Menu
حضارة

حق العودة ومواجهة الاستراتيجية الأمريكية– الصهيونية لتصفيته (ج1)

جانب من تظاهرة لموظفي الاونروا ضد التقليصات- أرشيف

غزة_ خاص بوابة الهدف

ما هو الأساس القانوني المباشر لحق العودة؟

-يستند حق العودة إلى القرار الرقم 194 الذي تبنته الجمعية العاملة للأمم المتحدة في دورتها الثالثة بتاريخ 11 كانون الأول 1948، وتتضمن إنشاء لجنة توفيق تابعة للأمم المتحدة، وتقرير وضع القدس في نظام دولي دائم وتقرير حق اللاجئين في العودة إلى ديارهم.

ما هي الحقوق المترتبة على هذا القرار؟

-يترتب على هذا القرار وفقاً للمادة 11 ثلاثة حقوق أساسية:

أولاً: حق العودة إلى الأماكن التي أجبروا على مغادرتها، وهو يشمل اللاجئين المهجرين إلى خارج فلسطين، أو أولئك الذين أرغموا على اللجوء إلى مناطق أخرى داخل الأراضي المحتلة في العام 1948، أو إلى الضفة الغربية وقطاع غزة، وهي المناطق التي لم يشملها الاحتلال في 1948.

ثانياً: حق استعادة الممتلكات أو الملكيات الخاصة بلاجئي 1948 العائدين إلى "ديارهم" اي إلى بيوتهم. وتم تاكيد هذا الحق في ورقة عمل سكرتارية الأمم المتحدة في آذار 1950 بتوضيح أن هذا الحق "العودة إلى بيوتهم". وجددت الجمعية العامة التأكيد على حق استعادة الممتلكات في قرار صدر في العام 1974 يشير إلى "حقوق الفلسطينيين غير القابلة للتصرف في العودة إلى بيوتهم وممتلكاتهم التي طردوا منها".

ثالثا: حق التعويض: وهذا الحق ينص على منح تعويض نقدي عن خسارة الأملاك الخاصة أو المفقودين أو المصابين . وهو يشمل فئتين من اللاجئين:

-الفئة التي تقرر العودة حيث يحق لها الحصول على تعويض كامل عن فقدان الأملاك الخاصة التي تعرضت للتدمير أو التلف.

-الفئة التي قد تختار طوعاً عدم ممارسة حق العودة إلى ديارها واستعادة أملاكها. ويحق لهذه الفئة الحصول على تعويض كامل عن كل أملاكها سواء أصابها التلف والتدمير أم لا.

هل يسقط هذا الحق بمرور الزمن؟

-إن حق العودة المتضمن في القرار 194 لا يسقط بتقدم الزمن لأنه حق فردي يعني كل لاجئ تم طرده بمفرده، وحق جماعي يتعلق بشعب طرد من أرضه. وقد اكتسب هذا الحق قوة معنوية وعرفية على مدى سنوات الأزمة التي ما تزال قائمة باستمرار عدم إيجاد حل للقضية الفلسطينية، حيث أن الجمعية العامة للأمم المتحدة واظبت على مدى السنوات التي تلت صدور القرار 194، على إعادة التأكيد عليه. وقد أصبح هذا الحق ذا قوة أكبر منذ العام 1974 عندما صارت القضية الفلسطينية تطرح في الأمم المتحدة تحت بند "حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره". وفي تشرين الثاني 1975 أصدرت الجمعية العامة القرار 3376 الذي أنشأ اللجنة الخاصة بممارسة الشعب الفلسطيني حقوقه غير القابلة للتصرف.

-أكدت هذه اللجنة في تقاريرها على ربط حق العودة بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني. وورد في أحد التقارير أن "الحقوق الغير قابلة للتصرف للشعب الفلسطيني لا يمكن أن تمارس إلا في فلسطين"، وأن "ممارسة الحق الفردي للفلسطيني في العودة إلى بلده الأصلي تشكل شرطاً لا بد منه لممارسة هذا الشعب حقوقه في تقرير المصير والاستقلال والسيادة القومية".

ما هي المواثيق الدولية التي تدعم حق العودة؟

إن حق العودة لا يقتصر على القرار 194 بل إنه يستند إلى مجموعة من المواثيق الدولية، خاصة أن "حق العودة في القانون الدولي المعاصر يشمل جميع ضحايا الأبعاد القسرى عن الوطن". وأهم المواثيق الدولية التي تدعم حق العودة هي:

- الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948).

- المعاهدات ذات العلاقة بوضع اللاجئين (1951) وبروتوكول عام 1967.

- المعاهدة الدولية للحقوق المدنية والسياسية (1966)

- معاهدة إزالة جميع أشكال التمييز العنصري (1965).

- المعاهدة للحقوق الاقتصادية الاجتماعية والثقافية (1976).

- المعاهدة الإفريقية حول حقوق الإنسان والشعوب (1981).

- المؤتمر الأمريكي لحقوق الإنسان والحريات الاساسية (1969).

- الإعلان الأمريكي لحقوق الفرد (1948).

- المعاهدة الأوروبية لحماية حقوق الإنسان والحريات الاساسية (1950).

- المؤتمر الخاص بالسكان والقبائل الأصليين في الدول المستقلة (1991).

- معاهدة جنيف الرابعة (1949).

- مواثيق حقوق الإنسان حول تنمية المهجرين (1997).

اللاجئون الفلسطينيون وحق العودة

أولًا/ حول تعريف اللاجيء :

  1. لقد جاء في المادة 1، الفقرة 2، من القانون الأساسي لمنظمة الوحدة الإفريقية لسنة 1969 أن " لفظة لاجيء تطلق على أي إنسان اضطر إلى مغادرة مسكنه الوطني واللجوء إلى مكان آخر خارج مسكنه الأصلي أو الوطني وذلك بسبب عدوان خارجي أو احتلال أو هيمنة أجنبية، أو بسبب حوادث تخل إخلالا خطرا بالنظام العام، إما في جزء وإما في جميع أرجاء مسكنه الأصلي أو الوطني".
  2. أما ميثاق أوروبا في تعريفه لوضع اللاجيء فهو يركز على أولئك "الذين لا يستطيعون أو لا يودون.. لأسباب شتى العودة إلى وطنهم.." .
  3. بيان قرطاجنة الصادر عن منظمة الدول الأمريكية سنة 1985 تعريف للاجئين يشبه التعريف الصادر عن منظمة الوحدة الإفريقية.

إن المنحى الذي اتبعه قانون اللاجئين أثر الحرب العالمية الثانية، لم يتجه نحو التعويض بقدر ما اتجه نحو:

-توفير مسكن جديد للإنسان الذي انتزع من مسكنه، اي نحو إعادة الاستيطان.

-نحو الاعتراف بالحاجة إلى حماية مثل اولئك الاشخاص من الاضطهاد، إما في بلد لجوئهم وإما في بلدهم الاصلي في حال ارغموا على العودة اليه .

هذه إذن الأطر العامة التي ما زالت تحدد النقاش الدائر حول اللاجئين والمهاجرين في اوروبا الغربية، وقبل ذلك في الحملة الهادفة إلى ارغام الاتحاد السوفيتي السابق على السماح للمواطنين اليهود بالهجرة إلى إسرائيل.

ثانياً/ اللاجئون الفلسطينيون وأهمية القرار 194:

تاريخياً، كان التركيز في الحالة الفلسطينية مختلف تماماً، فاللاجئون الفلسطينيون لا يبغون مسكناً غير بلدهم الأصلي، ورغبتهم اللأساسية هي أن يسمح لهم بالعودة إلى وطنهم إذا ما اختاروا ذلك. وهذا هو مصدر الاهمية البالغة لقرار الامم المتحدة رقم 194. فالقرار يعني تحديداً باللاجئين الفلسطينيين ويؤكد حقهم في العودة أو في التعويض للذين لا يرغبون في العودة. ولهذا السبب –أو الذريعة- فإن اللاجئين الفلسطينيين غير مشمولين بالحماية تحت مضلة المندوب السامي للاجئين التابع للامم المتحدة ومظلة منظمات دولية أخرى. فإنشاء الأونروا كان ينبع من القرار رقم 194. واستنادا إلى هذه الوكالة. فإن "اللاجىء الفلسطيني هو كل إنسان كان مسكنه المعتاد فلسطين في الفترة ما بين حزيران/يونيو 1946 و15 آيار/مايو 1948، وفقد منزله ومصدر رزقه بسبب النزاع سنة 1948 ".

ثالثًا/ حق العودة والقانون الدولي:

إن حق العودة، الوارد بصراحة في القرار رقم 194 (3) ، ثابت أيضا في القانون الدولي. فقد جاء في المادة (13) من الاعلان العالمي لحقوق الإنسان، والذي هو حجر الاساس في القانون الدولي، ما يلي :" 1- لكل إنسان حق حرية الانتقال والسكن ضمن حدود كل دولة   2- لكل إنسان حق مغادرة أي بلد، بما في ذلك بلده، والعودة إلى بلده."   3- لن يحرم اي إنسان بصورة اعتباطية من حق الدخول إلى بلده" .

ويستمد الميثاق الدولي بشأن الحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966، والذي وقعته "إسرائيل"، سلطته من الاعلان العالمي لحقوق الإنسان.

أول توكيد لحق اللاجئين في العودة سنة 1946 من جانب المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للامم المتحدة وأُعيد تأكيده في المبدا الصادر عن هذا المجلس سنة 1973، وورد هذا المبدأ كما يلي:

-لكل إنسان الحق، بلا تمييز من اي نوع كان، كالعرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو غير السياسي أو المنبت الوطني أو الاجتماعي أو الممتلكات أو الزواج أو اي وضع اجتماعي آخر بالعودة إلى وطنه.

-لن يجرد أي إنسان اعتباطا من جنسيته أو يرغم على التخلي عنها كوسيلة لحرمانه من الحق في العودة إلى بلده.

-لن يجرد أي إنسان اعتباطا من حق العودة إلى بلده.

-لن ينكر على أي إنسان حق العودة إلى بلده بسبب عدم امتلاكه لجواز سفر أو وثيقة سفر اخرى.

لكن هناك كما يقول –ايليا زريق- مشكلة قائمة في تطبيق هذه المعايير الواردة اعلاه لمساندة حق العودة في حالة الفلسطينيين، فالإعلانات الواردة اعلاه تفترض وجود "بلد" كان الإنسان فيه أو يكون فيه مواطنا وفي إمكانه العودة اليه. ومن الواضح أن أي تفسير حرفي للقانون يؤدي إلى اعتبار الفلسطينيين لا يملكون حق العودة لأن "إسرائيل" ليست دولتهم!!.

 وفي مواجهة هذا اللبس القانوني الشكلي،يقول أ. زريق "بغض النظر عما إذا كان الفلسطينيون يملكون حق العودة إلى "إسرائيل"، فإنهم يملكون حق العودة إلى فلسطين" ذلك أن حق العودة –في الحالة الفلسطينية- ارتبط (وتأكد قانونيا)، من خلال قرار الجمعية العامة 3236 (29) عام 1974، الذي يقضي بحق الفلسطينيين في تقرير المصير، فقد جاء في هذا القرار:

    1. تؤكد (الجمعية العامة) من جديد حقوق الشعب الفلسطيني في فلسطين، غير القابلة للتصرف، وخصوصاً :

( أ ) الحق في تقرير المصير دون تدخل خارجي،

(ب) الحق في الاستقلال والسيادة الوطنية.

    1. تؤكد من جديد ايضا حق الفلسطينيين غير القابل للتصرف، في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم التي شردوا منها واقتلعوا، وتطالب بإعادتهم".

رابعًا/ سياسة الولايات المتحدة تجاه قرار 194 :

التصويت الأمريكي في الجمعية العامة للأمم المتحدة في كانون الأول/ ديسمبر 1993 له دلالاته، فهو إشارة إلى تشديد مهم من جانب ادارة كلنتون على أنها ترفض مبدأ تطبيق القسم الخاص بالعمل في القرار رقم 194 المعني بحق العودة. فمنذ البداية (1950) دأبت الولايات المتحدة، وبانتظام، على تقديم القرارات المتعلقة بالانروا إلى الجمعية العامة ودعمها، بما فيها الفقرة المهمة جداً والتي تعيد تأكيد قرار الأمم المتحدة الاصلي رقم 194، إلا أنها منذ ديسمبر 1993-إلى يومنا هذا –تراجعت عن دعم القرار 194 في ضوء تطابق الموقف الأمريكي الإسرائيلي. 

خامساً/ الرؤية الإسرائيلية للقرار 194:

في أثر حرب سنة 1948، عرضت "إسرائيل" استرجاع 100,000 لاجىء فلسطيني، أي نحو عشر العدد المقدر للاجئين. هل ستجدد "إسرائيل" عرضها فيستوعب داخل الخط الأخضر ما مقداره عشر لاجئي سنة 1948 وذريتهم، اي نحو 300,000 عائد؟

قانون الجنسية الإسرائيلي لسنة 1952، وتعديلاته اللاحقة، جزء أساسي من عملية "المنع"، وفق مضامين ونصوص ذلك القانون الذي يؤكد على أن "العرب لا يمكنهم الحصول على "الجنسية الإسرائيلية" عن طريق العودة، بل عليهم ان يحصلوا عليها من خلال الإقامة أو الولادة أو التجنس". واللاجئون الفلسطينيون لا يمكنهم اكتساب حق التجنس والعودة إلى ديارهم على أساس الإقامة السابقة، بل إن هذا القانون يتضمن فقرات المراد منها، بالتحديد، منع الفلسطينيين بصورة دائمة من العودة في أي زمن كان إلى ديارهم الأصلية، وكي يكتسب المرء حق الإقامة بموجب الفقرة 3 من القانون الإسرائيلي المشار إليه، عليه أن يبرهن عن أنه كان موجودا في البلد في اذار/مارس 1952 (وقد عدل هذا التاريخ لاحقا إلى 14 تموز/يوليو 1952). أما التعديل الذي أدخل على قانون الجنسية سنة،1980 فيذهب إلى أبعد من ذلك في استثناء الأهلية لاكتساب "الجنسية الإسرائيلية"، إذ يمنعها عن أولئك الذين يتمتعون بحقوق الجنسية في "دول التسلل" المجاورة.

أما بالنسبة للموقف الإسرائيلي تجاه حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، (رغم مسئوليتها الكاملة والمباشرة عن خلق هذه المشكلة) فيتلخص فيما يلي: 

أولاً: تقديم تعويضات للاجئين الفلسطينيين شرط تقديم تعويضات ايضا ليهود البلاد العربية!!

ثانياً: وهذا أهم، من وجهة نظر الحكومة الإسرائيلية، إعادة توطين اللاجئين في أماكن شتاتهم من خلال منحهم حقوق الإقامة والجنسية في البلاد العربية المجاورة، أو في أماكن وجودهم.

ثالتاً: بالتزامن مع إقرار قانون القومية الإسرائيلي، الذي يمنح "حق العودة" لليهودي حصرياً، بدأت الإدارة الأمريكية، حرب جديدة ضد اللاجئين الفلسطينيين، بالاعتراف ب(40) ألف لاجىء من أصل 6.5 مليون، كمقدمة لتصفية هذا الحق.

ما العمل حين نصل إلى الطريق المسدودة في شأن حق العودة؟ ما هي أدوات الضغط التي يملكها الفلسطينيون للعمل الدؤوب في قضية حق العودة؟ إن التحضير والاستعداد لهذا الأمر لا يزالان بدائيين، كما يرى أ.ايليا زريق، الذي يقترح البدء بالخطوات التالية:

  1. على الفلسطينيين أن يبنوا حوارا من التنسيق مع الدول العربية الأخرى.
  2. هناك حاجة ماسة إلى نقاش صريح في المجتمعات الفلسطينية بشأن قضية اللاجئين.
  3. على القيادة الفلسطينية أن تواجه اللاجئين أنفسهم.
  4. على القيادة أن تضمن للاجئين حق الحصول على الجنسية الفلسطينية أياً تكن أمكنة الإقامة، وحشدهم لمقاومة الحلول المعروضة من الخارج.

ضد التفاوض الاستسلامي وضد صفقة ترامب وضد الصهاينة الجدد:

الخيار التفاوضي العبثي الذي قام على أساس أنه يمكن أن يحصل الفلسطينيون على دولة وفق شروط أوسلو أو الشروط الإسرائيلية الأمريكية او ما يسمى بصفقة ترامب، كان - وسيظل - وهماً قاد إلى النهاية التي نعيشها، أي انقسام وتفكك الفكرة التوحيدية الناظمة للنضال التحرري الوطني والقومي لشعبنا، ودمار النظام السياسي والمشروع الوطني مع تزايد مظاهر الاستبداد والقمع من فريقي الانقسام في الضفة وقطاع غزة ، الى جانب تزايد عدوانية وعنصرية وغطرسة العدو الصهيوني ، وتوسع السيطرة الصهيونية على الأرض، وأيضاً تكريس انفصال قطاع غزة عن الضفة الغربية في إطار الصراع بين هويتين: هوية الإسلام السياسي والهوية الوطنية/ القومية.

لقد توضح خلال العقود الماضية، إلى جانب تطورات الوضع الراهن ودور الرجعية العربية وأنظمة العمالة العربية أو الصهاينة الجدد الأشد خطورة من الصهاينة اليهود، خاصة في ما يسمى ب السعودية ومشايخ الخليج ، ودورهم في تجسيد المصالح الامبريالة ووجهها الاكثر بشاعة الذي عبرَّ عنه الرئيس الامريكي دونالد ترامب ، ومباركة وتشجيع رئيس السلطة الفلسطينية وم.ت.ف للخوض من جديد في سراب المفاوضات العبثية البائسة، التي ستؤكد مجددا بأن الدولة الصهيونية معنية بالسيطرة – المباشرة وغير المباشرة - على كل فلسطين، وأنها جزء من المشروع الامبريالي للسيطرة على الوطن العربي والتسليم العربي الرسمي بالموقف الاستراتيجي الامريكي الذي ينطلق من ان الدولة الصهيونية هي مركز ثقل الوجود الامبريالي في الوطن العربي ووجودها حاسم لاستمرار السيطرة الامبريالية، وضمان استمرار التجزئة والتخلف العربيين.

لهذا كان ضرورياً - لدى كل الاحزاب والفصائل والحركات اليسارية في فلسطين والوطن العربي - أن يعاد طرح الرؤية الوطنية من قلب الرؤية التقدمية القومية الأشمل، التي تنطلق من فهم عميق للمشروع الامبريالي الصهيوني وأدواته البيروقراطية والكومبرادورية والرجعية، من أجل ان يعاد تأسيس نضالنا الوطني التحرري والديمقراطي على ضوء هذه الرؤية.

إن ما يعرض علينا اليوم من حلول تخديرية وفق منطق ارادة العدو الامريكي الاسرائيلي تحت مسميات متنوعة ترفض مبدا الحديث عن حق العودة وازالة المستوطنات والانسحاب الكامل ، لا تسعى الا إلى تكريس الموقف الأمريكي الإسرائيلي .. أو شرعية المحتل وشروطه المذلة ، وبالتالي فإن الحد الأدنى المطلوب الذي يمكن ان يقبله شعبنا كنهاية اخيرة لسقف التنازلات يتلخص فيما ورد في وثيقة الوفاق الوطني ، التي يتوجب التمسك بنصوصها والتمترس حول بنودها وأسسها بحيث تكون المحدد الرئيس لنضال كافة القوى السياسية الفلسطينية ليسش في مجابهة التحالف الصهيوني الإمبريالي فحسب، بل أيضاً في مجابهة الحكام الصهاينة العرب الأشد خطرا من الصهاينة اليهود  عبر تضامنننا مع القوى الوطنية التقدمية الديمقراطية العربية في نضالها من أجل اسقاط أنظمة العمالة والاستبداد في بلادنا العربية.

إن هذه الحالة من الخضوع والاستتباع والتخلف ، المنتشرة اليوم في مجتمعاتنا العربية، جاءت انعكاساً لظروف موضوعية وذاتية تاريخية وراهنة ، فقد خضعت مجتمعاتنا – كما هو معروف – لأشكال عديدة من السيطرة الخارجية التي كرست تخلفها، خاصة الحقبة العثمانية، ثم الحقبة الاستعمارية، وصولا الى السيطرة الامبريالية التي أدت إلى مفاقمة أشكال ومظاهر التخلف والتبعية وصولاً إلى خيانة وعمالة العديد من حكام العرب خاصة في السعودية والخليج او الصهاينة الجدد الأشد خطرا من الصهاينة اليهود، الذين كانوا وما زالوا سببا رئيسا في افقار واذلال شعوبنا ومجتمعاتنا العربية وخضوعها وارتهانها واحتجاز تطورها الاجتماعي (الطبقي) والاقتصادي ومن ثم تحولها إلى سوق استهلاكي عبر اداوت كومبرادورية أوشرائح رأسمالية عير منتجة، وجدت في العلاقة مع النظام الامبريالي وحليفه الصهيوني ملاذاً آمناً لها، يضمن مصالحها الطبقية الأنانية، بمثل ما يضمن ويحمي أنظمتها السياسية الحاكمة، التي كرست كل مظاهر وأدوات الاستبداد والاستغلال والتخلف، إلى جانب دورها في مجابهة وقمع وخنق القوى والحركات التنويرية العقلانية النهضوية عموماً ، والحركات الديمقراطية واليسارية خصوصاً، في مقابل تكريسها –بالتنسيق مع الامبريالية الأمريكية- لما يسمى باليقينيات المطلقة –الغيبية- بكل تلاوينها ومذاهبها وطوائفها ومفرداتها التي أوصلتنا إلى حالة المأزق أو الانسداد الراهن.

- وهذا يعني صراحة رفض الرؤية الأمريكية الإسرائيلية ، ورفض ما يسمى بصفقة القرن أو صفقة ترامب، رغم إدراكنا لموازين القوى المختلة مع العدو ، لكننا لن نقبل شروطهم أو وثائقهم الاستسلامية ، لان قبولنا هو الخسارة الكبرى أو مؤشر الضعف والاستسلام ، ورفضنا هو مؤشر القوة والصمود في وجه هذا العدو الأمريكي الإسرائيلي المتغطرس الذي يريد ان يفرض على شعبنا إرادة القوة الغاشمة أو شرعية المحتل الغاصب .. التي سيرفضها شعبنا وفاءً منه لرسالة شهدائه وجرحاه وأسراه ، والتزاماً بتواصل مسيرة النضال من أجل دولة وطنية ديمقراطية مستقلة كاملة السيادة على كل جزء من ارضنا وسماءنا ومياهنا .. هذا هو الحد الادنى المطلوب كحل مرحلى على طريق استكمال النضال الوطني والقومي ضد الدولة الصهيونية واقامة فلسطين الديمقراطية لكل سكانها، وذلك انطلاقاً من وعينا لمفهوم التغيير الثوري والديمقراطي.

فالتغيير والنضال الثوري التحرري والديمقراطي هو من يبرر حضور الفاعلين والمؤثرين في الساحة الفلسطينية، وهو أيضاً قمة النضال السياسي والكفاحي في تلاحمهما معاً، إذ أنه خلال مسيرة النضال، تترابط وتتوحد القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية على أرضية صلابة الانتماء الوطني والاجتماعي، وهذا يتطلب تحفيز دو العامل الذاتي (الحزب الثوري)، وذلك انطلاقاً من الإدراك بأن الثورة لا تنضج بمقدماتها فحسب، بل تكتمل بتوفير العناصر الموضوعية للوضع الثوري والعامل الذاتي، وهي أيضاً لا يمكن أن تندلع –بالصدفة أو بحفنة من المناضلين المعزولين عن الشعب، بل بالحزب المؤهل، الذي يتقدم صفوف الجماهير الشعبية الفقيرة، واعياً لمصالحها وتطلعاتها وحاملاً للإجابة على أسئلتها، ومستعداً للتضحية من أجل هذه الجماهير، واثقاً كل الثقة من الانتصار في مسيرته المظفرة.