Menu
حضارة

تقريرالجيش الباكستاني وفرادة التحكم بالسلاح النووي

أي مستقبل اانووي الباكستاني

بوابة الهدف - نير راينشتال/معرخوت/ترجمة وتحرير أحمد.م.جابر

[يعرف عن الجيش البري الباكستاني أنه الحالة الوحيدة في العالم التي تسيطر على المجال النووي في أي بلد آخر، حيث يناقش المقال الذي كتبه لواء احتياط في جيش العدو وحامل شهادة دكتوراه: نير رايشنتال، كيف يمكن أن تؤثر حالة سيطرة تامة عسكرية على سلاح نووي بمعزل عن المستوى السياسي على الشرق الأوسط في ظل تقدم إيران في مسعاها النووي حسب الادعاء، وحيث يمكن أن يضع السلاح النووي، الباكستان في موقف لاعب رئيسي؟

يزعم العدو أن اهتمامه بالتسلح الباكستاني يعود لعدة عدة عوامل: أن الخطر في أن هذه الحالة الفريدة يأتي من بلد إسلامي، معاد للكيان الصهيوني ولو شكليا على الأقل، والخشية من وصول عناصر راديكالية معادية للغرب وللكيان إلى قمة القرار النووي الباكستاني، مع ما يعنيه هذا من مخاطر في ظل تطوير الباكستان لسلاح صاروخي قادر على حمل رؤوس نووية، أو امتلاكها طائرات قادرة على ذلك، وكذلك خشية تسرب القدرات النووية وربما المواد والمعدات إلى جهات معادية للغرب وللكيان تلقائيا، في ظل تقارب عسكري وأمني صهيوني مع الهند، التي هي كما هو معروف مسلحة نوويا أيضا وفي حالة حرب مع الباكستان، ومن المعلوم أن التعاون العسكري الصهيوني مع الهند يثير قلقا متناميا في إسلام أباد، ورفع مستوى الحساسية بين الطرفين الصهيوني والباكستاني.

هذا النص مراجعة من وجهة نظر عسكرية صهيونية، للحالة النووية الباكستانية في ظرف خاص، يتمثل في وجود السلاح النووي والسيطرة عليه والتحكم به في هذا البلد بشكل فريد في يد قيادة الجيش، والذراع البري تحديدا، ويناقش النص الحالة التاريخية لباكستان ومخاطر التسلح النووي هناك وآفاق القدرة على السيطرة والتحكم.

تنشر الهدف هذه الترجمة لمقال طويل كتبه اللواء (احتياط) في الجيش الصهيوني د.نير رايشنتال وهو أيضا باحث في مسائل الانتشار النووي. وقد نشرت المادة المترجمة هنا في العدد الأخير رقم 479 من مجلة معرخوت (المعركة) العسكرية الفصلية الصهيونية-المحرر]

في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، أصبح ينظر إلى القدرة النووية، كما لو أنها "سلاح يوم القيامة" وكقوة عسكرية نهائية يمكن لأي دولة امتلاكها، وتشكل قضية السيطرة والتحكم والقيادة للأسلحة النووية وكيفية توفير نظام تشغيل فعال وآمن قضية حاسمة في هذا المجال، وهو أمر مهم في عملية صنع القرار بشأن الهجوم النووي، ولمنع تسرب المواد والتقنيات النووية للأيدي غير المسؤولة، والاستعداد لسيناريو فشل تقني أو فشل مستلزمات السلامة في منشأة نووية، مثل مفاعل نووي مصمم لإنتاج الكهرباء.

ومن المعروف أن البلدان التي حققت قدرة نووية عسكرية أنشأت مجموعة تتحمل المسؤولية الشاملة عن المجال النووي، حتى يتمكنوا من تحمل وزن المهمة، وهي مهمة لها آثار على جوهر بقاء الدولة، وهكذا فلو اختلفت التجربة التاريخية وثقافة الدول النووية وثقافتها التنظيمية إلا أن جميعها تتشارك بالانخراط العالي في القيادة السياسية، جنبا إلى جنب مع الجهود المشتركة من قبل العديد من الهيئات الحكومية لإدارة مختلف الجوانب من المجال النووي (التكنولوجي والعسكري والسياسي والتجاري) من خلال آليات لتنسيق أنشطتها ولجان مشتركة مختلفة وكثيرة (منتديات صنع القرار) في البلدان التي لديها برامج نووية قائمة على شكل ( هيئة حكومية محددة- تكون عادة وكالة الطاقة الذرية-)، وهي المسؤولة عن التقدم العلمي والتكنولوجي النووي.

في المقابل، باكستان، الدولة الوحيدة في العالم، التي اختارت مسارًا مختلفًا، حيث الذراع البري للجيش الباكستاني هو العامل المسيطر المسؤول عن المجال النووي وليس القيادة السياسية المدنية، بينما في البلدان الأكثر قدرة تووية مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين، فإن الطبقة العليا في القوات المسلحة تشارك في عملية صنع القرار النووي، مع التأكيد على مسؤولية وسائل حمل وإطلاق (الطائرات المقاتلة والصواريخ أرض أرض، والغواصات)، بينما القرار النهائي يبقى في يد المستوى السياسي.

في الباكستان تحتكر القيادة البرية السيطرة على المجال النووي، بما في ذلك الجوانب المدنية من هذا المجال كالبحث العلمي ومفاعلات توليد الطاقة الكهربائية. ويُظهر الوضع الفريد لنظام القيادة العسكرية في باكستان علامات تساؤل فيما إذا كان هذا البلد قادرا على الاحتفاظ بأمان الأسلحة النووية في مواجهة التهديدات ضدها، في الوقت الذي تنخرط الباكستان في صراع نشط ومطول مع الهند النووية بدورها، حول قضية السيادة على منطقة كشمير، وبدون آليات فعالة لبناء الثقة المتبادلة لتقليل مخاطر المواجهة النووية ، مثل" الهاتف الأحمر " الذي خدم واشنطن وموسكو خلال الحرب الباردة، بحيث سيكون هناك فشل في فهم النوايا قد يؤدي إلى أزمة نووية. يمكن أن يحصل ذلك أيضا نتيجة للاصطدامات المحلية، مثل المواجهة العسكرية على الحدود في منطقة كشمير، كما حدث في عام 1999، أو من هجوم إرهابي ضد هدف رئيسي في الهند (على سبيل المثال، هجوم منظمة إرهابية باكستانية على مومباي في نوفمبر 2008).

وﺗﺘﻌﻠﻖ التهديدات الخطيرة أيضا ﺑﺈﻣﻜﺎﻧﻴﺔ اﻟﻮﺻﻮل إﻟﻰ المسؤولية عن البرامج النووية، من العديد من المنظمات "الإرهابية" في باكستان، والاحتمال الآخر هو وصول نواة العاملين في الفريق العلمي إلى آراء راديكالية وعداء تجاه الغرب، وهذه ليست سيناريوهات نظرية: فقد قدم العلماء النوويون السابقون بضاعتهم في اجتماع مع بن لادن، قبل أسابيع قليلة من الحادي عشر من سبتمبر، وتعامل أحد قادة البرنامج النووي، عبد القدير خان، مع دول تسعى للانتشار النووي مثل إيران وكوريا الشمالية.

لهذه الأسباب فإن المخاوف بشأن درجة السيطرة الباكستانية على القضية النووية آخذة في التزايد حتى في مواجهة عدم الاستقرار الداخلي: صراع عنيف بين مختلف الجماعات العرقية والدينية، والمصاعب الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة، وتغيرات المناخ والتصحر، ونقص مياه الشرب المتاحة، ما يهدد أكثر من 200 مليون شخص ينمون أصلا بوتيرة سريعة.

هل كان الوضع الفريد الذي نشأ في باكستان، من نظام السيطرة العسكرية على المجال النووي، هو موقف مرغوب فيه؟ هل القوات البرية منظمة؟ وهل تتحمل مسؤولية اتخاذ سلوك متوازن؟ وهل يمكن أن تستخدم الأسلحة النووية؟ وهل تحتوي قيادتها على عناصر إسلامية متشددة ينظرون إلى السلاح النووي كأداة في تحقيق تطلعات راديكالية ضد الغرب؟ و هل الخصائص العسكرية في نظام السيطرة الباكستاني يسمح بتسرب المساعدات النووية إلى الأنظمة الخطيرة التي تقودها شبكة خان، أو بالأحرى سيناريوهات أسوأ، مثل بيع الأجهزة المتفجرة والأسلحة النووية للدول والمنظمات الإرهابية؟

هذه المادة سوف تدرس خصائص نظام التحكم النووي، وما إذا كانت هذه تساعد أو تضعف قدرة باكستان على تنفيذ السياسات الخاصة بالأسلحة النووية، والتعامل مع الأخطار الكامنة التي تشكلها دولة نووية.

مصادر القوة العسكرية

من أجل فهم سبب سيطرة القوات البرية على البرامج النووية في باكستان، أولاً، يجب توضيح أن الجيش هو المنظمة المهيمنة ويتم توجيه معظم موارد البلد في تطوره.

كانت القوات البرية مسيطرة دائما في الباكستان حيث نفذت تقريبا على مدى نصف عمر الدولة ثلاثة انقلابات عسكرية، نُفذت تقريبا بدون مقاومة داخلية. وأدت هذه الانقلابات إلى فترات طويلة من الحكم العسكري: من 1958 إلى 1971، ومن 1977 إلى 1988 ومن ثم 1999-2007، وخلال فترات الحكم المدني تم النظر إلى الجيش كـ "صانع ملوك"، فكل قائد منتخب في باكستان يعتمد على الجيش، حتى لا يتم عزله في انقلاب عسكري ، مثال على ذلك العلاقة المعقدة بين الجيش ورئيس الوزراء الباكستاني حتى وقت قريب، نواز شريف، الذي اُضطر للاستقالة في يوليو 2017 بتهمة الفساد بعد أن تمت مقاطعته من قبل الجيش، وفترته الأولى (1990-1993) انتهت تحت ضغط من الجيش، وأجبر على إجراء الانتخابات في وقت مبكر. وتم إنهاء فترته الثانية (1997-1999) بانقلاب عسكري، الأمر الذي أدى إلى سجن شريف وأخيراً إلى طرده لعدة سنوات.

تنبع قوة الجيش الباكستاني إلى حد كبير من عملية التأسيس الصدامية، حيث تأسست باكستان في أغسطس 1947، بعد أسابيع فقط من القرار البريطاني بمغادرة شبه القارة الهندية، وشملت المناطق المتخلفة من البنغال والمقاطعات الغربية الفرعية على بعد ألف ميل تقريبا وكانت السيطرة على هذه المناطق الفضفاضة صعبة بغياب البنية التحتية الهامة أو الأنظمة الحكومية. كما أدت عملية التقسيم وإنشاء الهند وباكستان إلى نشوب صراعات بين المجتمعات الإسلامية والمجتمعات الهندوسية في جميع أنحاء شبه القارة الهندية، قتل خلالها مئات الآلاف وفر الملايين إلى أحد البلدين. في غضون بضعة أشهر من الاستقلال، تم جر باكستان لصراع مستمر مع الهند حول مستقبل منطقة كشمير، بعد أن سعت الباكستان للاستحواذ بالقوة على الإقليم المتنازع عليه.

في واقع كهذا، كان الجيش هو التنظيم المركزي الذي يعمل بكفاءة، وسرعان ما أصبح العمود الفقري للدولة الجديدة. أيضا على عكس بقية مؤسسات الدولة، كان للجيش موارد كثيرة من المعسكرات والقواعد العسكرية التي كانت بمثابة جزء من نظام الدفاع الغربي للهند البريطانية ضد عدوان قبائل أفغانستان وخطر التوسع الروسي.

بعد عقد واحد فقط من الاستقلال، استولى الجيش على الباكستان لأول مرة، ومع تدهور في الاستقرار والفراغ الداخلي الذي خلفه موت مؤسس الدولة، محمد علي جناح، واغتيال أول رئيس وزراء، علي خان، سمح وضع الجيش القائم، أن يتمتع بالأفضلية في تخصيص الموارد الحكومية حيث أن ميزانية الدفاع السنوية هي أكبر حصة في ميزانية الدولة. وبحلول عام 2018، نمت الميزانية إلى أكثر من 9 مليارات دولار و في نفس الوقت، يسيطر الجيش على حوالي 20 في المئة من ميزانية الدولة، وعلى إمبراطورية اقتصادية يتم توجيه عائداتها فقط إلى الاحتياجات العسكرية. ولأولئك  الذين يخدمون في الجيش وعائلاتهم حيث يتمتعون بشروط الخدمة في المستشفيات والمدارس بشكل معزول عن صعوبات الحياة المدنية، حيث حوالي ثلث الباكستانيين أميين، ويحصل الثلث على أقل من 4 دولارات يوميا، في علاقة عكسية مع وضع الجيش والقيادة المدنية، حيث لاتزال في وضع غير موات، ولها مساحة عمل محدودة، وغالبا ما تفشل في اتخاذ القرارات الرئيسية، كما أن الوزارات والهيئات الحكومية تتميز بمستوى منخفض من الاحتراف، ويعمها الفساد وعلى مر السنين، فيما فشلت القيادة المدنية في محاولاتها للحد من تأثير الجيش.

السيطرة العسكرية على النووي - الوضع المفضل

يبرز الجيش البري على أنه يملك أفضل قدرة لصنع قرارات بشأن المجمع النووي، ومسؤول عن النظام التشغيلي ويعود نجاح الجيش والحراسة الصارمة للأسلحة النووية إلى مبادئ القيادة وعمل الموظفين، الذي ورثه من الجيش الهندي البريطاني، حيث كبار ضباطه على صلة بعمليات التفكير وتنظيم الجيوش الحديثة، و كثير من كبار الضباط، بما في ذلك رؤساء أركان الفروع العسكرية خضعوا للتدريب في المؤسسات القيادية للدول الغربية مثل الولايات المتحدة وبريطانيا.

في هذا السياق، لدى الجيش هيئات موظفين ومراكز تفكير ذات رؤية شاملة، من القادرين على إجراء عملية شاملة ومعمقة لصياغة الاستراتيجيات وترجمتها إلى السياسة والنشاط التشغيلي. ويشكل فرع العمليات العسكرية البرية الجناح المركزي لهيئة الأركان العامة، والتي تنسق عمل موظفيه وعمليات التخطيط العسكري.

وبسبب هيمنة القوات البرية في ملفات الأمن القومي، فإن شعبة العمليات تتعامل أيضا مع المواضيع التي تحيد عن المجال العسكري الواضح، مثل تشكيل مفهوم الأمن القومي وتحديد أهداف السياسة الخارجية لباكستان، مع إشراك فرع المخابرات العسكرية والمخابرات العامة وعدد صغير من الهيئات البحثية المرتبطة بمؤسسة الدفاع.

في المجال النووي، أنشأ الجيش نظامًا للإشراف والرقابة على البرنامج النووي حيث يقوم مقر القوات البرية بإدارة الهيئة ومقر مكافحة الإرهاب وإدارة التطوير، ما ساعد القيادة العليا في ترجيح المكون النووي في عمليات صنع القرار.

في تسعينات القرن الماضي، تخلت باكستان عن سياسة الغموض النووي، كان هذا هو الأساس لقرار باكستان بالرد في مايو 1998 على قرار الهند، إجراء اختبارات نووية، و قرر الجيش تطوير برنامج صاروخي مسلح برؤوس نووية رداً على الولايات المتحدة في عام 1990، التي قررت فرض عقوبات على باكستان، وإلغاء صفقة تزويد القوات الجوية ب مقاتلات F-16 إضافية، والتي كان من المقرر استخدامها كوسيلة رئيسية لحمل أسلحة نووية. بالإضافة إلى ذلك، انعكست القدرات التنظيمية للجيش على نجاحه في التأسيس لترسانات تشغيلية لاستخدام الأسلحة النووية، حيث تم في القوات البرية تأسيس كونسورتيوم مسؤول عن إرسال أسلحة نووية إلى سلاح الجو، وتم نقل أسراب تحمل القدرة على صنع أسلحة نووية (بما في ذلك طائرات مقاتلة من طراز F-16 وميراج) تحت قيادة جوية استراتيجية، وتم افتتاح قيادة بحرية جديدة لغرض مماثل عام 2012، ولم يكن في هذه المرحلة، قد اكتمل بعد تطوير قدرة إطلاق الأسلحة النووية من السفن. حتى فيما يتعلق بالقدرة على التنقل وتحديد الأمور الاستراتيجية، تملك القوات البرية مزايا متميزة، وبحكم أنه سيطر على البلاد لفترات يتمتع الجيش بخبرة واسعة في إدارة الأمن القومي لباكستان، وفي هذا الإطار، كانت المستويات العليا للقوات البرية تتعامل منذ عقود مع بيئة استراتيجية معقدة وعنيفة وعدائية.

على الساحة الدولية، يواجه الجيش ضغوطاً أمريكية لتجنب تقويض الاستقرار في أفغانستان وكشمير وفي الوقت نفسه مطلوب منه الحفاظ على التحالف مع الصين لدعمها للمساعدة الأمنية الإستراتيجية، حيث أن روسيا، القوة المؤثرة الأخرى في المنطقة، قريبة من الهند ولديها حساب سيء مع الجيش الباكستاني لدعمه للولايات المتحدة خلال الحرب الباردة والقتال الذي أدى إلى فشل الاتحاد السوفيتي في أفغانستان.

بالإضافة إلى ذلك، يُطلب من الجيش أن يتصرف بحذر تجاه المملكة العربية السعودية – ومزاوجة ذلك مع الوسائل التي تتيح التصدي للحركات الراديكالية التي تتبنى تفسيرا إسلاميا محافظا. وأثبت الجيش قدرة داخلية على تحديد الفرص لتحسين ظروفه بشكل ملحوظ في التنمية الاستراتيجية لباكستان، وقد قرر رؤساء الجيش الانضمام إلى الولايات المتحدة، في مرحلتين حاسمتين في تاريخ باكستان: في الثمانينيات دعموا جهود العصابات لإخضاع الإمبراطورية السوفييتية الغازية في أفغانستان، وبعد الهجمات الإرهابية في 11 سبتمبر 2001 غيروا سياستهم وساعدوا في إنهاء حكم حركة طالبان، حليفهم في أفغانستان، التي وفرت الحماية لقيادة القاعدة.

في مقابل دعمها، نجحت باكستان في دفع رغبتها في تحقيق التوازن مع الهند، بناءً على الرغبة الأمريكية في القبول بها بحكم الواقع كدولة نووية، ونقل المساعدات الأمريكية على نطاق واسع لتحتل المرتبة التالية لإسرائيل ومصر.

تم التعبير عن مزايا القوى البرية في إدارة الشؤون الإستراتيجية، حتى في إضفاء الطابع الداخلي على مسؤوليتها في السيطرة على الأسلحة النووية، بامتناع الجيش عن التحركات والتهديدات الاستفزازية في السياق النووي، بما في ذلك: رفع حالة التأهب النووي، وخاصة نقل عبوات ناسفة من مواقع التخزين و أنظمة التغليف النووي من الطائرات المقاتلة، كان هذا صحيحا في فترات التوتر مع الهند، كما هو الحال في صراع كشمير في ربيع عام 1999 ("أزمة كارغيل")، وفي ضوء الانتشار العسكري للهند ضد باكستان في أعقاب الهجمات الإرهابية في مومباي في نوفمبر 2008 وعلى والبرلمان الهندي في ديسمبر 2001. وخضعت باكستان لسلسلة من الضغوط والنقد من الولايات المتحدة والدول الغربية، فيما يتعلق بدرجة السيطرة على الأسلحة النووية، ولهذا قام الجيش بعملية إصلاح تنظيمي لتوسيع نظام الرقابة والتحكم، يتيح لباكستان تقديم نفسها كدولة نووية مسؤولة وفي هذا الإطار، تم إنشاء شعبة التخطيط الاستراتيجي لرؤساء الأركان المشتركة التي أنشئت كهيئة مقر مسؤولة عن جميع الجوانب في المجال النووي. بالإضافة إلى ذلك، تم إنشاء منتدى وطني NCA لاتخاذ القرارات في المجال النووي، والذي يشمل الطبقة العليا من القيادة السياسية ورؤساء الفروع العسكرية، ومع ذلك، تظل القوات البرية العامل المسيطر في صنع السياسة حول القضية النووية: حيث يرأس المنتدى جنرال من الجيش البري، ومن الناحية العملية نادرا ما يجتمع NCA ، فعلى سبيل المثال، عقد NCA اجتماعا في ديسمبر 2017، بعد عامين على اجتماع سبقه، وهكذا، في فبراير 2016، ومنذ التأسيس الرسمي لل NCA في فبراير عام 2000، عقد 23 مرة فقط.

بالإضافة إلى ذلك، أظهر الجيش الباكستاني القدرة على تنظيم وتطوير الترسانة النووية في ضوء التهديد المتزايد من الهند. في هذا السياق، فإن موظفي الجيش يرون أن الردع النووي قد يقصر المواجهة العسكرية، لمنع هزيمة باكستان وخضوعها للإملاءات الهندية في المفاوضات لإنهاء الحرب، لكن هذا الردع لا يلغي الضعف الذي تعاني منه باكستان بافتقارها إلى العمق الاستراتيجي فالنقاط المركزية الحيوية لباكستان (المدن الكبرى، البنية التحتية الرئيسية، القواعد العسكرية، والمرافق) تقع بالقرب من الحدود وتتعرض للهجوم من الهند التي تتمتع بتفوق في القوة العسكرية، حيث أن باكستان ليس لديها قدرة عسكرية تناسب سيناريو حرب تقليدية ترد على غزو محتمل هندي قادر على فرض عنصر المفاجأة، حتى قبل أن تنجح الباكستان في إجراء الاستعدادات لاستخدام الأسلحة النووية، لذلك، تبنى الجيش مفهومًا تم صياغته في مركز التحكم في المجال النووي عبر السعي وراء الغموض النووي كعنصر رئيسي في الردع. لذلك فإن باكستان لا تكشف عن مذهبها النووي، الذي من المفترض أن يتم عبره تحديد أهداف القدرة النووية والسيناريوهات التي يمكن عبرها التعبير عن هذه القدرة فيها.

في هذا السياق، ترفض باكستان، على عكس الهند الالتزام بعدم البدء باستخدام للأسلحة النووية في نزاع تقليدي، وتمتنع عن توضيح الخطوط الحمراء الملموسة التي ستؤدي إذا عبرتها الهند لاستخدام الرد النووي وكوسيلة أخرى للالتباس، تعلن باكستان أهدافًا طموحة لخططها الخاصة بالتنمية النووية، وتقدم رادعا نوويا شاملا. فخلال مؤتمر أكاديمي في إسلام آباد في ديسمبر 2017، سمح مدير عام قطاع الخطط الإستراتيجية للجيش الباكستاني الفريق المتقاعد خالد كداوي، بإلقاء نظرة على العناصر الرئيسية المدرجة في المفهوم النووي المحدث، الذي يرشد تطوير البرامج النووية في باكستان:

1- القدرة على مهاجمة جميع أراضي الهند، بما في ذلك جزر نيكوبار وأندامان، في خليج البنغال، والتي تبعد أكثر من 700 كيلومتر من الحدود الباكستانية (حيث تشتبه باكستان في أن الهند تطور صواريخ نووية هناك).

2- ترسانة نووية واسعة بما يكفي لضمان نجاح الهجوم النووي، حتى بعد محاولة الهند تدمير القدرات النووية الباكستانية.

3- التجهز بمجموعة متنوعة من القدرات النووية للاختيار من بينها (بدائل) من ضرب المراكز الحرجة في المناطق النائية الهندية إلى (استخدام تكتيكي في ساحة المعركة)، والتغلب على أنظمة الدفاع .

4- تطوير الأسلحة النووية التكتيكية مع قذائف المدفعية، صواريخ، غواصات لضربة نووية ثانية،

ومع ذلك، من المشكوك فيه ما إذا كانت باكستان ستنفق بالفعل الموارد والمبالغ الهائلة اللازمة لتطوير كل وسائل الإطلاق.

"الزر الأحمر" للجيش: ما هي المخاطر

تتمتع القوات البرية بمهارات وخبرات تنظيمية في مجال التنقل في المسائل الأمنية والسياسة الوطنية والنووية لباكستان، وكان نهجها حذرا و يحظى باحترام كبير من قبل الخبراء في القضية النووية، التي تتصل بالجيش الباكستاني كطرف مسؤول.

في ظاهر الأمر، فإن نظام الإشراف العسكري على المجال النووي هو الوضع المفضل حيث السيطرة المركزية من قبل هيئة مهنية هي الأفضل للحؤول دون من العديد من المخاطر والأعطال بسبب فشل التنسيق أو النوايا المتنافسة، بالإضافة إلى ذلك، فإن منظمات الإدارة المدنية قد تعاني من الفساد والتعيينات السياسية )في الواقع، فإن الوضع في باكستان على وشك فقدان السيطرة على القدرات النووية - تسليم غير مرخص للأسلحة النووية من قبل العناصر الإسلامية المتطرفة أو عن طريق نقل المواد والمكونات إلى المنظمات الإرهابية)، حيث يصبح الهدف هنا هو تقليل المخاطر، لا سيما بسبب الوضع الأمني ​​في باكستان وعدم الاستقرار الداخلي، لذلك، يبدو أن سيطرة الجيش على الأسلحة النووية هي الخيار المُفضل.

ومع ذلك، فإن سيطرة القوات البرية على المجال النووي يخلق مخاطر لايمكن تجاهلها حيث أغرق الجيش عدة مرات البلاد في أزمات وطنية، وكانت أسوأ أزمة في عام 1971، حيث تسببت القيادة العسكرية برئاسة قائد القوات البرية، الجنرال يحيى قاد خان بحرب أهلية، وهزيمة عسكرية على يد الهند وتفكك البلاد واستقلال بنغلاديش، وكذلك "أزمة كارغيل" في عام 1999، حين شرع الجيش في تحرك للاستيلاء على الأراضي المتنازع عليها في كشمير ما سبب خطر مواجهة نووية مع الهند ومقتل مئات من الجنود الباكستانيين، وتعرضها لعزلة دولية.

أزمة 1971: تصورات زائفة تؤدي لسلسلة من القرارات الكارثية

كانت العلاقات بين جزأي البلاد معقدة منذ إنشائها، فباكستان من الناحية العملية، تسيطر عليها المجموعة العرقية الأكثر هيمنة في غرب باكستان – البنجاب- الذين استبعدوا البنغاليين، الذين يعيشون في الجزء الشرقي من شبه القارة، من مراكز السلطة في البلاد، هذا على الرغم من أن البنغال كانوا الأغلبية الساحقة في شرق باكستان، المجموعة العرقية الأكبر.

وقد وصل التوتر مع شرق باكستان إلى الذروة في الانتخابات العامة التي أجراها الجيش في ديسمبر 1970، مع فوز الحزب البنغالي الانفصالي في الانتخابات. وقد فشلت مجموعة الجنرالات بقيادة الحاكم العسكري، رئيس الأركان يحيى خان في فهم الآثار الواسعة لإجراءاته، حيث أدت الانتخابات إلى تفاقم التوترات العرقية وأجبرت الجيش على السيطرة على البرلمان، ومنع نقل السلطة إلى الأقلية البنغالية المرفوضة.

أدى القرار المتعجل بقمع البنغال بوحشية إلى حد القيام بنوع من الإبادة الجماعية، إلى تمرد عنيف وعمليات حرب العصابات، وتشير التقديرات إلى أن الوحدات العسكرية الباكستانية، كانت وراء قتل مئات الآلاف في غضون بضعة أشهر، بما في ذلك مذابح سكان القرى والاغتصاب الجماعي والقتل المنهجي للمفكرين.

وفر 10 ملايين من السكان إلى الهند المجاورة وأصبح حوالي 30 مليون شخص نازحين من منازلهم، وبدأت مواجهة عسكرية مع الهند بسبب دعمها السري للبنغال، بما في ذلك شن هجوم جوي على القواعد الجوية في الهند التي استوحتها الباكستان من عملية "موكيد" الإسرائيلية الاستباقية في بداية حرب 1967، وأدت إلى استسلام غير مشروط للبنغال وفي النهاية تفكك الباكستان.

أزمة كارجيل 1999: سوء الفهم للتغييرات في البيئة الاستراتيجية

في عام 1999، حاولت مجموعة من الجنرالات بقيادة رئيس الأركان، بارفيز استغلال ميزة عسكرية تكتيكية لتحقيق النجاح الاستراتيجي، لتحسين موقف باكستان من المساومة حول مستقبل منطقة كشمير، ومع ذلك، فشل الجنرالات في استيعاب التغيير في قواعد اللعبة، وإدراك حجم القلق الدولي بعد التجارب النووية عام 1998، من اندلاع حرب شاملة في شبه القارة الهندية، ما من شأنه أن يضع باكستان على المحك في عزلة وتحت ضغط لسحب قواتها، بضغط مشترك من الولايات المتحدة والصين.

على الرغم من أن ما يقرب من ثلاثة عقود تفصل بين الفشلين إلا أنهما متشابهان، ففي كلتا الأزمتين كانت النتائج هي نتيجة تفكير خاطئة وتصورات خاطئة تجاه البيئة الإستراتيجية، ورفض السماح لمواقف وآراء إضافية خارج القوات البرية للتأثير في عملية صنع القرار والتخطيط التشغيلي.

في أزمات في عام 1971 و 1999، تم صنع القرار من قبل مجموعة صغيرة من كبار الضباط، تعمل على أساس من الخطط التشغيلية والافتراضات بطريقة عمل قديمة، دون استيعاب التغييرات الهامة في الواقع الاستراتيجي الإقليمي والدولي، وحتى في النظام الباكستاني.

نقص في الدروس والركود

التعامل مع الجيش البري وفشله لا يبشر بالخير بالنسبة لتعامله مع المجال النووي، لأن الجيش يتجنب عملية الإنتاج المنظمة لدروس التجارب، حسب النتائج التي خلصت إليها لجنة التحقيق الرسمية في أعقاب الأزمة في عام 1971، والتي تم تأجيلها وعدم تصديرها للرأي العام، وبقيت اللجنة الأولى سرية حتى اليوم، بينما تم الكشف عن التقرير التكميلي من قبل وسائل الإعلام الهندية بعد ثلاثة عقود.

أحد أوجه الفشل الرئيسي الذي أشارت إليه اللجنة حول الأزمة في عام 1971، والتي برزت أيضا خلال أزمة كارجيل في عام 1999، هو التنسيق الخطأ بين القوات البرية والقوات الجوية والبحرية الباكستانية، ففك الارتباط بين الجناحين البري والبحري كان شديدا لدرجة أن القيادة البحرية الباكستانية علمت بحدوث الصراع عام 1971 من الإذاعة الهندية، و نتيجة لذلك، فإن البحرية لم تكن مستعدة لوقف الحصار البحري الهندي لباكستان، أو لنقل الإمدادات إلى القوات في الجزء الشرقي. وفي أزمة كارجيل تم استبعاد القوات الجوية من الخطط التشغيلية، وبقيت القوات البرية بدون تغطية جوية فعالة.

في منتصف السبعينيات، بدأ رئيس الوزراء ذو ​​الفقار علي بوتو إصلاحا شاملا لمؤسسة الدفاع، وأنشأ آليات للتنسيق، و أنشأ مقر هيئة الأركان المشتركة، ويتضمن المنتدى الذي أنشأه رؤساء الجيش ومع ذلك، فإن آليات للتنسيق صبت في مصلحة هيمنة الجيش البري من جديد، وشكك الجيش في قدرة الرئيس على إدارة الدولة، وأدى قيامه بالانقلاب على القيادة المدنية إلى عدد كبير من المواجهات والإذلال لرؤساء الوزراء المتتالين، بما في ذلك في السنوات الأخيرة.

أوجه القصور في إشراك المؤسسة المدنية في مسائل الأمن القومي كما يتم التعبير عنها في المجال النووي.

تفتقر المؤسسة المدنية إلى الخبرة والمعرفة العميقة في هذا المجال، حيث يعتمد المستوى السياسي بشكل كامل على الجيش في الشؤون النووية، وهو الذي يسيطر على المعلومات والمؤسسة النووية، ولا يستطيع رئيس الوزراء ولا وزراءه زيارة المنشآت النووية أو مقابلة رؤساء البرنامج النووي دون إذن من الجيش، وليس هناك موظفين مدنيين، يمكن أن يساعدوا في عملية صنع القرار، والمنتدى الوطني حول القضية النووية (NCA)، الذي ترأسه القيادة السياسية، ليس سوى مصادق صوري على ما يريد الجيش ترويجه.

ميل نحو التفكير الجماعي والدوغماتي في صنع القرار النووي

إن هذا الواقع يضع مصير عشرات الملايين في شبه القارة الهندية في أيدي مجموعة الجنرالات الذين يحملون "زر" السلاح النووي، ومع ذلك، فإن الثقافة التنظيمية للقوى البرية تقلل من هذا الاحتمال، لأن قرار رئيس هيئة الأركان بإطلاق أسلحة نووية سيواجه معارضة هامة، ورغم وزن رئيس هيئة الأركان، إلا أن الجنرالات منخرطون في المجال النووي، وهم شركاء مقربون، لذلك فإن من المتوقع أن يكون القرار بالإجماع في الإقدام على هذه الخطوة الدرامية.