Menu
حضارة

مجددًا.. في سماء العرب

بوابة الهدف

يتابع العرب الأخبار الواردة بشأن سوريا كما لو كانت أمرًا يحدث في كوكب آخر، وبشأن التحدي المستمر منذ ستينيات القرن الماضي، لا رأي ولا قول لجل النظم والنخب العربية، فتحدي تأمين السماء العربية والمجالات الجوية العربية في وجه الاستباحة المستمرة من الطيران الصهيوني ظل مستعصيًا لسنوات وسنوات، هذا الاستعصاء راح ضحيته الآلاف من أبناء الشعوب العربية ممن قتلتهم طائرات العدو الصهيوني في غاراتها التي لا تنقطع.

أزمة إسقاط الطائرة الروسية في سماء سوريا، تعني حلقة جديدة في هذا المسلسل الطويل، وتعني كذلك اختبار قوي لإرادة روسيا الجديدة، وحقيقة موقفها من حلفائها في المنطقة، وهو ما استجابت له روسيا بتزويد سوريا بترسانة حقيقية من صواريخ (اس ٣٠٠)، قدرت المصادر عددها ب ٦ كتائب صواريخ من هذا النوع (اس ٣٠٠).

صحيح أنها ليست الأحدث في العالم ولكنها أثبت كفاءة عالية في مواجهة الطائرات غربية الصنع، بل إن النسخة الأقدم منها وهي (أس ٢٠٠) نجحت في إسقاط طائرة صهيونية مقاتلة في سماء سوريا مطلع هذا العام، ما يشير إلى ما قد تحدثه وصول هذه النوعية وبهذه الكمية إلى سوريا، والأهم أن تواجد هذه المنظومات الصاروخية في هذه المرة لن يكون بيد القوات الروسية الموجودة في سوريا، بل في يد القوات السورية، وأيّاً كانت المقولات السياسية المعارضة أو الموالية، فإننا أمام حدث على الصعيد الاستراتيجي يمكن فهمه كطفرة مهمة في القوة العربية، والقدرة على مقارعة أعتى أدوات الترسانة الحربية الصهيونية، وهي سلاح جو هذا الكيان.

الأرجح أن الكيان الصهيوني اليوم في مرحلة ندم كبير على مغامرته الحمقاء في الغارة الأخيرة على سوريا، فهذه المنظومات الصاروخية كان قد تأجل تسليمها إلى سوريا في العام ٢٠١٣، بناء على طلب صهيوني من روسيا، وهو ما قبلّته روسيا آنذاك، ولتبيان أهمية هذه المنظومة بالمعنى الاستراتيجي فنحن نتحدث عن قفزة للأمام بنحو ٣٠ عامًا قياسًا بمنظومات الدفاع الجوي المتوفرة لدى الجيش العربي السوري، وعن طفرة عددية كبيرة وبالغة الأهمية.

أعلنت روسيا أيضًا عن إطلاقها لعمل في مجالات التشويش الكهرومغناطيسي قبالة السواحل السورية، وهو ما يعني فعليًا درجة ما من الحظر الجوي على الطيران الصهيوني في المجال الجوي السوري، والذي قد يعتمد في أي غارات مستقبلية محتملة على إطلاق صواريخ محمولة جوًا من طائراته من خارج المجال الجوي السوري، ولكن حتى هذه الصواريخ ستبقى أقل فرصة في الوصول لأهدافها في ظل انتشار المنظومة آنفة الذكر. كل هذا يطرح أسئلة كبرى في السياسة على العرب، حول ما إذا كان التحالف مع روسيا عاد ليشكل ذلك الخيار الذهبي الذي مثله التحالف مع الاتحاد السوفييتي ذات يوم، وحول النفوذ الذي اكتسبه وسيكتسبه الروس بفضل هذا الحضور في سوريا، وحول قدرة سوريا على الانخراط في مواجهات مقبلة مع الكيان الصهيوني في ظل الثوابت السياسية الروسية التي قد تبدو متغيرة ومعقدة كثيرًا في هذا الزمان.