Menu
حضارة

الصراع الأمريكي الصهيوني/العربي والوضع الراهن

حق العودة ومواجهة الاستراتيجية الأمريكية– الصهيونية لتصفيته (ج2)

جدار الفصل العنصري الصهيوني في الضفة المحتلة.jpg

خاص بوابة الهدف

إن الصراع بيننا وبين الصهيونية ليس صراعاً بين أديان أو أجناس أو عقائد، وإنما هو صراع عربي / امريكي صهيوني بالدرجة الأولى ، في طليعته القوى المناضلة من ابناء شعبنا الفلسطيني، لكن انصياع الأنظمة العربية لشروط العدو الإمبريالي الصهيوني أدى إلى تراجع المجتمعات العربية وتفككها إلى جانب ضعف الحركات التحررية العربية بشكل عام ، الأمر الذي عزز مراكمة عوامل القوة والصلف والعدوانية في دولة العدو الصهيوني ، ما يعني أن استمرار تبعية وتخلف واستبداد النظام العربي الرسمي وخضوعه لشروط التحالف الإمبريالي الصهيوني ، يشكل السبب الرئيسي الأول في هذه المعادلة.

إن المهمة العاجلة أمام الحركة الوطنية الفلسطينية ، أن تعيد النظر في الرؤية الإستراتيجية التحررية الديمقراطية ، الوطنية والقومية ببعديها السياسي والمجتمعي ، انطلاقاً من إعادة احياء وتجدد الوعي بطبيعة الدولة الصهيونية، ودورها ووظيفتها كمشروع إمبريالي لا يستهدف فلسطين فحسب، بل يستهدف –بنفس الدرجة- ضمان السيطرة الإمبريالية على مقدرات الوطن العربي واحتجاز تطوره ، وتكريس تبعية وتخلف وإفقار بلدانه وشعوبه، وهذا يعني أن الصراع مع المشروع الصهيوني هو صراع مع النظام الرأسمالي الإمبريالي من أجل تغيير وتجاوز النظام العربي الكومبرادوري الراهن كمهمة إستراتيجية على طريق النضال من أجل تحقيق أهداف الثورة الوطنية الديمقراطية وتواصله ضد الوجود الأمريكي ، وضد الدولة الصهيونية وإزالتها وإقامة فلسطين الديمقراطية لكل سكانها وحل المسألة اليهودية ضمن هذا المنظور.

أكذوبة "الشعب" أو "الأمة اليهودية":

إن "هوية دولة إسرائيل" المرتبطة بمفهوم "الشعب" أو "الامة اليهودية" ستظل هوية مزيفة، مضطربة غير قادرة على اثبات وجودها بصورة علمية او موضوعية او تاريخية كجزء من نسيج المنطقة العربية، وبالتالي لا يمكن تكريس هذه الهوية إلا بدواعي القوة الاكراهية الغاشمة المستندة إلى دعم القوى الإمبريالية ، فإسرائيل ستظل "كياناً غريباً مرفوضاً في المنطقة العربية من ناحية وستظل الحركة الصهيونية عاجزة عن الحديث عن "أمة" يهودية بالمعنى الموضوعي او العلمي، كما هو الحال بالنسبة للحديث عن "امة إسلامية أو مسيحية أو بوذية" من ناحية ثانية، ما يعني أن هذه "الدولة" لا تعدو كونها مجتمع عسكري يضم أجناساً متباينة روسية وبولندية وأوكرانية وأوروبية وآسيوية وعربية وأفريقية ، كل منها له ثقافته وتراثه المختلف عن الآخر ، وجدوا في الفرصة التي أتاحتها الرأسمالية العالمية لهم بالذهاب إلى فلسطين واستيطانها بذريعة "العودة إلى أرض الميعاد" مخرجاً لهم من أزماتهم أو مدخلاً لتحقيق مصالحهم ، إذ انه بدون تشجيع ودعم رأس المال الأوروبي عموماً والبريطاني خصوصاً لما كان من الممكن أن تتقدم الحركة الصهيونية خطوة واحدة إلى الأمام، ما يؤكد على أن التقدم الاقتصادي والعسكري الذي أحرزته دولة العدو الإسرائيلي لم يكن ممكناً دون الدعم المتواصل حتى اللحظة من القوى الإمبريالية والبرجوازية في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية ، ما يعني أن استنهاض قوى حركة التحرر العربية وخروجها من ازماتها صوب استعادة دورها في النضال السياسي والكفاحي والديمقراطي من أجل توفير كل أسس الصمود والمقاومة في فلسطين ومن أجل تجاوز أنظمة الاستبداد والتبعية والتخلف وتصفية التحالف البورجوازي الكومبرادوري – البيروقراطي ، لتحقيق انتقال مقاليد القيادة إلى "الطبقات" والشرائح الاجتماعية الكادحة الأكثر جذرية القادرة وحدها على توفير عناصر ومقومات القوة الاقتصادية والعسكرية القادرة على هزيمة إسرائيل وإقامة فلسطين الديمقراطية لكل سكانها .

ان استمرار القطيعة أو الصراع على السلطة والمصالح الفئوية الضيقة بين فريقي الاستقطاب فتح وحماس (مع تأكيد افتراقنا عن برنامجيهما ورؤيتهما للحل) لن تفضي بهما وبالشعب والأرض والقضية سوى إلى إنتاج الانفصال والقطيعة الجغرافية والسياسية بين الضفة الغربية وقطاع غزة،ومزيدا من الاحباط في صفوف ابناء شعبنا في مخيمات اللجوء والشتات... وفي هذا السياق نقول: أن أقصر السبل إلى إسقاط حق تقرير المصير الوطني (للشعب العربي الفلسطيني) هو تمكين تلك القطيعة الجغرافية السياسية (والنفسية) من النفاذ والرسوخ في كل مكوناته السياسية والمجتمعية بما يفتح الباب مشرعاً أمام عوامل الاستسلام واليأس.

إننا على قناعة بان السواد الأعظم من أبناء "فتح" و"حماس" يدركون على نحو جاد أنه ما من مصلحة وطنية، أو حتى سياسية في حال استمرار هذه القطيعة، ونقول لقيادة حماس، أن النصر الوحيد الذي يمكن "لحماس" أن تفاخر به وتباهي هو الذي حققته في المنافسة الانتخابية 26/يناير/2006، أما "نصر" غزة، فهزيمة قاسية لهذه الصورة وإساءة بالغة لكل التضحيات التي بذلتها "حماس" من أجل إقناع الجمهور بأنها أهل لصون الوحدة الوطنية وبناء المستقبل الديمقراطي، ثم بماذا تنتفع "حماس" لو ربحت غزة كلها وخسرت الوطن؟ كما نقول لقيادة حركة فتح، توقفوا - قبل فوات الاوان -عن التعاطي مع المفاوضات أو الأوهام الأمريكية الإسرائيلية التي تتحدث عن "شيء قابل للحياة" أو دويلة مترابطة منقوصة السيادة بلا حدود، أو حكم ذاتي موسع اشبه بروابط القرى، وهي "حلول" لن يحصد شعبنا منها سوى المزيد من المذلة والقهر والمعاناة وبقاء المستوطنات والمزيد من الاغتصاب ومصادرة مساحات من أرضنا ومياهنا علاوة على استمرار العدو مسيطرا على سمائنا ومعابرنا، هذا ما يمكن أن يحصلوا عليه في ظل موازين القوى المختلة الراهنة التي ستجعل من التفاوض مع العدو تكريساً لشرعية المحتل الغاصب.

إن هذا المآل الذي وصل إليه شعبنا وقضيتنا ومجتمعنا، يفرض العمل على قطع كل طريق لتكريس الانقسام والانفصال والتفكك الفلسطيني وقطع كل طريق لاستمرار مهزلة التفاوض العبثي الراهن، والانطلاق من أن ليس لدى الدولتين الأميركية والإسرائيلية أي حل للقضية الفلسطينية بل إن حلهما لها هو خارج فلسطين، وفي سياق إعادة صياغة الجغرافيا السياسية للمنطقة العربية، وهكذا يمكن ان تصبح الحلول المشبوهة المقترحة مثل "الدولة القابلة للحياة"، أو "الدولة المؤقتة" أو الحكم الذاتي الموسع على طريقة روابط القرى أو "دويلة/امارة غزة" أدوات تخدير على هذا الطريق طالما بقي ميزان القوى (العربي والفلسطيني) مختلاً مع العدو الإسرائيلي.

هنا نؤكد على إن مجرد الحق في عالم اليوم لا يكفي، " إذا لم تدعمه قوة أو يسنده سلطان"، لذلك لا مفر أمام كل الوطنيين التقدميين الأحرار، المنتمين لقضيتهم الوطنية والقومية قولاً وفعلاً، إلا بذل كافة الجهود المطلوبة في إطار الأحزاب والقوى السياسية الوطنية التقدمية القومية العربية ، على طريق تفعيل الحوار ، ومن ثم الوصول إلى تشكيل الحركة الثورية العربية القادرة على مواصلة نضالها على طريق تحقيق أهداف الثورة الوطنية الديمقراطية .

الأبارتهايد:

تعني كلمة "أبارتهايد" الفصل أو التفرقة، وهي مأخوذة من لغة "الأفريكانز"؛ لغة المستعمرين البيض الذين استوطنوا جنوب أفريقيا. وكان هذا المصطلح عماد سياسة وفلسفة الحزب الوطني الذي قاد البلاد منذ أن فاز في انتخابات عام 1948 وحتى نهاية نظام الفصل العنصري في مطلع تسعينات القرن الماضي. والحزب الوطني في جنوب أفريقيا، حزب يميني شوفيني عنصري يمثل المستعمرين من أصول هولندية، وقد سنَّ جملة من القوانين العنصرية التي جاءت استكمالا وتجسيدا لتلك القوانين التي وضعها المستعمرون البريطانييون عند تأسيس دولة جنوب أفريقيا عام 1910. وبموجب قوانين الأبارتهايد، حوصر الشعب الإفريقي الأصلي في مناطق متقطعة غير متصلة (بانتوستونات)، سمح لهم فيها ممارسة نوع من الحكم الذاتي، وكانت تشكل أقل من 13% من أرض جنوب أفريقيا التاريخية. وقد فرضت السلطات على الجميع حمل دفتر هوية يحدد فيه الأماكن والمواقيت المسموح للفرد أن يدخل أو يخرج منها، أو يتنقل بينها. وكان الشرطة تسجن أي مواطن لا يحمل هذا الدفتر.

ربما يصح القول، بأن نظام التفرقة العنصرية الذي مورس في جنوب إفريقيا كان الأسوأ على مر التاريخ، ولم تعرف البشرية نظاما أشد ظلما منه، ولا يدانيه في بشاعته سوى نظام الرق والعبودية.. حتى صارت كلمة أبارتهايد وصفا تحقيريا لكل نظام لا يحترم مواطنيه على قدم المساواة، ويمارس عنصريته على أي فئة من الشعب..

مفهوم العنصرية:

العنصرية أو العرقية مصطلح حديث نسبياً لظاهرة اجتماعية – سياسية واقتصادية قديمة.

وهي ظاهرة برزت بأشكال واتجاهات ومضامين متنوعة وارتبطت بعوامل عديدة، وتضمنت جملة من الأهداف والمصالح المشتركة.

تبلورت العنصرية في أوروبا منذ نهاية القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر، إذ كانت ظاهرة التمييز قد نشأت عن مصدرين ارتبط الأول منهما بأسرى الغزو والحروب، فيما قام الثاني على أساس ديني، حيث تجلى ذلك في كتاب التوراة إبتداء، والذي أخذته عنه الأديان الأخرى . وقد اعتمدت على التقسيم الذي ورد في العهد القديم بشأن "أولاد نوح الثلاثة سام وحام ويافث"، واعتبار "سام وحام" قد ارتكبا خطايا جعلتهما ، مع أحفادهما خدماً لـ"يافث وأحفاده" من بعده. ووفق هذه الأسطورة اعتبر الآسيويون أحفاداً لـ"سام" والأفارقة السود أحفاداً لـ"حام". أما أحفاد "يافث" فهم البيض، الذين صنفوا فيما بعد على أنهم من الجنس الآري أو الهندو – جرمان ، وهو تصنيف شمل فيما بعد غالبية الأوربيين.

لم تنشأ العنصرية دفعة واحدة، بل مرت بمراحل عديدة، واتخذت أشكالاً مختلفة ، وتبلورت إلى عنصرية جديدة تواجه البشرية حالياً ، باعتبارها خطراً يهدد العلاقات الإنسانية والتفاهم والسلم والصداقة بين الشعوب، كما ينتهك المبادئ التي تضمنتها شرعة حقوق الإنسان.

انطلقت النظريات العنصرية من اعتقاد مفاده أن البشر يتوزعون على جماعات كبيرة، قسمت أحياناً إلى ثلاث مجموعات هي الجنس الأبيض والجنس الأصفر والجنس الأسود، ثم قسمت إلى خمس وأحياناً إلى سبع مجموعات كبيرة وأخرى صغيرة. وفي فترة لاحقة جرى توزيع البشر إلى عروق مختلفة. واعتبر أصحاب هذه النظريات خطأ أن هناك تبايناً بين "الأعراق" ناشئاً عن اختلافات بيولوجية، أي عن تباين في الجينات الوراثية وخصائصها المختلفة ، وأن تلك الخصائص ثابتة لا تتغير تتوارثها الأجيال أباً عن جد . وينشأ عن هذه الاختلافات ، كما يرى العنصريون، تمايزاً في القيمة الحقيقية للمجموعات البشرية المنتسبة لأعراق مختلفة .

ففي الوقت الذي يوجد "عرق" رفيع المستوى ومتطور ومتقدم في قدراته الفكرية والثقافية والسلوكية ، توجد بجواره "أعراق" أخرى متدنية المستوى وضعيفة التطور ومحدودة في كفاءاتها الذهنية والفكرية والثقافية والسلوكية وبدائية العاطفة والجنس والتصرف. وأن هذا "التمايز الطبيعي" و "الدائم " بين "الأعراق" يفرض بدوره تمايزاً في الحالة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية، أي يفرض سيادة "العرق" الأفضل والأحسن والأرقى مستوى على "الأعراق" الأخرى الأدنى مستوى . ويخلص هذا الرأي –العنصري- إلى نتيجة مفادها أن من حق وواجب "العرق" الأفضل أن يحكم ويسود ويفرض إرادته، كما ان من واجب "الأعراق" الأخرى الأدنى مستوى أن تسمع وتطيع وتخدم وتقبل بهيمنة وسيادة "العرق" الأرقى. وتنشأ عن هذه النظرة الخاطئة والاستعلائية من جانب "الأنا" العرقية إزاء "الآخر" مجموعة من العواقب السلبية تتباين في حدتها وشدتها من فترة إلى أخرى ومن بلد إلى آخر وفق شروط وظروف عديدة مؤثرة، وهي :

  • الدعوة إلى الفصل بين الأعراق ومنع الاختلاط والتزاوج في ما بينها .
  • التبشير، من الناحيتين النظرية والعملية ، بتراتبية اجتماعية عرقية تهدف إلى تكريس التمايز بين البشر باعتباره قانوناً طبيعياً لا يمكن تغييره .
  • التمييز في التعامل في ما بين تلك الأعراق في الممارسة العملية التي تجد تعبيرها في التشريع والقوانين والنظم والتعليمات وفي الحياة اليومية، منها مثلاً : التمييز في الحصول على فرصة عمل أو على دار للسكن أو في مقدار الأجر ... إلخ، وكذلك في التجاوز على حقوق وواجبات مجموعات من الناس السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في المجتمع ، بما فيها حقوق الأقليات القومية والدينية .
  • تنامي الكراهية والحقد والاستعداد إلى ممارسة العنف والقوة والتطهير العرقي وحتى استخدام القتل من جانب أتباع النظريات العنصرية ضد الجماعات البشرية الأخرى التي تعتبرها أدنى مستوى منها ، بل يصل إلى حد الإبادة الجماعية. فأتباع العنصرية يفتقدون إلى أي حس إنساني إزاء المجموعات الأخرى من البشر أو إزاء ضحاياهم.

وتزداد مخاطر النظريات العنصرية في الممارسة العملية عندما تتشابك وتتفاعل في ما بينها مجموعة من العوامل مثل التمييز العرقي والتمييز الديني أو الفكري والسياسي ، إذ تتحول عندها إلى أداة أشد عنفاً واستعداداً للقتل والتدمير ضد الإنسان الآخر أو ضد الآخرين، وبشكل خاص إذا كان أتباعها في السلطة.

مورست العنصرية، في الغالب الأعم ، من تلك الجماعات من البشر التي كانت أو ما تزال تدعي تحدرها من "العرق" الأفضل والأرقى ، فهي تمجد وترفع من شأن الـ "أنا" والـ"نحن" العرقية من جهة ، لتمارس التحقير والإساءة إزاء "الآخر" أو "الآخرين" من جهة ثانية. وهذه الاتجاهات الأيديولوجية شكلت وما تزال عمارة الفكر العنصري الأوروبي عموماً والأيديولوجية النازية في ألمانيا الهتلرية على وجه الخصوص، ولكن الاتجاهات والممارسات العنصرية ما تزال موجودة وفاعلة إلى هذا الحد أو ذاك في أوروبا وأمريكا وفي العديد من البلدان مثل إسرائيل و تركيا وإيران .

تؤدي العنصرية وظيفة سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية متداخلة، فهي تهدف إلى ممارسة الهيمنة الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعسكرية أولاً، وإلى ممارسة السيطرة الاستعمارية والاستغلال ثانياً. وهي بهذا تحمل مخاطرها الكبيرة معها باعتبارها أيديولوجية عنيفة معادية للشعوب وتطمع في الهيمنة والاستغلال والتحكم برقاب الآخرين.

وتواجه البشرية اليوم في مناطق مختلفة من العالم توجهات عنصرية جديدة للتمييز بين البشر تهدف من وراء ذلك إلى التكيف مع واقع العصر الجديد .

لكن بروز التمييز برداء جديد لا يغير من جوهر وأهداف ما يطلق عليه اليوم بالعنصرية الجديدة، تلك العنصرية التي تدعي بأن التمايز بين البشر يقوم على أساس التمايز بين الثقافات المختلفة التي لا يمكن ان تلتقي ، وبالتالي تدعو إلى الفصل العنصري بين الثقافات للحفاظ على سلامة ونقاوة ثقافتها ، وهو أمر لا يمكن أن يعني سوى الفصل العنصري بين البشر منتجي وحاملي تلك الثقافات .

تتعارض العنصرية مع الديمقراطية وشرعة حقوق الإنسان ، إذ أن مضمون المبادئ الديمقراطية وشرعة حقوق الإنسان ترفض هذا التقسيم العرقي للبشر وتؤكد على واحدية الجنس البشري، رغم التنوع في شكل الإنسان وفي ثقافاته وعاداته وتقاليده المرتبطة بتأثير جملة من العوامل .

إن المساواة بين البشر تعني منع امتهان كرامة الإنسان وترفض استعباده، مثلما ترفض التمييز بين الرجل والمرأة على عكس الفكر العنصري .

ويفترض هنا الإشارة إلى أن العنصرية قد اقترنت وعلى مدى عهود طويلة بمجموعات من الناس البيض، إلا أن هذا لا يعني بأي حال بأن العنصرية محصورة فيهم فقط، بل يمكن أن نجدها عند شعوب من غير البيض أيضاً. فرغم أن اليهود عانوا من العنصرية والمعاداة للسامية في سنوات حكم النازية مثلاً ، إلا أن دولة إسرائيل لم تتعلم من ذلك الدرس كثيراً ، إذ أنها تمارس منذ أكثر من ستة عقود العنصرية في الموقف من العرب فيها، ومن الشعب الفلسطيني في الأراضي العربية المحتلة أو حتى في الموقف من اليهود السود القادمين إليها من إثيوبيا أو اليهود الشرقيين، أو في سياسات التوسع والاحتلال والعقوبات الجماعية. كما تتجلى هذه العنصرية في السياسة التي تمارسها الدولة التركية إزاء الأكراد، شعباً ولغة .

وتبرز هذه العنصرية بوضوح حتى الآن في الولايات المتحدة الأمريكية إزاء السود الأفارقة والهنود الحمر وكذلك ضد المجموعات السكانية من أصل آسيوي أو من أمريكا اللاتينية .

الأبارتهايد في القانون الدولي:

في العشرين من تشرين الثاني عام 1963 اعتمدت الأمم المتحدة الإعلان العالمي للقضاء على كافة أشكال التمييز العنصري (ميثاق الأبارتهايد). وفي العام 1966 أعلنت الجمعية العامة عن يوم 21 آذار اليوم العالمي لمكافحة العنصرية، وهو اليوم الذي يصادف ذكرى مذبحة شاربفيل، التي ذهب ضحيتها 69 شخصاً كانوا خارجين في مظاهرة سلمية ضد نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا.

أشكال الأبارتهايد:

وفقاً للاتفاقية الدولية لقمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها، والتي اعتمدت بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 3068 المؤرخ في 30 نوفمبر 1973؛ تعلن الدول الأطراف في هذه الاتفاقية أن الفصل العنصري جريمة ضد الإنسانية، وأن الأفعال اللاإنسانية الناجمة عن سياسات وممارسات الفصل العنصري وما يماثلها من سياسات وممارسات العزل والتمييز العنصريين، والمعرّفة في المادة الثانية من الاتفاقية، هي جرائم تنتهك مبادئ القانون الدولي، ولا سيما مبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وتشكل تهديدا خطيرا للسلم والأمن الدوليين. وبالتالي فإن الدول الأطراف في هذه الاتفاقية تجرّم المنظمات والمؤسسات والأشخاص الذين يرتكبون جريمة الفصل العنصري.

وحسب المادة الثانية من هذه الاتفاقية؛ فإن الأشكال والممارسات التالية تعتبر سياسات فصل عنصري:

- حرمان فئة اجتماعية أو عرقية من الحق في الحياة والحرية الشخصية, أو قتل أو اعتقال أعضاء من هذه الفئة، أو إلحاق أذى مادي أو معنوي بهم، أو التعدي على حرياتهم أو كرامتهم، أو إساءة معاملتهم، أو فرض عقوبات جماعية عليهم، على خلفية عرقية أو قومية.

- إخضاع فئة أو فئات عرقية أو إثنية عمداً لظروف معيشية غير لائقة، أو الحط من كرامتهم، أو الانتقاص من إنسانيتهم.

- إتخاذ تدابير تشريعية وغير تشريعية, يقصد منها منع فئة أو فئات عرقية من المشاركة في الحياة السياسية والإجتماعية والإقتصادية والثقافية للبلد على قدم المساواة مع بقية المواطنين, أو حرمان أعضائها من حريات الإنسان وحقوقه الأساسية, بما في ذلك الحق في العمل, والحق في تشكيل نقابات وأحزاب معترف بها, والحق في التعليم, والحق في مغادرة الوطن والعودة إليه, والحق في حمل الجنسية, والحق في حرية التنقل والإقامة, والحق في حرية الرأي والتعبير, والحق في حرية الإجتماع.

- إتخاذ أي تدابير تهدف إلى تقسيم السكان وفق معايير عنصرية, بخلق معازل مفصوله لأعضاء فئة أو فئات عرقية, ونزع ملكية العقارات المملوكة لفئة أو فئات أو لأفراد منها.

- استغلال عمل أعضاء فئة أو فئات عرقية لا سيما إخضاعهم للعمل القسري.

- اضطهاد المنظمات والأشخاص بحرمانهم من الحقوق والحريات الأساسية لمعارضتهم الفصل العنصري.

 التعاون بين إسرائيل والأبارتهايد :

كان وجود نظام الأبارتايد في جنوب إفريقيا في القرن العشرين وإقامة إسرائيل علاقات وطيدة معه وصمة عار أبدية على جبين إسرائيل واليهودية العالمية لا يمحيها مرور عقود من الزمن. وأدت إلى عدم اشتراك إسرائيل في تشييع جنازة الزعيم العالمي الكبير نيلسون مانديلا، بسبب غضب مواطني جنوب إفريقيا من دعم إسرائيل لنظام الأبارتايد وعلاقاتها الوثيقة معه ولممارستها الاستعمار الاستيطاني والعنصرية والتمييز العنصري في فلسطين العربية. وكانت إسرائيل الدولة الوحيدة في العالم التي لم تشارك في العقوبات التي فرضها المجتمع الدولي عام 1986م على نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا. فإقامة إسرائيل لأوثق العلاقات مع نظام الأبارتايد تحد صارخ لإرادة جميع الشعوب والدول في العالم التي أقرت تحريم العنصرية والتمييز العنصري والقضاء على الأنظمة العنصرية والاستعمارية كافة وبشكل خاص الدول الإفريقية.

وقعت إسرائيل في عام 1991 على مذكرة تفاهم مع نظام الأبارتايد لتوسيع التفاهم والتعاون بين النظامين العنصريين في المجالات الأمنية والاقتصادية والصناعية والثقافية والسياحية والزراعية والتعاون العلمي والتكنولوجي وتبادل العلماء والمهندسين وإجراء الأبحاث وإقامة المصانع المشتركة. وساعدت إسرائيل على تطوير قدرات نظام الأبارتايد النووية.

التعاون النووي:

أكدت جريدة هآرتس الصادرة في 31/7/2009 أن التجربة النووية التي جرت في المحيط الهندي قبل (30) عاماً كانت تجربة مشتركة بين إسرائيل وجنوب إفريقيا، حيث بدأ التعاون النووي بين البلدين بلقاء سري عام 1974 ضم علماء نوويين من كلا البلدين وشارك فيه شمعون بيرس أبو مفاعل ديمونا النووي وسفاح مجزرة قانا والذي كان وزيراً للدفاع ورئيس حكومة جنوب إفريقيا ووزير الدفاع فيها.

وتم التوقيع على اتفاق سري للدفاع المشترك نتج عنه صناعة سبع قنابل نووية ونقلت فيما بعد إلى إسرائيل بعدما تخلى نظام الأبارتايد عن برنامجه النووي. وكانت جريدة هآرتس الصادرة في 11/12/2013 قد نشرت الوثائق التي أفرجت عنها حكومة جنوب إفريقيا بعد انهيار نظام الأبارتايد، ومنها وثائق الشراكة الإسرائيلية في برنامج نظام الأبارتايد النووي.

التعاون العسكري:

كشفت الوثائق المنشورة برنامج تطوير صواريخ متوسطة المدى عرفت بــ أريحا وفي جنوب إفريقيا بــ شيله. وموّلت جنوب إفريقيا صناعة وإطلاق القمر الصناعي الإسرائيلي من نوع «أوفيك للتجسس. وزودت إسرائيل بالمال والسلاح والطيارين في حرب حزيران العدوانية عام 1967. وعندما عانت إسرائيل أزمة مالية وعسكرية جراء حرب تشرين التحريرية عام 1973 هبَّت حكومة الأبارتايد لمساعدتها بشرائها ألف دبابة من نوع (ميركافا). وكان نظام الأبارتايد من أهم وأكبر الزبائن الذي أنقذ الصناعات العسكرية، الإسرائيلية من الانهيار، بتمويله لهذه الصناعات لأن مجلس الأمن الدولي منع تزويد جنوب إفريقيا بالسلاح.

فقامت إسرائيل وملأت هذا الفراغ وزودت نظام الأبارتايد بجميع ما يحتاج إليه من سلاح. وباعت إسرائيل لجنوب إفريقيا 60 طائرة من طراز (كفير) بعد أن جرى تنسقها وخرجت من الخدمة في سلاح الجو الإسرائيلي، وأقام النظامان العنصريان شركة للتكنولوجيا المتطورة، وطورا مدفعاً لإطلاق قذائف تحمل رؤوساً نووية لصالح الطرفين.

التشابه بين النظامين العنصريين:

تعتبر مبادئ القانون الدولي الإنساني والعهود والمواثيق الدولية التي ترسخت بعد القضاء على النازية والفاشية والأنظمة الاستعمارية والعنصرية أن العنصرية والتمييز العنصري هي آفة عصرنا هذا. لذلك أقرت الأمم المتحدة تحريم جميع أشكال العنصرية والتمييز العنصري. وأكدت أن مقاومتها واجب على كل إنسان حر ومحب للحرية والمساواة والديمقراطية.

تطورت العلاقات بين العنصريين الصهاينة في الكيان الصهيوني والعنصريين البيض في جنوب إفريقيا.

وكان وضع اليهودي في إسرائيل تماماً كوضع الرجل الأبيض في نظام الأبارتايد. فالعرب في إسرائيل والأراضي التي تحتلها في فلسطين تماماً كوضع الأفارقة السود في جنوب إفريقيا إبان نظام الأبارتايد فيها. وبالتالي فإن كل ما هو غير يهودي في إسرائيل مواطن من الدرجة الثانية، وكل من هو غير أبيض في جنوب إفريقيا فهو كذلك أيضاً. وأظهر تنامي وتطور العلاقات المستمرة بين النظامين العنصريين التشابه بينهما.

ـــ مستوطنون من أوروبا قدموا إلى جنوب إفريقيا وفلسطين.

ـ احتلوا الأرض واستولوا عليها وطردوا سكانها الأصليين منها.

ــ مارسوا العنصرية والتمييز العنصري والإبادة الجماعية تجاه السكان الأصليين الأفارقة والفلسطينيين.

ـــ خدموا الإمبريالية الأمريكية والصهيونية العالمية وحاربوا حركات المقاومة والتحرر الوطني.

خططت الاحتكارات العالمية لإقامة جنوب إفريقيا عام (1910) وروديسيا العنصرية عام (1914) وإسرائيل عام (1948) لكي تحافظ على مصالحها الاستراتيجية العسكرية والاقتصادية والسياسية في بلدان آسيا وإفريقيا.

وقام التشابه بين إسرائيل وجنوب إفريقيا على أساس أن النظامين القائمين هناك نظامان عنصريان، يمارسان التفرقة العنصرية ضد أصحاب البلاد الأصليين وسكانها الشرعيين. ويستعملان أشد وسائل القمع والإرهاب والإبادة الجماعية للمحافظة على الامتيازات العنصرية والاستعمارية. وتوجه إسرائيل مجموعة الاحتكارات الصهيونية العالمية، كما وجه أصحاب احتكارات الذهب والماس وعلى رأسهم اليهودي هاري أوبنهايمر جنوب إفريقيا. وارتبط النظامان الاستعماريان والعنصريان بمجموعة الاحتكارات الصهيونية العالمية، ولذلك عملت إسرائيل ونظام الأبارتايد على خدمة المصالح الاقتصادية والعسكرية والسياسية لمجموعة الاحتكارات الصهيونية العالمية وبقية الاحتكارات الغربية الأخرى. وبالتالي التقت أهداف إسرائيل وجنوب إفريقيا في خدمة الإمبريالية الأمريكية في الشرق الأوسط وإفريقيا. وانطلاقاً من مصالح مجموعة الاحتكارات العالمية الصهيونية وقفت إسرائيل بجانب نظام الأبارتايد داخل الأمم المتحدة وخارجها، وصوتت ضد جميع القرارات التي تدين سياسة جنوب إفريقيا العنصرية.

ورفضت قطع العلاقات الدبلوماسية معها بعد القرار الذي اتخذته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1962 وطالبت فيه من جميع الدول الأعضاء في المنظمة الدولية قطع علاقاتها الدبلوماسية مع جنوب إفريقيا.

واتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة عدة قرارات ضد جنوب إفريقيا، وطالبت الدول الأعضاء فيها أن تقوم بتنفيذها ولكن إسرائيل لم تستجب لذلك بل قوّت وطوّرت علاقاتها مع جنوب إفريقيا، وساعدتها في كسر الحصار الاقتصادي والسياسي الذي فرضته عليها الأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الإفريقية.

وظهر التشابه للعالم بأسره بين النظامين العنصريين بما يلي:

ــــ ينطلق الإسرائيليون من خرافة شعب الله المختار بينما انطلق نظام الأبارتايد من تفوق العرق الأبيض على العرق الأسود.

ـــ استخدمت الحكومتان أبشع الأساليب العنصرية والفاشية تجاه سكان البلاد الأصليين من عرب وأفارقة.

ــــ رفض البلدان قرارات الأمم المتحدة وتمردا على تنفيذها.

ــــ استخدمت الحكومتان أساليب الكذب والتضليل التي كانت تستخدمها ألمانيا النازية لتضليل الرأي العام العالمي.

ـــــ شكلت سياسة الحكومتين وممارستهما العنصرية والإرهابية والاستعمارية خطراً على الشعوب العربية والإفريقية وعلى السلام العالمي.

التعاون بين الأيديولوجيات والأنظمة العنصرية:

يقود التشابه النظري بين الأيديولوجيات والحركات والأنظمة العنصرية إلى التضامن والتعاون فيما بينها، فتعاونت الصهيونية مع الحركات اللا سامية في روسيا القيصرية والنازية في ألمانيا والفاشية في إيطاليا ومع نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا. وقامت النازية على أساس فكرة تفوق العرق الآري على بقية الأعراق. وتقوم الصهيونية على أساس تفوق اليهود بالذكاء والنقاء العرقي والاختيار الإلهي على غيرهم من الشعوب والأعراق تماماً كنظام الأبارتايد في جنوب إفريقيا.

وتؤمن إسرائيل بوجود عرق يهودي نقي ومتميز ووجود شعب يهودي عالمي وازدواجية ولاء اليهود وعدم اندماجهم وترحيلهم إلى فلسطين العربية وترحيل الشعب الفلسطيني منها وإقامة أكبر غيتو يهودي استعماري وعنصري وإرهابي في قلب الوطن العربي والبلدان الإسلامية.

نادت النازية بنظرية المجال الحيوي لألمانيا في أوروبا وتنادي الصهيونية والكيان الصهيوني بإقامة إسرائيل الكبرى الجغرافية أو إسرائيل العظمى الاقتصادية وبنظرية المجال الحيوي لليهودية العالمية من النيل إلى الفرات، وشرعت إسرائيل القوانين فيها على أساس عنصري انطلاقاً من الدين اليهودي وممارسة العنصرية والتمييز العنصري تجاه العرب أي ما يُعرف بعنصرية القوانين الإسرائيلية.

وأدى التشابه النظري بين النازية والصهيونية إلى التعاون في الأساليب والأفعال وخدمة المصالح والقواسم المشتركة. واستخدمت النازية الحروب المفاجئة والإبادة الجماعية ومعسكرات الاعتقال لتفرض سيطرتها وتؤكد تفوقها ولتبرير استغلال واستعباد واضطهاد الشعوب الأوروبية.

وتستخدم إسرائيل الحروب العدوانية والإبادة الجماعية والتمييز العنصري والاستعمار الاستيطاني لتؤكد تفوقها وهيمنتها على بلدان الشرق الأوسط الكبير.

وتتعاطف الأيديولوجيات والحركات العنصرية مع بعضها بعضاً للتشابه النظري بينها والمصالح المشتركة التي تجمعها، فقدمت ألمانيا النازية المساعدات العسكرية الضخمة للفاشست الإسبان إبان حكم فرانكو وللفاشست الطليان إبان حكم موسوليني، وتقوم إسرائيل بمساعدة الحركات العنصرية والفاشية والاستعمارية أينما وجدت. فأقامت أوثق العلاقات مع نظام الأبارتايد، وقدمت المساعدات للفاشست في تشيلي وإلى سوموزا جزار الشعب النيكاراغوي وحتى منظمات المافيا في الولايات المتحدة وأوروبا.

أثبت التاريخ البشري زوال الأيديولوجيات والأنظمة العنصرية في العالم وزالت النازية من ألمانيا والفاشية من إيطاليا وإسبانيا والعنصرية من روديسيا والبرتغال ونظام الفصل العنصري الأبارتايد من جنوب إفريقيا ومصير إسرائيل ككيان استعمار استيطاني وعنصري وإرهابي دخيل على فلسطين وغريب عنها إلى الزوال مهما طال الزمن وغلا الثمن، فالصراع صراع وجود وليس نزاعاً على الحدود.

المراجع:

  • عبد الغني سلامة – مظاهر الابارتهايد في السياسات الإسرائيلية – موقع شؤون فلسطينية- الانترنت.
  • هيثم مناع – الامعان في حقوق الانسان – موسوعة عالمية مختصرة- ص312.
  • غازي حسين – اسرائيل والابارتهايد – موقع قادرون معا – الانترنت.