن عموما، سيبقى العامل الحاسم علاقتنا مع الشعب الفلسطيني.

التغلب على الانقسام الداخلي داخل إسرائيل:

إن إيجاد دعم داخلي كافٍ داخل إسرائيل لاستراتيجية بناء السلام مع الفلسطينيين أمر ضروري، إذا كانت إسرائيل ستنهي سيطرتها على الفلسطينيين، وهناك كثير من الحجج القائلة بأن مجتمع المستوطنين في إسرائيل يجعل هذا الفهم مستحيلاً، لكن مجتمع المستوطنين والقيادة الحاخامية الدينية الوطنية ليسوا متجانسين، ويمكن تقسيمهم سياسياً ومفاهيمياً إلى خمس مجموعات: الأولى، تدعم حل الدولتين من أجل تعزيز الهوية اليهودية لإسرائيل، وهي مقتنعة بأن نشاطهم "الريادي" سيساعد إسرائيل على تحديد تقسيم إقليمي أكثر ملاءمة وأمانًا، و تسعى المجموعة الثانية - التي يرأسها بشكل رئيسي رؤساء المجالس الإقليمية - إلى التعاون الاقتصادي والاجتماعي الوثيق مع جيرانها الفلسطينيين، معتبرة أنها مصلحة مشتركة. أما المجموعة الثالثة، التي تتعامل بشكل أساسي مع الجيل الأصغر، فتريد رؤية ما إذا كان من الممكن دمج منازلهم في إقليم دولة إسرائيل المعترف به إقليمياً ودوليًا في اتفاقية مستقبلية، وهناك مجموعة رابعة تعارض بشدة حل الدولتين، لكنها تخبر من يتحدث معها أنه إذا تمت الموافقة على مثل هذا الاتفاق عن طريق الاستفتاء أو الانتخابات، فسيقبلون به. المجموعة الأخيرة هي المتطرفين المتشددين الذين سيقاتلون ضد حل الدولتين في ظل جميع الظروف، وهم أقوياء للغاية على الجبهة السياسية.

هذه التعددية تجعل التحدي السياسي أمام إسرائيل معقدا، تريد المجموعات البراغماتية الثلاثة الأولى، التي قد تدعم حل الدولتين، أن تعرف ما ستحصل عليه في المقابل، قبل أن تلتزم به علانية، وفي نفس الوقت، فإن الجماعتين الأيديولوجيتين المتطرفتين اللتين تعارضان بشدة نموذج الدولتين لهما اليد العليا وتسيطران على الانضباط العام. هناك حاجة إلى ثلاثة إجراءات أساسية: مواصلة الحوار الداخلي مع مجتمعات المستوطنين في السعي إلى التزام مشترك باستراتيجية الركائز الخمس، وإشراك نخبة من المستوطنين والقادة في حوار ثنائي مع الفلسطينيين ونظراء من عرب ومسلمين آخرين، ومتابعة حملة عامة أوسع تستهدف السكان الإسرائيليين والفلسطينيين بشكل عام، دعماً لحل الدولتين، وأنا مقتنع بأن المجتمعات اليهودية في الخارج والجهات الفاعلة الدولية من أنحاء كثيرة من العالم يمكن تعبئتها لتقديم الدعم اللازم.

تطوير شراكة فعالة مع الشعب الفلسطيني:

 

البحث عن أرضية مشتركة مع الفلسطينيين سيكون صعباً، فالعلاقات الإسرائيلية الفلسطينية مثقلة بالأعباء، بسبب روايات متناقضة لعملية السلام وفشل اتفاقات أوسلو. نحن لدينا الحجة الإسرائيلية ونؤمن (ليس بدون سبب وجيه) بأن الحكومات الإسرائيلية السابقة قدمت السلام، وفي المقابل حصلنا على الإرهاب والعنف، بينما الفلسطينيون يستهجنون ويؤمنون (ليس بدون سبب وجيه)، بأن إسرائيل خدعتهم، وفي حين عرضت للوصول إلى السلام، توسعت المستوطنات وتم الحفاظ على الاحتلال بوسائل مختلفة، هذا هو السرد السائد وهو يجعل من الصعب على القيادة السياسية على جانبي الانقسام تبني نهج توفيقي.

للتغلب على هذا، نحتاج إلى إعادة صياغة سرد مشترك للسلام، إذا نظرنا إلى الوراء في تسعينات القرن العشرين - من خلال فيلم وثائقي بعنوان "يوميات أوسلو" - يمكن للمرء أن يرى سردًا مشتركًا لسنوات أوسلو. يستطيع نشطاء "المسار الثاني"، بل ويجب عليهم، أن يكوِّنوا أساسًا لرواية مستقبلية مشتركة، والتي لا شك في أنها ستستمر من خلال اقتراح السلام من جانب الولايات المتحدة وغيرها من القوى الرباعية.

ثانيا: كيف نعيد تمكين مسار أوسلو؟

هناك خمسة مبادئ كانت جزءًا من مفهوم أوسلو الأصلي، الذي قد يكمل هذه العملية ويجعلها ممكنة:

التدرج:

لا يمكن حل النزاع الذي استمر لأكثر من مائة عام في "حل سريع" واحد، سوف يستغرق انتقال منظمة التحرير الفلسطينية من حركة ثورية إلى بناة الدولة بعض الوقت، ولنذكر بأن بناء مؤسسات الدولة الإسرائيلية استغرقـ27 سنة (من 1921 إلى 1948) قبل إعلان الدولة، وعليه، فإن تضميد جروح الماضي سيستغرق وقتاً. علماء السياسة والسياسيون الذين يريدون نتائج سريعة يحتجون على التدرج، بأن المفسدين قد يتسببون في نكسة تلو الأخرى - هذا صحيح - وتؤدي بنا "عملية تحول النزاع" التدريجية إلى أسفل طريق وعر، ومع ذلك، هذا في حد ذاته لا يعني أن "الحل السريع" ممكن.

أثبتت الأدلة مرارًا وتكرارًا أن كل محاولة "لحل سريع" أو "نهج كل شيء أو لا شيء" قد فشلت بشكل متكرر، لقد فشل تفهم بيلين أبو مازن، وفشل عرض سلام رئيس الوزراء أيهود باراك الذي أيده الرئيس بيل كلينتون، كما فشلت محاولة رئيس الوزراء أيهود أولمرت، وكذلك محاولات وزير الخارجية جون كيري، كل هذه المقاربات "كل شيء أو لا شيء"، تسببت فقط في مزيد من اليأس وعززت "المعرفة العامة" على جانبي الانقسام أنه لا يوجد شريك للسلام على الجانب الآخر.

النهج التدريجي صعب، ولكنه قابل للتطبيق، إذا تم دمجه مع العناصر الأخرى المشار إليها هنا، إنه يخدم أيضا مصلحة إسرائيل والحاجة إلى إقامة تعاون أمني فعّال مع الفلسطينيين وجيراننا العرب الآخرين.

تمكين الفلسطينيين وتحويلهم:

يجب على مثل هذا المسار تسهيل التمكين الفلسطيني، وبناء مؤسسات الدولة الضرورية، والبنية التحتية المادية لدولة فلسطين، إن بناء الدولة مهمة ضخمة يمكن أن توفر للجيل التالي من الفلسطينيين الفخر والكرامة والمساعدة في تهميش قوى التطرف، وما من شك في أن مقاربة "الإصلاح السريع" في ظل الظروف الحالية ستخلق "دولة فاشلة"، بالنسبة للشعب الفلسطيني وإسرائيل والدول العربية المجاورة والمجتمع الدولي، وستكون هذه كارثة، هنا علينا العمل معًا لإنشاء دولة فلسطينية ناجحة ومزدهرة ومتجاورة وهو مصلحة مشتركة لجميع الأطراف، ويخلق بوضوح وضعًا مربحًا للجانبين.

التعاون الأمني:

تعاونت قوات الدفاع الإسرائيلي مع قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية بشكل فعّال خلال السنوات العشر الماضية، ومع ذلك، وبدون عملية جدية لبناء السلام، فإن شرعية التعاون الأمني ​​تبدأ تفقد قوتها، ويحتاج القادة إلى بذل كل ما في وسعهم لضمان استمرار التعاون.

التعاون الإسرائيلي الفلسطيني والمصالحة:

كجزء من مفاوضات أوسلو، كتبت "الملحق الثالث" و "الملحق الرابع" من إعلان المبادئ، وتتضمن هذه الوثائق قائمة طويلة للتعاون والمصالحة، و رئيس الوزراء اسحق رابين لم يغير كلمة واحدة، ومع ذلك، لم يتم اتخاذ أي إجراء، أو اتخاذ إجراءات قليلة لتنفيذ هذه العناصر من اتفاقات أوسلو، وفي إطار التحالف من أجل السلام في الشرق الأوسط k(ALLMEP) يوجد حالياً أكثر من 90 منظمة غير حكومية إسرائيلية وفلسطينية، تعمل على إنهاء التشهير المتبادل وتنسيق التعليم من أجل السلام والمشاركة في حوار ديني بين الأديان، وتعزيز التعاون عبر الحدود، وفي العديد من هذه الأنشطة يتم إشراك مجموعات من المستوطنين والقادة والحاخامات، ومع ذلك، لم تقدم حكومة إسرائيل والسلطة الفلسطينية الدعم الاستباقي الضروري، ويمكن لإسهام المجتمع اليهودي في الخارج، بالإضافة إلى المجتمع الدولي، بمشاركة أكبر استباقية وداعمة، أن يُحدث تغييراً حاسماً.

في هذا السياق، قد نتذكر أن الاتحاد الأوروبي قدم دعماً سياسياً ومالياً موسعاً للأنشطة بين الشعوب في أيرلندا الشمالية، الأمر الذي كان له تأثير حاسم للغاية.

دمج السلام في سياق إقليمي أوسع:

من الناحية النظرية، فإن هذا يمثل مصلحة إسرائيلية وفلسطينية مشتركة، وفي حوار غير رسمي مع نظراء فلسطينيين شاركت فيه، تم طلب الدعم الإقليمي على ثلاثة مستويات مختلفة: تطوير التعاون الأمني ​​الإقليمي ضد المفسدين، ودعم جهود بناء الدولة الفلسطينية، وتقديم حوافز سياسية لكل من إسرائيل والفلسطينيين على الطريق إلى الأمام.

الخلاصة

لا شيء من هذا سيكون سهلا. ناقشت في كل من محادثاتي مع نعمة وفي الكتاب، قوى التطرف في كلا الجانبين، وكذلك التطورات الإقليمية التي نشرت رياح الحرب.

غالباً ما تكون المنفعة السياسية قصيرة المدى أكثر قوة من التمسك بالحاجة الإستراتيجية لبلد ما، ومن المناسب سياسيا أن يحرض أحد ضد الآخر، وبواسطة الوسائل الشعبوية، لتقوية القاعدة السياسية الخاصة، من أجل الحفاظ على السلطة، تبدو كل الوسائل مشروعة، حتى لو أدت إلى مسيرة من الحماقة من شأنها إضعاف إسرائيل بلا مبرر، لكن إلى حد كبير، كتابي هو نداء من أجل النشاط السياسي، ويتعلق الأمر بإنشاء إطار يمكنه تمرير ما أسميه "الاختبار الثلاثي "خلق "المفهوم" السياسي الذي يمكن أن تتشاركه أغلبية في إسرائيل، والأغلبية في فلسطين، بناء على مفهوم "التحالفات" الداخلية والثنائية والإقليمية والدولية، وبناء على ذلك خلق "القدرة"، لإحداث التغيير المطلوب".